سينما ومسرح

الكنز – توفيق الحكيم

الخطيب (بغضب) زفت؟

مراد نفط … نفط … النفط غير الزفت!

(الأم تدخل وخلفها «درية» والخادم.)

الأم (لمراد) «درية» بنتي!

مراد لي الشرف … تسمحين يا آنسة … (يحدق في عينَيها) الحمد لله … حظ سعيد حقًّا … ها هي ذي مَن تصلح أن يُفتح عليها كنز الجواهر.

الخطيب (بتهكم) طبعًا يا سيدي!

الأب (يكظم غيظه) سبحان الله في طبعك يا «أبو العز بك»!

الخطيب ولماذا يا حضرة الإخصائي لا يختار الكنز أن يُفتح إلا على عيون الآنسة؟

الأب (نافد الصبر) ولماذا تريد أن يعمى الكنز، ويُفتح على عيون حضرتك؟

الخطيب يعمى … لا … هذا كثير … يظهر أن وجودي أمسى غير مرغوبٍ فيه! … سلام عليكم!

(يخرج بسرعة.)

الأب سلام ورحمة الله! … اشرع في إجراءاتك يا «مراد بك».

مراد حضرته ذهب غضبان!

الأب حضرته يذهب إلى داهية لا ترجعه! … حضرته تحملنا كثيرًا ثقل ظله، وقلة ذوقه، وسخف عقله! … حضرته لا يهمنا، ولا تسرنا معرفته، ولا شبكته، ولا مشابك غسيله الوسخ … حضرته أضاع وقتنا النفيس في مشاغباته … ما علينا … تفضل يا أستاذ طلباتك؟

مراد ليس لي بعد ذلك من طلب إلا أن تبقى هنا الآنسة التي سيُفتح عليها الكنز … أراقبها نصف ساعة على انفراد تام … إلى أن أستطيع تعيين اتجاهات إشعاعها وتحديد موقع الكنز.

الأب إذن ننسحب نحن جميعًا من هذه القاعة؟!

مراد أكون شاكرًا! … لمدة نصف ساعة على الأكثر … أو ربما أقل من هذا الوقت كما أرجو.

الأب وهو كذلك … إلى اللقاء القريب … حظ سعيد إن شاء الله.

(يخرج الجميع، ويتركون «مراد» و«درية» وحدهما.)

مراد تفضَّلي يا آنسة … استريحي في هذا المقعد الكبير.

درية إني دهشة … إني مذهولة … إني …

مراد لماذا؟

درية هذه الحوادث التي تجري في بيتنا منذ العصر … (تمسك رأسها بيدها) هل أنا أحلم؟ … هل أنا مجنونة؟ … هل أصيب كل من في المنزل بالجنون؟ … ما كل هذا؟

مراد ماذا؟

درية خطيب سخيف يحسبني ثوبًا فارغًا لا روح فيه ولا جسد، يريد أن يأخذه ليربطه على حبل الزوجية بمشبك غسيل! … فإذا اعترضت قالوا لي إنه كنز … ولم تمضِ لحظة حتى تركوا الكنز يهرول غاضبًا … وإذا أنا أمام رجل يحملق في وجهي … والكل ينفضُّ من حولي … ويتركونني مع هذا المجهول، من حضرتك؟

مراد أنا … أنا … ألم يقولوا لكِ عن الكنز؟

درية أنت أيضًا؟

مراد لا … لست أقصد ذلك … أعني … ألم تعرفي بعد من أكون ولماذا أنا هنا؟

درية قالت لي والدتي على عجل إنه جاءنا مهندس مناجم ليُخرج جواهر مدفونة في البيت، وجذبتني من يدي قبل أن أُعطَى وقتًا للتفكير! … أظنُّك توافقني على أن كل هذا عجيب … وأن لي الحقَّ إذا حسبت أنهم جنُّوا؟!

مراد لكِ كل الحق … يكفي دائمًا أن يوجد مجنون واحد بإخلاص ليستطيع أن يجنَّ الآخرين بسهولة.

درية نعم … التاريخ مملوء بهؤلاء … إليك أغلب المشاهير وأكثر الشعراء والعلماء والفنانين.

