النَّدَّاهة/يوسف إدريس
•••
وفي مدينةٍ كبيرة كهذه مليئة بالذئاب، ذئاب الليل وذئاب النهار، ذئاب الأوتوبيسات وذئاب العربات، وحتى الأرصفة وطوابير الجمعيات الاستهلاكية لها ذئاب، وفي عمارةٍ كبيرة كهذه لا يمكن أن يسلَم الأمر من وجود ذئب.
والحقيقة أنه كان فيها أكثر من ذئب من العبَث التصدِّي لهم جميعًا، فيكفينا ذلك الشاب الأبيض الحليوة قاطن الشقة الوحيدة بالدور الأرضي، أخفُّ سكان العمارة دمًا، وأكثرهم حيوية وتواضعًا، كما أنه خدومٌ شهم يجيد احترام الآخرين ورفع الكلفة معهم، وكل هذا طبعًا لا يعني أنه ليس بذئب؛ فالحقيقة أن هذا السطح البرَّاقَ الخاطف للبصر كان يُخفي ليس ذئبًا فقط، إنما يُخفي ضبعًا شريرًا لا ذمة له ولا ضمير؛ فهو مجنون بالنساء جميعًا، وفي سبيل أن يظفر بالواحدة منهن مُستعِد أن يفعل المستحيل، مُستعِد أن يكذب أو ينافق أو يسرق أو يقتل أو يستعمل القنبلة الذرية لو كان يملك واحدة، والمرأة عنده ليلةٌ واحدة يقضيها معها، وبعد هذا يبحث عن الثانية، وكأنه أخذ نساء الأرض جميعًا مُقاوَلَة، وعليه أن ينتهي منهن قبل أن يفرغَ عُمره، وعُمره الآن خمسة وثلاثون عامًا، وسُمعته كالذهب، أو عبقريته أنه استطاع أن يُخفي حياته الأخرى هذه عن المجتمع الذي يحيا فيه، بحيث يمشي مع الشرفاء مرفوع الرأس لا يعرف ما بداخله سوى ضحاياه، وحتى ضحاياه كثيرًا ما غفرن له، بل وبعضهن أحبَّه وتعلَّق به وذاق من العذاب أهوالًا. بالطبع كان قد انتهى مِن كل مَن رُقن في عينَيه من سكان العمارة، وبالضبط وهو عائد ذات يوم من عمله، وبعدما حيَّاه «حامد» بطريقة البوابين التي كان قد أتقنها، والتي كان يستطيع بها أن يوهمك أنه وقف بينما هو في الحقيقة لم يغادر مجلسه، و«فتحية» أمام باب الحجرة جالسة قد احتوت رضيعها تمنحه ثديها الأبيض الناصع الشديد البياض الضامر أيضًا، الضامر إلى درجةٍ لم يكن يملك معها الإنسان إذا رآه إلا أن يرثي لصاحبته!
ولكن أفندينا — الساكن — لم يَرثِ؛ ألقى عليها نظرة، ثم بالتفاتةٍ مقصودة أو غير مقصودة ألقى نظرةً أخرى على «حامد» الذي عاد يمُد ساقه النحيلة فوق الساق الأخرى، بحيث يمكنه أن يمُد ذراعه، ويسند إليه يده، ويداعب مسبحةً رخيصة ناقصة الحبات، بينما وجهه الأسمر الحافل بحُفرٍ تشهد أن الجديري قد زار طفولته، وجهه ذاك قد عادت تحتلُّه ابتسامةٌ طيبة مليئة بسعادةٍ ساذجة البراءة، وبدا كما لو كان يعود ليَنهَى — بحماسٍ فاتر — ابنَه الأكبر عن تخطيط رُخام المدخل بقطعة طباشير عثَر عليها، وكان سعيدًا بابنه وشقاوة الذكورة فيه سعادةً تجعل لسانه ينتقل في نشوة من تأنيب ابنه ونَهْره إلى مداعبة «فتحية» ومطالبتها بابنٍ ثالث علَّه يطلع هادئًا وديعًا كأمه.
استوعَب الأفندي الساكن هذا كله في الزمن القليل الذي استغرقه ليصل إلى باب شقته، ويضع مفتاحه في قفلها، وفي ومضة كان عقله المركب بطريقةٍ لا بد غريبةٍ بالغة التعقيد، فمشهد كهذا كان يمكن أن يهزَّ بعضهم رأسه لرؤيته، أو يبتسم في رثاءٍ مثلًا، أو حتى إذا كان شريرًا، فأقصى ما يفعله أن يسخر بينه وبين نفسه من هذه العائلة الطيبة المسكينة السعيدة. أما هو فقد كان موقفه أن اتخَذ في الحال قرارًا لا رجعة فيه، أن يلتهم «فتحية»، ويضُمَّها إلى قائمة الضحايا. هو ليس إذن ذئبًا عاديًّا، إنه ضبع، أشدُّ ما يجذبه إلى الضحية هو بالضبط نفس الأسباب التي تدفع غيره من الذئاب لأن يبتعد. إن أسعد مغامراته تلك التي انقَضَّ فيها على أرملة في نفس ليلة وفاة زوجها العجوز، أو تلك التي بدأ بها تاريخه حين ضاجع أم زميله الذي كان يُذاكر معه. أما تلك الخائفة المنكمشة على نفسها، التي ما خاطبها مرة إلا واستدارت بعيدًا مبتعدة أو هاربة، ذات الثدي الأبيض الضامر وزوجة الأسمر الطويل الفلاح «حامد»، فلا علاج لانكماشها على نفسها وخوفها منه ومن مصر والمصاروة، إلا بأن يأتيَها عساها تكُفُّ عن الانكماش، وتأنس إلى ناس المدينة.
وعبقريته، ولكلٍّ عبقريته الخاصة، أنه ما إن يتخذ قرارًا كهذا، حتى يبدأ عقله يتفتق عن أفكارٍ جهنمية، وعن طرق ووسائل لا يمكن أن تخطر على عقل بشر؛ فهو خاملٌ كسول ممتعض الابتسامة إلى أن يحدُث وتقع عينه على الواحدة منهن ويقَر قرارُه، في الثانية التالية تجده قد استحال إنسانًا آخر دبَّت فيه طاقات الحياة، وتفجَّرت في عقله الأفكار والخطط، وأقبل على الحياة بشهيةٍ مفتوحة، وأصبح كائنًا آخر لا تكاد تعرفه.
وقبل أن يُدير المفتاح كانت يده قد خبطَت جبهته علامة الألم للنسيان، وكانت المحفظة قد أُخرجت وخمسة جنيهات قد فُردَت أمام عيني «حامد»، وعُلبة سجاير كليوباترا يا «حامد» نسيت شراءها، هاتها أنت من تحت الأرض بأي ثمن ولو بثلاثين قرشًا، والورقة بخمسة جنيهاتٍ معك، لا تعُد إلا بها يا «حامد»، حتى لو ذهبتَ إلى شبرا البلد.
يا لمكره وهو يفتح ﻟ «حامد» باب الاختلاس المحدود على مِصراعَيه! الاختلاس المغري بالغياب وادِّعاء التعَب. ويا لطيبة «حامد» وهو يبتلع «الطعم» في الحال! ويُقرِّر حتى قبل أن يبرح مكانه أن ثلاثة قروش على الأقل ستدخل جيبه من هذه الصفقة، وعليه أن يُبرهن أنه استحقَّها. أما أنتِ يا ست منكمشة — فبعدما تأكد من ذهاب «حامد» ها هو ذا يعود فاتحًا باب شقته الذي لا يبعُد عن باب حجرة «السلم» إلا بضع خطوات: مش تشرفينا؟ «فتحية» فعلًا وأنت «فتحية»، وابنك الرضيع هذا؟ «سلطان؟» عاشت الأسامي، والثاني «عنتر؟» ياه! عيلة أبطال صحيح، والثالث؟ ما فيش ثالث؟
من هنا نبدأ، ونبدأ بلو كنت من «حامد» لكان الثالث على الأبواب، وعلى هذا الباب الأخير مضى الولد القاهري «المرقَّع» يدق دقًّا اكتشف أن «فتحية» بالكاد تعيه. أغباء هذا أم استغباء؟ على أي الحالَين عليه أن يُغيِّر الأسلوب. المال؟ إن هذا النوع لا يُقدِّر قيمة المال، فلا يعرف قيمة المال إلا من يعرف كيف يصرفه، إلا المتعامل بالمال. الحب؟ إن هذا الصنف أيضًا لا يتطلع إلى الحب، أو بالذات حبه، هم لا يرفعون عيونهم أبدًا إلى ما فوق الحواجب، ولا يتطلعون إلا لحب مَن في طبقتهم، أو ربما إذا تطلَّعوا فإلى الأعلى منها بقليل، أما هو البيه الوسيم الذي يعامل الخمسة جنيهات بهذا الاستهتار فمحال. من أين «أكلك» إذن يا «بطتي» النحيفة المعضمة؟ بخطةٍ بعيدة المدى لا بد، خطة تجعل هذه الخائفة المنزعجة المذعورة تطمئن إليه أولًا، وتكُف عن الخوف منه، ثم يتقدَّم خطوة ويرفع الكُلفة معها، ثم ينتهز الفرصة أو يخلقُها خلقًا، ويحاصرها حصارًا لا تملك معه إلا السقوط.
وما كاد يبدأ التطبيق حتى أدرك أنه رغم كل ذكائه وفهلوته قد خانته فراسته هذه المرة؛ فهو ما كاد يبدأ الخطوة الأولى لتطمينها بالحديث معها، حتى أدرك أنه ليس أمام إنسانة، وإنما هو أمام حيوان كحيوان القواقع، ما تكاد تُحس باقتراب صوت أو خيال، حتى تنكمش وتنكمش، حتى لتستحيل إلى كتلةٍ صمَّاء من اللحم والعظم غير قادرة على الإرسال أو الاستقبال. إنه للآن لم يَرَها رأي العين، إن هي إلا مرةٌ رأى فيها وجهها، وما كادت تُدرِك أنه يراها، حتى كان وجهُها قد اختفى، واختفى وهي أمامه لم تبرح مكانها ووسامتُه من أقوى أسلحته، وقد كان يريد لها أن تراه، كان متأكدًا أنها إذا رأته مرة، وتطلَّعَت إليه مليًّا، فإن شيئًا ما سيحدث لها، تمامًا مثلما كان يحدُث للعشرات اللاتي سبقنها، ولكن كيف تراه وهو كلما هم بالتحدُّث معها أحَسَّ أن شيئًا في داخلها يمنعها أن تسمع، وإذا سمعت يمنعها أن تعي، وإذا وعَت يمنعها أن ترُدَّ أو تُجيب، أو حتى تتطلع لتعرف من الذي يتحدث؟
وقد كان من الممكن أن يحدُث هذا ﻟ «فتحية» في أول مُقامها بالعمارة، أما بعد أن خرجَت وجابت الشارع، وأصبحَت تتعامل مع السكان وغير السكان، فهو موقفٌ إذن من الأفندي وحده. «فتحية» في الحقيقة لم تكن تفعل معه هذا اعتباطًا؛ فهي ليست غبية ولا فقدَت الحذَر، وحين تلا حديثهما العابر البريء الأول بحديثٍ أحسَّت به مُصطنَعًا مُفتعَلًا استيقظَت فيها فجأةً كل مخاوفها القديمة تجاه مصر والبحر والأيدي الممتدة، وملأها الرعب من ذلك الأفندي الذي كثيرًا ما هتف به الهاتف، صحيحٌ أن الهاتف لم يُحدِّد شكل الأفندي، ولكنه أفندي تُحس أنه عن عمدٍ يتقرب إليها. أليس هذا كافيًا لكي يجعلها تُحس أنها أصبحت بين أنياب الخطر، وإن هي إلا كلمةٌ تَفلِت منها أو لينٌ تُظهِره تجاهه، حتى تنتهي هي وينتهي كل شيء. لقد أصبحَت من فَرْط حذَرها بالكاد تنام الليل، ووجود «حامد» نفسه لا يُطمئنها، والباب الذي تُغلِقه وتتأكَّد أكثر من مرة أنه مُغلَق لا يُفلِح في كبت مخاوفها؛ فمصيبتها الكبرى أن الهاتف يؤكِّد لها أن ما يُوسوِس لها به سيقع، برضاها سيقع، برغم رضاها سيقع. إنها تكاد تُجن، فلتُجنَّ أو فلتمُت أو ليحدُث أي شيء، ولكنها ستقاوم، ولن تسمح لصلةٍ أو حتى كلمةٍ أن تكون بينها وبين ذلك الأفندي، ولتدُرِ المعركة في داخلها في صمتٍ رهيبٍ لا يعلم بها مخلوق، ولا تستطيع أن تبوح بها لمخلوق.
وبالوُسْع تصوُّر مقدار الفجيعة التي أصابت ذئبنا الضبع وهو يرى جهوده ووسامته وذكاءه تذهب سُدًى أمام جبروت هذه الفلَّاحة البيضاء، وانطوائها على نفسها وإغلاق ذاتها دونه، حتى لقد استحالت المسألة عنده من مغامرة كان يعتقد أنها بسيطةٌ عابرة إلى خوفٍ من الهزيمة، واهتزازٍ كاملٍ بالثقة بنفسه، حتى أصبح عليه لا أن يخوض مغامرة، وإنما أن يُثبت لنفسه أنه لا يزال ذلك القادر الذي ما استعصَت امرأةٌ عليه قَطُّ، ولا فَشِل مرة.
الأيام تمضي بسرعةٍ مذهلة، حتى لقد مضى على قراره شهران، وهو لا يزال قرارًا لم ينجح لخطوةٍ صغيرة واحدة في طريق تنفيذه. وتفكيره في المغامرة، وفي «فتحية» دائبٌ صباحَ مساءَ، حتى أصبح هذا الموضوع أهم ما يشغله في حياته، بل لم يعُد في حياته سواه. أحيانًا كان يُفيق لنفسه، ويستنكر أن تكون هذه حاله، وأن يكون هو نفسه الذي جاب مملكة النساء بسمائها وأرضها ونجومها، وجرَّبَهُن جميعًا من الأميرات إلى الغسالات، بل والسائلات، هو نفسه الذي يهَب كلَّ ذلك الوقت والمجهود والتفكير لامرأة ﮐ «فتحية»! إن هناك خطأً في الموضوع لا يعرف سِرَّه، ومن المُحال أن يفشل، حتى لو كلَّفَته هذه المغامرة عُمره. وأحيانًا يُفيق ليُواجه سؤالًا لم يُوجِّهْه لنفسه أبدًا: أيكون قد أحَبَّ «فتحية»؟ إذا قيس الحب بمقدار الكمِّ من الوقت الذي يقضيه المرء يُفكِّر في حبيبه، فهو إذن ليس في حالة حُبٍّ فقط، ولكن في حالة حُبٍّ عظيم نادر؛ فلم يحدُث من قبلُ أن تفرَّغ إنسان للتفكير في إنسانة كما يفعل هو مع «فتحية»، بل وها هو ذا حين يجد صدَّها له كاملًا حاسمًا نهائيًّا، وليس ابن يومه فقط أو لحظته، وإنما من الواضح أنه سيظل هكذا إلى الأبد، حين أدرك هذا ويئس تمامًا من كل محاولاته أصبح كلُّ همه وأمله ألا يحادثها أو تحادثه، ولا حتى أن يحلُم أن يُوقِعَها، وإنما أن يراها، مجرد أن يراها. وحتى هذا الطلب البسيط الشديد التواضُع أصبح عسيرًا هو الآخر صعب المنال؛ فلقد تزايد خوفُ «فتحية» وتزايد بالتالي حذَرُها إلى الدرجة التي أصبحَت نادرًا ما تغادر فيها الغرفة، حتى إذا غادرَتْها مُضطَرة، فلتعود إليها مسرعةً لهفَى، وكأنما في أثَرها سِربٌ من التماسيح. وأصبح على ساكننا لكي يراها أن يلجأ للصُّدَف وحدها تُدبِّر له الأمر، ولكي يزيد احتمالات الصُّدَف كان عليه أن يُمضِي أطولَ وقتٍ في المدخل أو في باب العمارة أو قريبًا من باب شقته، وأن يفعل هذا و«حامد» موجودٌ مسألةٌ لا بد تدعو للشك؛ ولهذا كان عليه أن يُرسِله في مشاوير، ولكيلا يفعل هذا بكثرةٍ تُثير ريبته، وبحُججٍ دائمًا وجيهةٍ ومعقولة، كان عليه ألا يُرسله كثيرًا؛ وبالتالي يُقلِّل من احتمال وجوده قريبًا من باب حجرتهم، مشكلةٌ عويصة كانت تستنفد من وقته وجهده الأيام الطِّوالَ لكي يتمكن فقط من أن يراها، وحتى لم يكن يراها، كان فقط يلمحها، يلمح شيئًا يرتدي الجلباب الأسود الذي عادت إليه صاحبتُه تتحصَّن فيه، بعد أن كانت قد خلَعَته ولبِسَت مثل أهل مصر، الملوَّن والمشجَّر.
•••
وفي ظُهر ذلك اليوم من أيام الصيف في وقت القيلولة تمامًا، وقد انتظر أسبوعًا بأكمله ليتمكَّن من إرسال «حامد» إلى مشوار في شبرا، كان الحب والوَجْد والقلق قد استبدَّ به إلى درجةٍ لم يعُد يحتمل فيها الأمر لثانيةٍ أخرى. كان قد انتهى تمامًا وأصبح مُستعدًّا لأي شيءٍ من أجل أن يظفر ولو بكلمةٍ واحدةٍ منها، مُستعدًّا أن يبُوح لها بحبه، وأن يعرض عليها الزواج، وأن يتزوَّجها في الحال، وأن يقتلها إذا رفضَت، وأن يقتل «حامد» إذا تعرَّض له، كان قد بلغ مرحلة اليأس الكامل المُطبِق، ولم يعُد أمامه إلا أن يقتحم عليها الحجرة وليكن ما يكون.
ولقد فعل.
ولأن الطفل الكبير كان قد فتح الباب الذي أغلقَتْه أمه، وخرج إلى الحارة الجانبية ليلعب، فما كاد يدفع الباب حتى انفتح، وحتى وجد نفسه وجهًا لوجه أمامها، وكانت واقفةً تحمل الرضيع بجوار رأس السرير، وبرغم كل ما كانت تحفل به نفسه من همومٍ وقراراتٍ ومشاغل، برغم الكلام الذي كان قد جهَّزه ليُحاصرها ويُمطرها به، فإن كل شيءٍ ما لَبِث أن تبخَّر من عقله تمامًا، لا لمرآها، وإنما لما حدث لها لحظة رؤيته؛ فالأشباح نفسها إذا ظَهرَت لها ما كان يمكن أن تُحدث نفس الأثَر، لا حتى ولا الموت نفسه لو رأته مُجسَّدًا! لكأنما رأت شيئًا أعتى من الشيطان والموت والأشباح، وكل شرور الدنيا. لقد كانت مطمئنةً اطمئنانًا كاملًا إلى كل الإجراءات التي اتخذَتْها لتصبح في مأمنٍ منه. كانت شيئًا فشيئًا قد بدأت تثق أنها انتصَرت على الهاتف والقدَر والمكتوب، واثقةً أنه قد أصبح مستحيلًا على الواقعة أن تقع ما دامت قد أحاطت نفسها بسياج الاحتياطات تلك، حتى أصبح مستحيلًا على ذلك الأفندي مجرد رؤيتها. أما أن تلتفت فجأةً لتجده أمامها وجهًا لوجه، في حجرةٍ خالية، بينما «حامد» بعيدًا جدًّا في شبرا البلد. أما أن تُحس أن قدمَها قد زلَّت بغتةً من مكانها الحصين المرتفع، وأنها في طريقها إلى أن تهوي إلى سابع أرض، إلى القاع. أما أن تُدرك أن إرادة الهاتف انتصرت على إرادتها، وأن الأفندي ها هو، كأنه القدَر، كأنه المقدَّر، كأنه الندَّاهة من دمٍ ولحمٍ ووجود، فهي الصاعقة التي انقضَّت على عقلها فصعَقَته. لا، لم تكن إنسانةً مرعوبة تلك الواقفة، إنما هي إنسانةٌ مصعوقة، مشلولة، منتهية، في ومضةٍ واحدةٍ انتقل لونها من البياض إلى الصفرة الرمادية الكاملة، صُفرة الموت الرمادية، ومن إنسانةٍ ترى وتسمع وتشعر إلى إنسانةٍ أصابها الصمَم، وتوقَّف اللسان في حلقها وتضخَّم حتى كاد يملؤه. صاعقة بتَرَت تمامًا صلتها بالحياة، كأنها الصاعقة التي انقضَّت على «حامد» حين رآها، والموت الذي تلا كان كالموت الذي داهمه، وبتلقائيةِ غريزة البقاء وحدها مدَّت يدًا قد بدأت ترتعش ارتعاشًا ظاهرًا يُرعِب مُشاهِده، تُمسِك برأس السرير تتشبَّث بها، بينما الطفل من فوق صدرها ينزلق، وبالغريزة وحدَها تحميه بيدها من السقوط المفاجئ، فيصل إلى الأرض سالمًا قد بدأ يبكي وينتحب. وما كاد هذا يحدث وتطمئن الأمومة، حتى لم يعُد للحياة نفسها أو التماسُك قيمة، فبدأ الجسد يتمايل ويدوخ، وينزلق مُهدِّدًا بالسقوط، بل سقط سقطةً لم تتم؛ إذ في الحال وبجهدٍ خارقٍ كان ذئبنا الضبع هناك يتلقَّاها بيدَيه الاثنتَين، وقد فغَر فاه بالدهشة؛ فآخر ما كان يتصوره أن يحدث هذا، وأن تسقط الثمرة من تلقاء نفسها بين يدَيه دون مشقةٍ أو تعب، دون كلمة، دون حتى حركةٍ واحدة أقدَم عليها أو جهدٍ ولو ضئيلًا بذله. لقد جاء وفي نيته أن يُحارب معركته الأخيرة بكل قواه، واستعد ليواجه ليس فقط «فتحية» أو «حامد»، وإنما العالم كله، استعد لأي شيء، للفضيحة أو القبض أو القتل، جاء وهو يائس تمامًا أن يظفر منها بشيء؛ فالتي تضِنُّ عليه بمجرد أن يلمسها أو يراها، هل من المعقول أن تُنيله مهما فعل شيئًا أكثر من هذا؟ أكثر من أن تُتاح له فرصة أن يراها، مجرد أن يراها، ولو كان ثمنها فضيحته أو مصرعه، فإذا بها بين يدَيه طريةً كالخرقة، مستسلمةً تمامًا، متاحًا له منها كل ما يمكن أن يحُلم به، إذا بها أقرب ما تكون إلى جثة، جثة لم تفعل أكثر من أنها أيقظَت فيه ذلك الضبع القديم الذي يسيل لعابه لمرأى الجثث. الضبع الذي كان قد اختفى في أعماق شخصٍ بلغ به الحب والوجد والشوق إلى «فتحية»، مستوًى رفعه إلى مرتبة المحبين الكبار، محب مُدلَّه جرَّب السهْد والسهَر والغَيرة والشك والعذاب، العذاب الذي نال منه وأَوهَن جسده، حتى رقَّ ودقَّ وارتقى بمشاعره، حتى أصبح يُحس ويُفكِّر ويتصرف كشاعر! فجأةً نفض الضبع الكامن الذي يكاد يختبئ ويموت تحت ما ترسَّب فوقه من مشاعر وطبقات، نفض عن نفسه هذا كله، وانتصب تلمع عيناه ببريق الفوز، ويرتجف جسده ترقبًا لمائدة المتعة الأكيدة المرتقبة، لا يفصله عنها إلا لحظةُ زمنٍ يريد بكل ما يملك من شَرٍّ وجشَعٍ أن يختصره حتى ليلغيه تمامًا، ويبدأ يلتهمها ويتلمَّظ.
وهكذا، ومنتهزًا فرصة الغيبوبة الكاملة العابرة كان قد أرقدها على الأرض، ودفع الطفل بِغلٍّ فأبعده، وأطلق الطفل صراخه مذعورًا عاليًا لا يأبه له، بل إنه ليضيف كثيرًا من البُهار إلى المائدة الجثة. وبيدٍ حديديةٍ مُدربةٍ طوَّقَها، وبيدٍ مرتعشةٍ بالرغبة مبهورة بالانتصار الساحق السريع تكاد لا تُصدِّق نفسها أو ما يحدُث، دفع بنطلونه دفعةً واحدة تعرَّى على أثَرها تمامًا، وبنفس اليد مزَّق ملابسها وهو يُحس بالصوت الصادر عن التمزيق بنشوة دونها أيُّ نشوةٍ أخرى على وجه الأرض، وحتى لو كانت في طريقها إلى الموت على أثَر نزيفٍ مثلًا أو سكتةٍ لكانت من غيبوبة الموت الحقيقي قد استيقظَت، فللغريزة الحارسة للغريزة سلطانٌ على الجسد أقوى من أي سلطانٍ آخر.
وهكذا ما كاد يُحاول أن يصل بانفعاله إلى آخرِ مدًى، حتى كانت وكأنما مسَّها تيارٌ مُكهرب مُوقِظ قد صحَت، ومع أن الصحوة كانت صحوةَ عقلٍ وإدراك إلا أنها بجماع ما تملك من طاقةٍ وقدرة، بآخر رمق، بذلك الكم الضئيل من القوة التي يدَّخرها الجسد ليقول بها آخر «لا» في حياته، قاومَت. تململ جسدها يُقاوم مقاومةً لم تفعل أكثر من أنها استدعت إلى الوجود كل قوى الذئب الضبع الكامن وحشدَها في ساقَيه وذراعَيه، حتى التفَّت حولها كقيود من فولاذٍ لا يرحم، وبآخرِ ما تملكُ أيضًا تململَت، وبكل ما يملكُ أطبَق. وكان ممكنًا أن تصرُخ تستنجد بالناس أن يُقاوموا لها، ولكنها رفضَت وأبت؛ فالمعركة معركتها وحدها، ولن يفعل إدخالُ الناس أكثر من فضحها؛ إذ السهم الآن نافذ فعلًا، والمكتوب قد حدَث، وقد يمنع الناسُ استمرار حدوثه، ولكنهم أيضًا سيكونون شهود حدوثه، وتلك هي الكارثة التي تُواجه الموت أو السقوط الخاص الذي لا يعرفه أحد، ولا تُواجهُها.
وحين فتحَت عينَيها — وقد ذهب الرعب وحل الغضب — تريد التفرُّس في قاهرها، واتسعَت عيناها دهشةً وحقدًا وخوفًا؛ فعلى بُعد قراريط من وجهها كانت ترى وجهه لأول مرة وتتفرَّس فيه؛ فهي أبدًا لم تَرَ وجهًا مثل وجهه حليقًا ناعمًا أحمر وسيمًا، وعيناه خضراوان لهما رموشٌ طويلة، ورائحةٌ حلوة، وأسنانٌ بيضاء مرصوصة بدقة، وفمه حلو يتمنى أيُّ فمِ أنثى أن يُقبِّله، وابتسامةٌ كبيرة، ابتسامة فوزٍ وفرحٍ تحتل الوجه كله، وتُظهِر له غمازتَين عميقتَين على جانبَي الوجه وطابع حسن، ابتسامةٌ داعية ناعمة كأنها واحدة من آلاف الابتسامات التي كثيرًا ما حلمَت بها هي والأيدي الممدودة تدعوها في لطفٍ وإصرارٍ إلى ترك بَرِّ الأمان والغوص إلى القاع، حيث الأشباح والطين، ابتسامةٌ ما إن رأتها حتى بدأت تتململ مُقاوِمةً من جديد إذ أحسَّت وكأنها ابتسامة القاع نفسه، يدعوها وبخبثٍ ونعومةٍ ودهاءٍ يريد التغرير بها، مقاومة لم تفعل أكثر من أنها مكَّنَتْه تمامًا منها، حتى أصبح كل جزء فيها ملتصقًا وملتحمًا بكل جزءٍ فيه. لقد ظلَّت تخاف من العفريت، حتى طلع لها، ومن وسوسة الهاتف حتى تحققَت. ظلت تُصمِّم وتُصِر وتحتاط حتى نفذ السهم، ووقع المحظور وانتهى كل شيء، والخوف المستمر الدائم والهاتف والحُلم والحقيقة كلها قد التقت الآن في لحظةٍ واحدة، لحظةٍ غريبة مُفعَمة مليئة محشودة بآلاف اللحظات والخلجات، لحظةٍ أخطرُ ما فيها أنها تدرك أنه لم تعُد هناك فائدة، حتى الرعب والخوف أصبح لا فائدة منهما، والمقاومة لم يعُد لها داعٍ بالمرة؛ فالسهم نفذ.
ولم يعُد أمامها إلا أن ترجوه وتستعطفه، لم يعُد أمامها إلا وسيلة العاجز، أن تبكي، ولقد بكت، وأن تتذلل، وأنا في عرضك، أنا صاحبة عيال، جموع وكلمات لم تكن تفعل إلا أن تضيف إلى الأكلة كل ما يتمنى الضبع العجوز إضافته من شطة وسلطة وعصير ليمون وخل، وحين استمرت تبكي وقد ازدادت حُرقة البكاء ولوعته لم تكن تريد به مزيدًا من رجائه واستعطافه، إنما كانت في الحقيقة تبكي من أعمق أعماق قلبها على نفسها وعلى عجزها، بكاءً يا للعجب! لم يستمر طويلًا.
فقد بدأت تُحس بأشياءَ غريبةٍ عجيبة تنفُذ إلى ذاتها وجسدها، أشياء جديدةٍ مذهلة كبريق مصر الخاطف، أشياء أحسَّت معها كما لو أن كل النيون الأحمر والأزرق والبنفسجي ومهرجان الأضواء والألوان، كل الوجوه الحلوة الحليقة والملابس الغالية الأنيقة، كل الروائح العطرة المنعشة المخدرة، والشوارع الواسعة المزدحمة النظيفة، والمتنزهات، والأشجار، حتى الأشجار مجفَّفَة الأوراق مقصوصة كتسريحات السيدات، كل الترمايات والعربات الفارهة، والسينمات والوجوه الخارجة من السينمات، والكباريهات والراقصات، كل الأطفال الأصحاء النظيفين والأمهات والأجزخانات والأرتستات، كلها تتجمَّع وتتسرَّب إليها، إلى داخلها المرتعش الخائف المهزوم المبهور، وهي حتى في عجزها وإدراكها ويقينها بالهزيمة التامة الساحقة بكل ما أُوتيَت من قدرةٍ تُقاوِم ولا تكُفُّ عن المقاومة، والأشياء الغربية الكثيرة لا تكُف عن التسرُّب، فتعود تُقاوم مستميتةً أكثر، تُقاوِم مدينةً بأكملها تتسرب إليها، ورغمًا عنها تتسلَّل إلى كل خافٍ فيها ومُستتِر، وكان لا بد في النهاية أن تكُف عن المقاومة تعبًا ويأسًا، ثم يقينًا تامًّا من اليأس، ويأسًا تامًّا من أن معجزةً ما لم تحدُث وتُنقذها في نهاية الأمر، وإن بإرادتها وبغير إرادتها، تمامًا كما كان الهاتف يؤكِّد، قد حدث كل شيء. أما ما لم يذكره الهاتف، ولا كانت تتصوَّر للحظة أن من الممكن أن يحدث، أما أن تبدأ تتحول من استسلام مغلوبٍ إلى استسلام مستمتعٍ، فهو رغم حدوثه الشيءُ الذي كان لا يمكن حتى وهو حادثٌ أن تُصدِّقه، فالمشكلة أنها ما كادت تبدأ تُحِسُّ بهذا، حتى كان الباب قد فُتح، وعلى عتبته وقف «حامد» طويلًا رفيعًا، مصعوقا أسمر غامق السمرة.
•••
طالت وقفة «حامد» عند الباب الذي كان بلا وعي قد أغلقه، و«فتحية» مستلقية لا تزال يدُها متشبثة برأس السرير، وجسدها مفتوح الساقَين مغطًّى، وليس في عقلها سوى رغبةٍ ملحة لا تنتهي أو تتزحزح، أن يصنعها «حامد» وينتهي. إنه الطريق الوحيد الذي لا بد يمتد إليه المقدَّر والمكتوب؛ فبعد كل ما حدث كيف يمكن للحياة أن تستمر؟ وكيف باستطاعة أي شيءٍ أن يعود كما كان؟ إن الأمور لا يمكن أن تستقيم، ومستحيلٌ أن يهجع أيٌّ منهما أو يرتاح راحته الكبرى إلا بأن تموت «فتحية»، وبيد «حامد» لا أقل.
لا حل للموقف كله إلا بأن يقتلها «حامد» ويستريح، وتستريح، ولكن الغريب أن الهاتف كلما وصل إلى هذا الحد كان يعود يُطل برأسه، ويؤكِّد لها أن «حامد» لن يقتُلَها، وأنها لن تموت، وأنها سيكون لها مصيرٌ آخر.
وتعِب «حامد» من الوقوف الطويل المُتفرِّس وجلس، وجاء الولد من الخارج «بزيطة» وطلبٍ مُلِحٍّ للطعام، وحين أحَسَّ بالصمت الملغَّم المستمر انتابه غير قليلٍ من الخوف فسكَت، وما لَبِث أن نام.
وأظلمَت الدنيا وأصبح ظلام الحجرة تامًّا شاملًا.
ولم يجسُر أحدٌ أن يُضيء النور.
بقي «حامد» على جلسته عند الباب يُدخِّن من علبة السجاير الصغيرة التي اشتراها بما تَوفَّر له من نقود الأفندي.
و«فتحية» بهدوءٍ شديد تجلس، ثم ترقُد، ثم تعود إلى الجلوس، وتنتظر من «حامد» أن يفعلها وينتهي. كل ما كانت ترجوه بينها وبين نفسها ألا يأخذها على سهوة، إنما بطريقةٍ أو بأخرى يرحمها، يُنذرها، فلم يعُد في جسدها ذرةٌ واحدة قادرة على تحمُّل المفاجأة، أية مفاجأة، ويكفيها ما رأت من مفاجآت.
حاولَت مرة أن تتكلم فأسكتها «بزومةٍ» منه، «زومة» حيوانٍ جريح.
وحين غفَت عيناها لبرهة وصحت على نهنهةٍ رجالية منخفضة مكتومة كادت تُجن، غير مُصدِّقة أخيلتها. هل هو «حامد» الذي يشهق ويبكي؟ أيبكي؟
أكان صنَع هذا لو كانوا في بلدهم؟ أأُصيب هو الآخر باللعنة وهزمَتْه مصر ورخرخَت إرادته وطبيعته، حتى لم يعُد قادرًا على قتل زوجته وهو يضبطها مُتلبِّسة مأخوذة؟ أصحيح لزلَّتِها يبكي؟
كادت تزحف إليه راجيةً أن يكُف، مطالبةً إياه أن ينتهي فورًا عن بكاء النساء، ويعود رجل القرية الذي عرفَته، ويُريحها، ويقتلها. كادت؛ لأنها حين فتحَت فمها ترجوه تصاعدَت صرخة كزئير أسدٍ غاضب، سمَّرتْها مكانها بلا حراك.
وفعلًا لم يقتلها «حامد»، وإنما في الفجر كانت العائلة الصغيرة تُغادر باب العمارة الضخمة المهيب، وكان «حامد» يحمل عزالهم كله، وقد لفَّه في ملاءة سريرٍ صفراء حملَها ﺑ «الزقلة» على كتفه، وباليد الأخرى كان يسحب الطفل الكبير نصف النائم، بينما «فتحية» في المقدمة تحمل الطفل الآخر. وبرغم أنهم خارجون إلى مصيرٍ مجهولٍ لا تعرفه، فقد كان ما تخافُه في تلك اللحظة هو أن يبرُد الولد، فراحت تحوطُه بذيلِ ثوبها الذي رفعَتْه، ومضت تلفُّه به وتشتد في ضَمِّه، بينما نداءٌ أخرسُ يرتفع منها، ويُهيب ﺑ «حامد» أن يُخرج البطانية من اللفَّة، ويُحيط بها الطفل الآخر، نداءٌ أبدًا لم يغادر فاها؛ إذ هما لم يتبادلا منذ الأمس كلمة.
وسيرًا على الأقدام مضت القافلة الصغيرة تحتمي من برد الصباح الباكر بالجدران، ويتركها ظلامُ عمارة لتتسلَّمها ظلالُ عمارةٍ أخرى؛ إذ كان قمر الفجر قد طلع.
قافلةٌ صغيرة تتسلَّل منسحبةً من المدينة الكبيرة الراقدة في صمتٍ ولا مبالاة، لا تُحس بهم ولا بما تحفل به صدورهم من أهوال، نائمة تُشخِّر في براءة وضميرٍ مستريح، وكأنها ما فعلَت شيئًا، حتى لقد بلغ الغيظ ﺑ «حامد» إلى حدِّ التفكير في أن يُلقي «بصُرَّة» العزال جانبًا، وينهال ﺑ «زقلته» ضربًا ودشدشةً وتكسيرًا على فتارينها المضيئة، وعرباتها اللامعة المُستكِنَّة، وحتى أسفلت شوارعها المغسول. كان من جماع قلبه قد أصبح لا يُطيق حتى مشيه في شوارعها وهو يُغادرها، لم تعُد في نظره مدينة، لقد أصبحت كابوسًا خانقًا بشعًا!
وفي أول قطارٍ قطع لهم «حامد» التذاكر.
لكنه عاد لبلدتهم وحده.
فقد غافلَتْه «فتحية» في ازدحام القادمين والراحلين في باب الحديد وهَربَت.
عادت إلى مصر، بإرادتها هذه المرة، وليس أبدًا تلبيةً لهتافِ هاتف أو نداءِ ندَّاهة.



