المعرفة الفاعلة – خديجة جعفر

ما الذي يدفعنا لأن نعرف؟
سؤال بديهي الطرح فيما يذهب بنا الكثيرون نحو أهمية التحصيل المعرفي كضرورة تنموية . لعله توجها مبررا في ظل الاثار السلبية التي يتركها الجهل على مصير الشعوب …
لكنه من المؤكد ايضا، ان رسوخ الثقة بامتلاك المعرفة لم تحسم ايجابيته دوما من تاريخ وحاضر ومستقبل الشعوب ،ويرجع ذلك لأن المعرفة خارج حدود الجماعة نفسها، هي معرفة” لا محايثة ” اشبه ما تكون ب ” المعرفة المستقرة” أو ” الراكدة” تلك التي تحضرنا بالسقوط الباراشوتي ، فتكون معرفة عاجزة ، قاصرة عن احداث اي أثر ..
كما المريض المحكوم بانسداد افق العلاج ، لن تخدمه معرفته لحدود مرضه ، سوى بفقدان الرغبة تباعا بلذة مُعاشه وفرص الاستمتاع بما تبقى له من أيام معدودة..
لعل الجزء اليسير من المعارف يعمل على عكس الأهداف المرجوة ، هي المعرفة التي تختارك مصبا لجريانها دون قدرة التدفق على أحداث طاقة حركية من مترتباتها …
فلو امتلكنا، على سبيل المثال، يقين المعلومة بان الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللبنانية تحدث بسبب تركيبة النظام الطائفي دستوريا ، وتوارث الدين السياسي ، فما الذي سوف تغيره هذه المعرفة ونحن نتوارث المعلومة اجيالا دون قدرة تذويب هذه المعرفة في أطر عملانية، فاعلة نحو طريق الخلاص ؟
انها معرفة مستسلمة،غير منتجة ، راسية في دفاتر الموروث ، تعمم كما الهوية هدية مولد، لأن الجمعَ يعرف ويكتفي بما يعرف ، فينتشي بلذة المعرفة لمجرد المعرفة، ويتابع حياته متثاقلا بحمل معلومة إضافية يثأر لنفسه منها، بتحميلها أسباب نكساته راجيا استمراريتها حفاظا على صوابيته …
فالمعرفة المنتجة ، هي من يُعَرِضُها مالكها لمَخاض طويل ، ومحاورات مستمرة، يُضيف عليها ويختزل منها حتى تتجدد. تصبح المعرفة فاعلا إيجابيا، عندما تساعدك على فهم نفسك والآخرين ، حين تمنحك قدرة على اتخاذ القرارات الأفضل لمستقبلك ومستقبل الجماعة التي تعيش وسطها،حين تبعدك عن الأساطير والشعارات نحو الاختبار أو عندما تقلص مخاوفك من المجهول وتفتح فرصًا جديدة..
فإن يكن العقل تلك الآلة التي تأمرنا السعي لتحصيل معرفة، إلا ان الحكمة في اختيار واختبار هذه المعرفة،ومما لا شك فيه بان” الحقائق السقراطية” الخالية من “اوهام نيتشيه الصغيرة” ، تثقلنا قلقا وخوفا وكراهية، وتحد من قدرات الإنتاج الإبداعي لصالح الفتن المحلية بالاغلب، وربما يكون الأجدر بنا التنازل عن بعض المعارف لننجو من طريق الأكاذيب المدمرة …
ونحن الان على عتبات حرب عالمية ثالثة ، تدار من مناطق وقارات قد لا نعرف منها حتى أماكنها السياحية، فأي فرق تجنيه معرفة السبب والمسبب والمسار والمصير ؟
لكنك واقعا تعرف ،بل انك تعرف الكثير عن التفاصيل التي قد تسبب موتك ودمارك ، لكنك تتابع ان تعرف ، يصعب التجاهل المعرفي وسط زحمة التقنيات، المعارف تدق حواسك من كل الجهات، وذاتك العاقلة تدفعك ان تعرف وان تكون طرف ..
تعرف العناوين الحقيقية وتتفادى قولها ، تغير الوانها وعناوينها قصدا، لأنك تعرف انها معرفة مستقرة ، تصلك كما يجدر بضيف، لأنك الأداة ولست المنتج، فتجهد ساعيا تفعيلها بما يخدم اصطفافك، بتغيير عناوينها، فتتنازعك التوصيفات بين مُواجِه ومُرتَد، لكنك تعرف ضمنا بانك لست طرف ، فتتاذى وتؤذي بقدر ما تُلزِمك به المعرفة المستقرة نفسها من اصطفاف، أكثر ما يعلمك، حسن الاداء في الإحصاء. في حين قد تنجو ربما ببعض تنازل فيما لو انك لم تعرف …
٥/٤/٢٠٢٦
خديجة جعفر .