مراد لست بالطبع واحدًا من هؤلاء.

درية أيُّ صنفٍ من الناس أنت؟

مراد مجنون فقط … مجنون بإيمان … مجنون مؤمن بفكرة واحدة! … هي أن في هذا البيت كنزًا!

درية إن الإيمان حقًّا يصنع المعجزات، ولكني أشك في أنه يستطيع أن يخرج من الحائط قرطًا من ماس أو عقدًا من لؤلؤ …

مراد ليس ذلك بعسير إذا كانت هذه الجواهر موجودةً بالفعل.

درية أنت إذن متأكد من وجودها؟

مراد ليس مجرد تأكُّد … إنه الإيمان!

درية الإيمان شيء، والوجود شيء آخر … ربما استطاع الإيمان أن يوجد الشيءَ بالنسبة إليك، ولكن العبرة أن يوجد بالنسبة إليَّ أنا على الأقل.

مراد من غير شك!

درية هل أفهم من ذلك أنك ستُوحي إليَّ إيحاءً خفيًّا … أو أنك ستنقل إليَّ إيمانك، فأرى ما ترى … وأعتقد ما تعتقد، على النحو الذي كان يأتيه بعض الأنبياء والكُهَّان في غابر الأزمان؟

مراد ليست لي هذه القدرة. ما أنا إلا شخص عادي، ولقد كذبت الساعة على أهلك؛ إذ زعمت لهم أنه ينبعث من جسمي إشعاعات كشافة.

درية كما كذبتَ بالطبع إذ زعمتَ لهم أن عينيَّ تصدران إشعاعات حساسة.

مراد صدقتِ، هو ذاك.

درية إذن ليس لي أن أتوقع الآن انشقاق جدران القاعة وظهور الجواهر.

مراد لن ينشق شيء … اللهم إلا جدران قلبي.

درية ربما كانت جدران قلبك هي التي تضم الجواهر!

مراد لا تسخري مني … هذا معنًى لم يدُر بخلدي قط!

درية أسخر منك؟ … حاشا لله! … إني أبذل مجهودًا ظاهرًا؛ لأكون جادَّة معك.

مراد (بمرارة) أشكرك.

(يطرق … ويسود بينهما صمت وهما بلا حراك … يظهر رأس الأب، وخلفه رأس الأم، يطلان عليهما من الباب لحظة ثم يختفيان.)

درية أخشى أن أكون قد أسأتُ إليك، عن غير قصد، أو صدر مني ما جرح شعورك!

مراد لا … على الإطلاق!

درية أتسمح أن أقدِّم إليك فنجانًا من الشاي؟ … (تنهض إلى المائدة) إنه لم يزل ساخنًا لحسن الحظ.

مراد ليست لي الجرأة أن أرفض شيئًا من يدك.

درية كم قطعة من السكر؟

مراد واحدة … مع الشكر.

(يتناول من يدها الفنجان.)

درية أنا أيضًا لم أتناول بعد … أو على الأصح … لم أحب أن أتناول الشاي قبل الساعة (تصب الشاي في فنجان لها) إذا لم تجده حارًّا كما تريد فاقنع به بكل رزانة … فليس من الحكمة أن نطلب الساعة ماءً ساخنًا، المفروض فينا أننا نستخرج الجواهر من الجدران، لا أن نرشف الشاي من الفناجين.

مراد (بإخلاص) إني آسف لهذه الأكذوبة!

درية (وهي تضع قطعًا من الفطائر في طبق) أيُّ أكذوبة؟

مراد مسألة الكنز!

درية (بدهشة مصطنعة) أهي أكذوبة! … (تقدِّم له طبق الفطائر) ذُق من هذا «الجاتوه» اللذيذ!

مراد (كالمخاطب نفسه) أكان من الضروري أن ألجأ إلى هذه الطريقة؟! … يؤلمني أن تعتقدي أني رجل دجَّال.

درية لن أعتقد ذلك … الدجال رجل صاحب براعة، ولكنه ليس صاحب إيمان.

مراد ثقي أن إيماني لا يزول أبدًا.

