خواطر – بقلم: طارق حنفي مفكر وأديب مصري
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)} [(٢٦،٢٧)، الرحمن]

قالوا في مقاصد سورة الرحمن:
– ذكر البقاعي أن مقصود سورة الرحمن بالذات: إثبات الاتصاف بعموم الرحمة؛ ترغيباً في إنعامه بمزيد امتنانه، وترهيباً من انتقامه، بقطع إحسانه، وعلى ذلك دلَّ اسمها (الرحمن) لأنه العام الامتنان.
– قال الزمخشري في “الكشاف”: “أراد الله أن يقدم في عدد آلائه أول شيء ما هو أسبق قدماُ من ضروب آلائه، وأصناف نعمائه، وهي نعمة الدين، فقدم من نعمة الدين ما هو أعلى مراتبها، وأقصى مراقبها، وهو إنعامه بالقرآن، وتنزيله، وتعليمه، وأخَّر ذكر خلق الإنسان عن ذكره، ثم أتبعه إياه، ثم ذكر ما تميز به من سائر الحيوان من البيان”.
والسؤال: مع مقاصد سورة الرحمن التي ذكرنا بعضها، هل يتسق معنى الآيات محل الكلام مع خاتمة سورة القصص كما يقول الكثير من المفسرين؟! {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ ۘ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ۚ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)} [القصص: ٨٨]
قال السعدي في تفسير الآية الكريمة:
{كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ} أي: كل من على الأرض، من إنس وجن، ودواب، وسائر المخلوقات، يفنى ويموت ويبيد..
{وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ}: ويبقى الحي الذي لا يموت..
{ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } أي: ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه.
{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ}: بل أخلص للّه عبادتك..
فإنه {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ}: فلا أحد يستحق أن يؤله ويحب ويعبد إلا اللّه الكامل الباقي..
الذي {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ}: وإذا كان كل شيء هالكا مضمحلا، سواه فعبادة الهالك الباطل باطلة ببطلان غايتها، وفساد نهايتها..
{لَهُ الْحُكْمُ}: في الدنيا والآخرة {وَإِلَيْهِ} لا إلى غيره {تُرْجَعُونَ}: فإذا كان ما سوى اللّه باطلا هالكا، واللّه هو الباقي، الذي لا إله إلا هو، وله الحكم في الدنيا والآخرة، وإليه مرجع الخلائق كلهم، ليجازيهم بأعمالهم.
نقول والله أعلم:
في الآية الكريمة التي في صورة القصص، يخبرنا الله -سبحانه- أنه وحده المستحق أن يُؤله ويُعبد، وأن الحكم في الدنيا والآخرة له وحده، والمرجع له وحده، والبقاء له وحده؛ ولذلك فإن الدعاء والرجوع يكون له وحده.
أما في سورة الرحمن: فقد استخدم المولى سبحانه كلمتي (من) و (عليها) والتي تناسب الحديث عن المخلوقات العاقلة على الأرض والمكلفة بالعبادة وهما الإنس والجن، وهو ما يتماشى مع مقاصد سورة الرحمن التي تعدد نعم الله على الإنس والجن..
كما وصف وجهه الكريم بذي الجلال والإكرام، الجلال: أي ذو العظمة والكبرياء والمجد، الذي يعظم ويبجل ويجل لأجله، والإكرام: الذي هو سعة الفضل والجود، والداعي لأن يكرم أولياءه وخواص خلقه بأنواع الإكرام، أي الذي يكرمه أولياؤه ويجلونه، ويعظمونه، ويحبونه، وينيبون إليه ويعبدونه.
وهو ما يقودنا إلى الاعتقاد بأن البقاء والخلود في آيات سورة الرحمن ليس المقصود به وجه الله ذاته، لكنه العمل الذي يُعظِم ويبجل ويجل صاحبه اللهَ إلى درجة جعلت نيته خالصة لوجه الله، والتي جعلته وليًا لله، في معية الله، كما جعلت عمله مقبولًا عند الله، وصاحبه محبوب ومذكور عند الله، لقد أعطت هذا العمل البقاء والخلود في معية الله.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد الحبيب المصطفى الأمين وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا .





