باقر الربيعي . . أساليب مُبتَكَرة ورؤىً إخراجيّة حديثة (2 – 2)

لندن / عدنان حسين أحمد
بتاريخ 14 / 09 / 2025 نظّم (نادي السينما) التابع للمركز الثقافي العراقي بلندن أمسية سينمائية ثانية تمّ فيها عرض فيلمين روائيين قصيرين وهما (ترانزيت) و (البنفسجية) و (سمبل)، وهو فيلم وثائقي طويل مدته (55) دقيقة للمخرج العراقي باقر الربيعي. وتأتي هذه الأمسيات للتعريف بالسينما العراقية المُنجَزة في الداخل أو في المنافي العالمية. وقد أعقب العروض الثلاثة حوار مفتوح مع جمهور النادي السينمائي أدارهُ الفنان والمخرج جمال أمين الذي سلّط الضوء على مضامين الأفلام المعروضة والرؤية الإخراجية لباقر الربيعي الذي أنجز أفلامًا روائية ووثائقية عديدة نذكر منها (همسات الشياطين)، (الجانب الآخر)، (صورة)، (البنفسجيّة)، (ترانزيت)، (سمبل)، (بعد خمس دقائق) و (على مشارف مشبالو) وهو منهمك حاليًا بوضع اللمسات الأخيرة على مسلسل حربي يحمل عنوان (الصالح). تجدر الإشارة إلى أنَّ تجربة باقر الربيعي الإخراجية تبدو من نسيج وحدها وهي غريبة وغير مألوفة في مقارباتها الشكلية والمضمونية ولعل أبرز ما يحتاجه هو الدعم المالي الذي لم يحصل عليه أسوة ببعض أقرانه كي يقدّم لنا فيلمه الروائي الطويل الأول، فهو مُخرج متعدد المواهب، ولديه أساليب مُبتَكرة سواء في كتابة السيناريوهات أو المعالجات الفنية المُغايرة أو الرؤية الإخراجية التي تتلاقح مع الأفكار السينمائية الحداثية.
ترانزيت . . يؤرشف قتلى الحروب العراقية
يُعتبر الفيلم الروائي القصير (ترانزيت) للمخرج باقر الربيعي من الأفلام الاستثنائية التي عالجت ثيمة الحرب بطريقة جديدة لم نألفها من قبل فهو يتتبّع الآثار النفسية التي تركتها الحروب على الإنسان العراقي على وجه التحديد ولا يميل إلى تجسيد المعارك الحربية ومَشاهد القتال المروّعة ظنًّا منه أنَّ مُخلّفات الحرب ونتائجها هي الأكثر تأثيرًا على الإنسان والمجتمع في آنٍ واحد. وإذا ما أدركنا أنَّ الحرب لا تنتهي بوقف إطلاق النار وإنما تستمر في ذاكرة المتضررين منها كالآباء والأمهات والزوجات والأطفال إضافة إلى الضباط والجنود المشاركين فيها. ولتأكيد صحة ما نذهب إليه نستشهد بإجابة الربيعي على سؤالٍ للصحفية رجاء الشجيري حيث قال: (ما أردتُ التعبير عنه من خلال “ترانزيت” هو أن الحرب لا تنتهي بانتهاء القتال، بل تترك آثارًا ممتدة في حياة الناس، في انتظار الأمهات، في نظرات الأطفال، وفي ذاكرة المجتمع)([1]).
لا شكّ في أنَّ ثيمة الموت هي من أقوى الثيمات الموجودة على وجه البسيطة ولعلّ سؤال الموت الأزلي لا يقتصر على الإنسان حسب وإنما يمتد إلى الحيوان والنبات والجماد فكل فئة على انفراد تدافع عن حقها في الحياة بطريقة ما قد لا نُدركها نحن البشر الفانون الذين نسعى إلى الخلود بطرق مجازية مختلفة.
وعلى الرغم من بساطة الفكرة النظرية المُهيمنة التي اجترحها السينارست ياسر موسى وحقّقها المخرج باقر الربيعي وهي أرشفة قتلى الحروب العراقية ومفقوديها إلّا أنها في واقع الحال فكرة معقدة جدًا ومستحيلة في كثير من الأحيان لأنّ هناك ألوفًا مؤلفة من الضحايا الذين غادرونا إلى العالم الآخر من دون أن يحصلوا في الأقل على شاهدة قبر تدلُّ عليهم وتُشير إلى بقاياهم الجسدية التي لم تنجُ من زخّات الرصاص، وشظايا القنابل، والصواريخ التي صنعها خبراء الأسلحة المعتوهون الذين يفتكون بالكائن البشري كل يوم.
لا بد من من إلقاء بعض الضوء على مهنة الموظف يعقوب عزيز الذي يعمل بقسم الإحصاء الطبي في دائرة الطب العدلي التابعة لوزارة الصحة ومهمته هي توثيق جثث القتلى والمفقودين في الحروب العراقية المتعاقبة. لم يشِر الفيلم إلى زمان الحرب لأن هناك حروبًا متعددة بدأت منذ ثمانينات القرن الماضي في أضعف تقدير واستمرت حتى تحرير الموصل من دنس الدواعش في 10 يوليو / تموز 2017. أمّا المكان فهو ببغداد لكنه لم يشِر إلى اسم المستشفى الكبير الذي يضمّ دائرة الطب العدلي الأكبر في البلاد التي يُفترض أنها معروفة للعراقيين جميعًا. يصرّح باقر الربيعي في الحوار الذي أجراه الناقد السينمائي علاء المفرجي قائلًا: (أسلوبي الإخراجي الذي أعتمده في أفلامي يكمن في أنْ أعطي للمكان أهمية، وأنْ يكون جزءٌ مهمّ فيها للصورة والبعد الدرامي، كي نلمس غرابة المكان المغلق، الذي يحسّ به المشاهد من أول لقطة)([2]).
وقبل الولوج إلى تفاصيل الفيلم الروائي القصير لا بدّ من التوقف عند أحداث الفيلم وبنيته السردية التي استمرت لمدة 17 دقيقة وهي تكشف لنا منذ البداية عن المكان أو (اللوكيشن) المغلق الذي يتحرّك فيه الموظف المؤرشِف يعقوب عزيز الذي أدّى دوره ببراعة وإتقان الفنان (أسعد عبدالمجيد). ولكي لا أجيّر هذه المعلومة لمصلحتي الشخصية يجب أن أقول بأنّ هناك بضعة نقاد سينمائيين قد أشاروا إليها وهم الناقد والمؤرخ مهدي عبّاس، والناقدَين السينمائيين علي حمود الحسن وعلاء المفرجي وربما هناك نقّاد آخرون أشاروا إلى هذه الملحوظة ولم أتعرّف عليهم بسبب تقصير شخصيّ أتحمّل وزره وعواقبه. وهذا المكان المغلق أو الضيّق Claustrophobic Place الذي يشي بحالة مرضية نفسية ينتقل إلى المتلقّي شاء أم أبى ليكتم أنفاسه ويضيّق عليه الخناق إلى الدرجة التي يشعر فيها بالاختناق وكأننا نحسد هذا المُؤرشِف الذي يتصاعد في صدره الشهيق والزفير. لم يكن الموت حالة صادمة في العراق بعد الاحتلال الأنگلو – أمريكي لبلاد الرافدين خاصة وأنَّ العراقيين قد اعتادوا على مشاهدة جثث الضحايا المُلقاة على أكوام المزابل والنفايات في غالبية الأحياء البغدادية وما سواها من المدن العراقية حتى أصبح هذا المنظر مألوفًا ولم يعُد يثير استغراب العراقيين أو دهشتهم في الأقل. وحتى لو اعتبرنا منظر الموت صادمًا ومُحرِّكًا للمشاعر الإنسانية فإنّ الاعتياد اليومي عليه يجعله مألوفًا وكأنَّ الناظر يشاهد شيئًا طبيعيًا لا يُثير فيه الدهشة والاستغراب.
يتضمّن متن القصة السينمائية التي كتبها السينارست المُبدع ياسر موسى خمس مكالمات هاتفية أربعًا منها يُقطّعن نياط القلب إذا ما استثنينا المكالمة الهاتفية التي حدثت بين حبيب وحبيبته نتيجة خطأ تقني بوسائل الاتصال. وهذه المكالمات هي كالآتي: الأول يسأل عن جثة تحمل اسم (أحمد عبّاس مجيد) الذي فُقِد منذ ثلاثة أيام وضاعت أخباره ولعله يكون موجودًا مع الجثث مجهولة الهُوية، والثاني يسأل عن ياسين وما إن يسمع المُؤرشِف بهذا الاسم حتى يسقط في دائرة الانفعال ويجيب بأن هذا الاسم غير موجود على الإطلاق من دون أن نعرف السبب لكنه يُذِّكرنا ببندقية تشيخوف المعلّقة على الجدار ولا بدّ أن نشمّ رائحة البارود لاحقًا. والمكالمة الثالثة التي تقوم بها الطفلة نور فرحان سعيد نيابة عن أمها المريضة التي أعطتها الرقم وطلبت منها أن تسأل عن والدها فرحان سعيد إن كان موجودًا في السجل أم لا؟ ويطمئنها المؤرشِف الذي وجد اسمه في الأرشيف ولم يُخبرها بوجوده ووعدها بأنه سيعود إليهما ويجلب لها كل الأشياء التي تحبّها.
تقنية اللحظة التنويريّة
بنى السينارست هذا الفيلم على تقنية الضربة أو اللحظة التنويرية التي حقّقها له المخرج في خاتمة المطاف، فهذا الشخص الذي يسأل عن ياسين ويتمنى على المؤرشِف أن يعطيه الفرصة لكي يحيطه علمًا بهذه الشخصية التي يعتقد أنها مفقودة أو ميتة هو شاب رياضي لا يعرف الخوف أو التردّد وقد أراد أن يُنقذ الناس الذين أصبحوا تحت الأنقاض جرّاء سقوط الصاروخ ولكن سوء الحظ أسقط صاروخًا ثانيًا في المكان نفسه فلم يجدوا له أثرًا. وحينما يسأل عن اسمه ثانية يؤكد المتصل بأنه (ياسين يعقوب). ورغم أنّ المؤرشف لا يريد أن يُصدّق هذا الخبر فتشتطّ به مُخيلته إلى إحتمالية خروجه مع واحد من أصدقائه الكُثر أو أنَّ الطريق الذي يسلكهُ قد أغلق لحالة طارئة، وحينما يلّح المتصل يفقد المؤرشف أعصابه ويطلب منه الكفّ عن الاتصال، لكننا مع ذلك نقرأ على الشاشة (ياسين / 2007 / ذكر / طالب / أعزب / الأب: يعقوب ياسين) ولكي يُوصلنا المخرج إلى النهاية المدروسة يقرّب لنا صورة الباج الذي يحمله المؤرشِف فنقرأ تفاصيل الهُوية التي تقول: (وزارة الصحة / دائرة الطب العدلي / الاسم: يعقوب عزيز / القسم: الإحصاء الطبي / رقم الهوية: 168837 ) عندها نفهم أنّ المتصل يسأل عن ياسين ابن المؤرشف ذاته! وهذا هو سرّ المكالمة المُريبة التي أفقدت المؤرشِف أعصابه وأسقطتهُ في دائرة الانفعال الأهوج) فما من أحد في بلاد الرافدين يمكن أن ينجو من الكوارث العديدة التي تتربص بالجميع. لا بدّ من الإشارة في خاتمة المطاف إلى أنّ عنوان (ترانزيت) يعني محطة العبور الأخيرة في هذه الحياة إلى العالم الآخر، وهو عنوان شديد الدلالة إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار أنَّ المخرج يُدين الحروب في كل مكان ويسعى إلى إيقافها بكل السُبل المُتاحة لديه.
البنفسجيّة . . الرهان على الغموض والبُعد الرمزي
ينطوي فيلم (البنفسجية) للمخرج باقر الربيعي على نوعٍ من الغموض والتشويق اللذين يشدّان المتلقي منذ بداية الفيلم وحتى نهايته. يبدأ هذا الغموض من العنوان الذي يبدو عائمًا أول الأمر لكنه ينجلي بعد أربع دقائق حينما نرى الخيوط البنفسجية التي خِيطت بها الصدرية المُدرّعة التي تُخفي من يرتديها ومن هنا انبثق عنوان الفيلم. لا بدّ من الأخذ بعين الاعتبار الطريقة التي كتب بها السينارست هذا الفيلم الإشكالي الذي لا يراهن على الواقع كثيرًا وإنما يعوّل على الحلم، ويعتمد على الرمزية التي حرّكت سياق الفيلم بطريقة منطقية ومعقولة إذا اعتبرنا أنَّ الطفلين حالمان وأنَّ الفتاة الصغيرة (فاطمة البياتي) لجأت إلى (الكذب) من أجل استدراج الطفل (مصطفى زيد) لكي يقوما بجولة في أحد أحياء قضاء (بيجي) الذي دمّرته الحرب وأوصلتهُ إلى الخراب الفظيع الذي نراه أمام أعيننا كمتلقّين عضويين نتفاعل مع الأحداث ونندمج بها إلى حدّ التماهي. كما أنّ هذا الفيلم مصنوع بالعين التشكيلية للمخرج باقر الربيعي فهو فنان تشكيلي قبل أن يكون مخرجًا سينمائيًا ولهذا فقد طبع مفاصل الفيلم بلمسات تشكيلية واضحة المعالم تبدأ بطلاء واجهات المحلات والمنازل باللون الفيروزي أو التركوازي وهو من الألوان الباردة التي تشير إلى أنَّ الأعداء يقتلون العراقيين الأبرياء بدم بارد، ويخرّبون منازلهم، ويعيثون فسادًا بمدنهم. ومن يُشاهد الحيّ المدمّر الذي تجري فيه الأحداث سيكتشف حجم الجهد الذي بُذل في طلاء الواجهات الكثيرة للمنازل والدكاكين والورش التي تغطي مساحات كبيرة من هذه المدينة المُدمرة.
ولو تتبعنا قصة الفيلم التي كتبها مصطفى الركابي بحرفية ملحوظة لوجدناها تتمحور على صبي يحاول إنقاذ والدته التي أُصيبت بطلقات نارية في أثناء الحرب وبما أنها جريحة ولم تفارق الحياة بعد فلا غرابة أن يسعى لإنقاذها بكل السُبل المُتاحة لديه حيث يُصادف صبية صغيرة في مثل سنّه تعْرض عليه المُساعدة شرط أن يُنفِّذ طلباتها. وكل ما يحتاجه الصبي الذي وجد نفسه الناجي الوحيد بعد أن استفاق من حادثة الهجوم على السيارة وقتل من فيها هو العثور على كرسي متحرّك لنقل أمّه إلى أقرب مستشفى أو مركز صحي في المدينة المهجورة. تُرى هل كانت الطفلة على قيد الحياة أم أنّ كلاهما كان ميتًا لكن المخرج هو الذي أحياهما في مُخيّلته وفي مخيّلة المُشاهدين أيضًا؟
لقد أقنعت الصبية هذا القادم الجديد المُصاب بجروح بسيطة أن يلبس الصدرية التي تُخفيه عن نظر الآخرين وخاصة العساكر المبثوثين في أرجاء المدينة وأقنعتهُ بأنَّ والدها قد أضاف مادة للخيوط تتفاعل مع الضوء الأمر الذي يُفضي إلى إخفاء أي شخص يرتدي الصدرية، وبهذه الطريقة فقد تمكّنت الصبية من أن تتجول في أرجاء المدينة المدمّرة. وقد رأيناهما بالفعل وهما يتجولان بين متاريس الجنود وسواترهم الترابية من دون أن يشعر الجنود بهما، بل وصل الأمر إلى حدّ الإمساك ببنادقهم القنّاصة والتطلّع بنواظيرها التي تقرّب الأهداف البعيدة. ولكي تستدرجه في مغامرة التجوّل في أرجاء المدينة أخبرته بوجود مستوصف صحي يمكن أن يوفّر لهما العلاج أو يمنحهما (سديّة) لنقل أمه إلى المكان الذي يبتغيه. وأشعلت رغبته بالقول إنَّ هناك مكانًا فيه كهرباء وغرفة يتواجد فيها أكبر تلفاز شاهدته في حياتها كما أنه مكتظ بالجنود غير أنّ كذبتها التي انطلت عليه لبعض الوقت قد تكشّفت الآن فلقد سمع أحد الجنود المدججين بالسلاح صوتًا بشريًا وهذا يعني أنهما مرئيان ومسموعان من قبل العدو وأن تقنية الإخفاء التي أشاعتها الصبية لم تكن أكثر من كذبة مفضوحة حاولت أن تتداركها في الحال لكنها فشلت في مداراة موقفها الضعيف الذي ادّعت بأنه يحدث أول مرة فقد كانت تأتي من دون أن يراها أو يشعر بها أحد. كما أنَّ الصبي نفسه قد شعر بالخطر المحدق بهما حينما قال بالمحكية العراقية: (إجا يكتُلنا!) لكنهما نجيا بأعجوبة. يتشاجر الصبيان اللذان عثرا على كرسي متحرك يتناوبان الجلوس عليه وحينما يصلان إلى بيتها يغادر الصبي لحال سبيله ويقلع صدرية الإخفاء ويطلب منها أن تسلّم على أبيها إذا عاد وتخبره بأنه أذكى رجل في العالَم. لم تنتهِ قصة الفيلم عند هذا الحدّ حيث يعود الصبي بكرسيه المتحرّك إلى السيارة في محاولة يائسة لنقل أمه إلى أقرب مركز صحيّ لكنه عربة عسكرية تقترب منه فيختبئ بجوار السيارة المعطوبة لكي يتفادى دورية الجيش ثم نراه يتجول في بيت مدمّر يكتظ بجثث محروقة أخذت شكل التماثيل المتصلبّة بينما نسمع الصبية وهي تخبره بأنها وجدت مكانًا أحلى وأجمل من مكانها السابق الذي ادّعت أنه يضم جدّتها الطاعنة في السن. جدير ذكره أنّ فيلم (البنفسجية) قد اشترك في 40 مهرجانًا سينمائيًا وفاز بـ 14 جائزة، كما حصد فيلم (ترازيت) 18 جائزة في مهرجانات محلية وعربية ودولية.
[1] – الشجيري، رجاء، السَّرد البصري أخذ بيدي إلى السينما، صحيفة الصباح، بغداد، 06 / 10 / 2025.
[2] – المفرجي، علاء، غير معقول أن أصنع فيلماً رومانسياً في حالة اقتتال، العربي الجديد، لندن، 22 ديسمبر 2022.