درية أعرف ذلك.

مراد (محملقًا) كيف عرفتِ؟

درية اقتحامك البيت على هذه الصورة.

مراد نعم … إني مؤمن بحقيقة شعوري الذي لا يخطئ.

درية كل الصعوبة أن تجد الذي يصدِّق حقيقة شعورك.

مراد حتى ولا أنت؟

درية وما قيمتي أنا وحدي؟

مراد لا تقولي ذلك … أنتِ كل شيء … أنتِ وحدك التي أحفل بحكمها … أنتِ وحدك التي أطمع في حسن ظنها … فإذا صرتِ معي وإلى جانبي، فإني أصبح كنبيٍّ ومعه ربه، يقف وإياه في صف، شامخ الأنف، يتحدى القياصرة والأكاسرة … لقد احتلتُ واقتحمت البيت، لألقاكِ وأجلس لحظة بين يدَيك … فتذرَّعت بالشعوذة وادعيت في سبيلكِ المعجزة التي يستخدمها بعض الأنبياء في سبيل الله.

درية أردت أن تلقاني؟

مراد نعم!

درية وهل رأيتني من قبل؟

مراد نعم … في شرفتك منذ أسابيع … لقد تكشَّفت لي فيها ذات عصر؛ كما يتكشَّف الإله لنبيه … فامتلأ قلبي إيمانًا بك على الفور؛ كان لك نورٌ يشع من النافذة كأنه كنز جوهر بالضوء يتفجَّر … نعم … نعم … نعم! فصرتُ لا أنقطع عن المرور كل عصر تحت شرفتك، أتملَّى بطلعتك عن بعد في خشوع، وأمضي دون أن يخطر ببالي أن أستَرعي التفاتك بحركة أو إشارة، وكنتِ أحيانًا كثيرة تطالعين كتابًا من الكتب، وكنت أرى أو يُخيَّل إليَّ أني أرى روحك النبيلة المتأملة الحالمة، وهي تسبح في سموات المعاني، فتضفي على وجهك جلالًا وسموًّا؛ فكنت أقول في نفسي: «هذا الكنز الإنساني كالجوهر الكريم، لا يستمد رُواءه وضياءه من منظره الخارجي وحده، بل من خصائص روحه الداخلي؛ فإن فيها موطن البريق ومبعث الإشراق!»

درية اسمع يا … أتسمح لي أن أناديك باسمك المجرَّد؟

مراد نعم! … أرجوكِ … ناديني: يا «مراد».

درية اسمع يا «مراد» … إني أخاف ذلك «الإيمان» … أخشى — كما قلت لك — أن يخلق لك شيئًا غير موجود … هل أنا حقًّا كما صوَّرت؟

مراد قلت إن إيماني لا يمكن أن يخطئ … إنكِ لا تعرفين نفسك كما أعرفك.

درية إنك لم تعرفني إلا منذ دقائق!

مراد الإيمان لا يعرف الزمن؛ إنه ينبثق من أعماق القلب في لحظة، فيكشف ظلمات الآزال والآباد.

درية «مراد»؟! … إني أصدِّقك!

مراد هذا كل مطمحي … الآن أستطيع أن أقف في وجه الدنيا!

درية يجب أن تستعد لتقف أولًا في وجه أبي.

مراد آه … نعم … إن هذا لموقفٌ عسير … ما العمل؟ … ما المخرج؟

درية إن المسكين كان قد أنفق أكثر ما ادَّخر في معارك الانتخابات، وكان أمله كله أن يزوجني من صاحب الستين ألف جنيه!

مراد اسمحي لي إذن أن أنسحب … يكفيني منكِ أن أعيش في ظلال ذكراكِ … هذه اللحظة معك تساوي كل عمري … فأنا لا أبغي بعدُ منك شيئًا.

درية أشكرك يا «مراد».

مراد مريني أن أذهب.

درية بل أسألك أن تبقى وأن نصمد معًا أمام أبي؛ حتى نظفر منه بما نريد! … هلمَّ بنا هل أنت مستعد؟

مراد (باستخذاء) نعم …

درية (تصفق بيدَيها) بابا! … ماما!

(الأب والأم يظهران.)

الأب (يجيل بصره في الحيطان والأركان والكراسي والمائدة) أين الكنز؟

مراد (يتقدم متشجعًا) الكنز موجود.

الأب (ينظر حوله) أين هو؟

مراد موجود … ألا تراه؟

الأب (يلتفت) لا … أين؟

مراد عجبًا … ويدهشني أنك لا تراه.

الأب وهل تراه أنت؟

مراد طبعًا!

الأب عجبًا (يفرك عينَيه) أين هو يا ناس؟

مراد أمامك … كلنا نراه!

الأب كلكم؟ … «درية» … هل ترينه؟

درية طبعًا يا أبي … أراه بعينَي رأسي، أمامي!

الأب شيء غريب! … سأفقد عقلي … ترينه بعينَيكِ … أين؟ أين هو؟ … (يلتفت إلى الأم التي تبحث هي الأخرى بعينَيها) وأنتِ أيضًا أترينه؟

درية (تسرع صائحةً) أبي … اسمع … يجب أن نتفق أولًا على معنى «الكنز»! … ماذا تقصد بالكنز؟

الأب ماذا أقصد بالكنز؟ … أقصد الكنز … الجواهر … جواهر تساوي مائة ألف جنيه!

مراد في هذه الحالة … اتفقنا … (يشير إلى «درية») هذا هو الكنز!

الأب ماذا تقول؟

مراد هذه الروح المضيئة في هذا الهيكل جوهرة نادرة تزن … لا قيراطًا فقط بل كيلوجرامًا! … فهي تساوي في الحقيقة أضعاف المائة ألف جنيه.

الأب (صارخًا في نوبة عصبية) يا لك من مشعوذ! … يا لك من دجال! … يا لك من وغد! … يا لك من سافل! … يا لك من منحط! … لقد خربت بيتي وأضعت آمالي … وجعلتني أطرد الرجل المالي … اخرج حالًا من أمامي، قبل أن أبصق في وجهك. دبِّروني ماذا أعمل الآن؟ … أين «أبو العز بك» الآن؟ ضيَّعت من أيدينا الأموال … طيَّرت منا الغسيل … المشابك … المشابك.

الأم (تصب له في الحال فنجان شاي) اشرب هذا يا «محمود» … هدِّئ أعصابك … هدِّئ روعك … هدِّئ نفسك.

درية (ومعها «مراد» يحوطان الأب) صحتك يا أبي … صحتك هي كل مالنا … هي خير لدينا من آلاف الجنيهات … لا تجعل للمال كل هذه القيمة.

الأب (يهدأ قليلًا) «درية»! … بنتي … كل همِّي هذا من أجلك، من أجل مستقبلك أنت.

درية لا تهتم كثيرًا بمستقبلي يا أبي … إنِّي أرى هذا المستقبل على طريقتي أنا … وبعيني أنا … أنا التي أرى «الكنز»!

الأب (يرفع رأسه) ترين الكنز؟

درية نعم … ها هو ذا (تشير إلى «مراد») هو «الإيمان» الذي يضيء في هذا القلب كجوهرةٍ نادرة تزن … ما وزنك بالضبط يا «مراد»؟

مراد ٦٥ كيلوجرامًا!

درية نعم … لا ٦٥ قيراطًا … هذه الجوهرة تساوي إذن في الحقيقة أضعاف المائة ألف جنيه.

الأب (ينظر إلى «مراد» ساخرًا، ثم ينظر إلى «درية») يا لها من جواهر ثمينة!

درية تلك هي نظرتنا إلى الحياة يا أبي … وتلك في أعيننا هي الجواهر الحقيقية!

الأم (للأب) صدقت والله «درية» يا «محمود» … الحق أن لكل إنسان في هذه الحياة كنزه الثمين، ولكن العبرة هي أن يعرفه ويكتشفه ويقنع به … أنا أيضًا لي «كنزي».

الأب عارفه … عارفه … لا تخجلي … تواضعي!

(ستار)

الصفحة السابقة 1 2
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading