الـمـقـامـة الـنَّـجـديـَّة – ماجد سليمان

رَوَى رَحِـَمهُ الله:
بعد أن ابتسمت في السّماء نـجوم الثّريا، وزّرْفَلت قطعان الإبل في الـمَرعى عشِيّا . كنتُ وصاحبي قُرب وادي حنيفة1، تـملؤنا انتعاشات شفيفة . حينها أحكمت حبل دلوي، وقصدت لَـهْوِي وسَلْوي . وخرجتُ وصاحبي ضحى الأحد، وصبا نـجدٍ يُغذّي مشاعرنا بالسَّعَد . فَسِرْنا إلى سوق حَجْر2، وبصدورنا لـهفة كالـجَمْر . وكلانا على مهلٍ يسير، في جوٍّ صافٍ مُثير . علينا عمائم صفراء، وحدود نقوشها بيضاء . نعتمر عقالين مُقصَّبين، أضلاعهما رباعيّة زاهيين . ومشالـح بُنّيّة، أطرافها زخارف ذهبيّة . ومن تـحتها ثياب بيضاء واسعة، وعلى صدورنا أحزمة سود ناصعة . فنحن صاحبان قدامى، على الـخير والشر ندامى . مضينا نغنّي سويّا، لـحناً جديداً نديّا . ولـما أقبلنا على السوق، لقينا فتياناً في جفونـهم أملٌ وشوق . وسألتهم: «أفيكم من يدلنا على حانوت عطار؟ نريد منه دخوناً وزعفراناً وبِزَار» . فأجاب أحدهم وقال، بعد أن أمال بَصَره وجال: «خُذ هذا الطريق الأعوج، حتى تقابلك امرأة نـجديّة ذات وجهٍ مُبهج . كحلاء لـها أنفٌ طويل، ومبسمٌ مرسومٌ، ورمشٌ ظليل» . سأله صاحبي في عَجَلْ: «عَجُولَةٌ أم هي في خَجَلْ؟» . قال الآخر: «اِذهب ستراها سيدة الـمكان، وصاحبة الـميزان» . فأخذتُ صاحبي من يَدِه، وانعطفنا حيث أشار الفتى بِيَدِه . عبرنا من تـحت قناطر ذات نقوش مُثلّثة، من حولـها رواشن مُؤثّثة . لـمعت الزّخارف الـجصيّة على سطوح البيوت، بعد أن تـجاوزنا باعة الدقيق والبشوت . حينها لقينا امرأة عَطِرَة، ذات ثياب نَظِرَة . قوامها كالـخيزران، ونـهداها كإطلالة الرّمان . أضفت على رأسها خـماراً أزرق، مُطرزٌ مُنمّق . مُتبرقعة ببرقع واسع العينين، أسود مُزَيّن بالسّدو الثّمين . عليها مَقْطَعٌ حريري، مُوَشّى برسم ذهبي . أمام حانوتـها مهباش له عَصَوَين، بـجانب طاحونة من حَجَرَين دائريين . فسـمعناها تُغنّي بلحنٍ نديّ وصوتـها ناعسٌ شجيّ:
| “قِفَا وَدِّعَا نَـجْدَاً وَمَن حَلَّ بالـحِمَى | ||
| وَقَلَّ لِنَجْدٍ عِنْدَنَا أَن يُوَدَّعَا | ||
| بِنَفْسِيَ تِلْكَ الأَرضُ مَا أَطْيَبَ الرُّبَا | ||
| وَمَا أَحْسَنَ الـمُصْطَافَ وَالـمُتَرَبَّعَا3“ | ||
وبِلَهفةٍ سألـها صاحبي: «أنلقى عندكِ ما نريد؟ من عطارة والـمزيد؟» . فرفعت يدها البيضاء الطريّة، ودفعت درفة الباب الـخشبية . ودَخَلَت ثـم دخلنا خلفها، وجلست ثـم سألتها عن اسـمها: «لـم نعرفك سيدتي؟ وعذراً لشَيْطَنَتي» . قالت: «اسـمي عُنَيزة، على عَنْزَةٍ كانت عند عمّتي غُمَيزة» . وَطَوَت سفرة من الـجِلْد، وهي تنادي فتاها: «تعال يا وَغْد» . فجاء فتى نـحيل العود، كثير البُثُور على وجهٍ مشدود . يلبس ثياباً كالأسـمال، ذات أكمامٍ طوال . وقال في صوت مُتَقطّع، ولسان بالـخوف مُتشَبّع: «أمرك سيدتي، لقد شاغلني أحدهم وأراد منازعتي» . فأشارت إلينا بسبابتها، وقالت بنغمة تـحمل رِقَّـتَها: «أعطِ الزبائن ما أرادوا، وعجّل فالرَّهط إلى نـجدٍ عادوا» . فَطَفِقَ يُعبّئ الصّرر بـما طلبنا، ويغرف كلما قلت له: «زِدْنَا» . وفي سرور دفعتُ لـها بالنقود، ونثرتـها على خشبٍ قصير منضود . وأشارت بأن اكتمل الـحساب، وعلينا الذّهاب . حينها هَمَّ بصاحبي ألـم، وشدّ ذراعي وبي الْتَحَم . قال: «قد أحببتُها، وليتني صارحتُها» . فزجرته: «مـجنون أنت ولا جَدل، هل أنت صاحبي أم خَبَل؟» . وفي ابتعادنا عن دكانـها، شَـمّر وترك للنفس عنانـها . فاهتزّ بقلبٍ مُلتهب، ثـم أنشد في طَرَب:
| رَعَاكَ اللهُ يَا شَهْدَ الـمَنَـايَا | ||
| حَرَمْتَ مَطَامِعِي مِنْ رِيْقِ نَـحْلِي | ||
| أَيَا مَن حَسْبُها وَتَقُولُ: حَسْبِي | ||
| قَضَمْتُ أَنَامِلِي، وَنَزَلْتُ سَهْلِي | ||
| جَفَانِي مَضْجَعُ الآمَالِ حَتَّى | ||
| قَتَلْتُ الزَّرْعَ أَو أَذْوَيْتُ نَـخْلـِي | ||
| يـُمَـزِّقُنِي حَنِينِي كُلَّ يَوْمٍ | ||
| وَيُفْنِي رَغْبَتِي بِالـحُـبِّ جَهْلِي | ||
| لَـحِقْتُ بِـمَرْكَبِ الأَحْلامِ لَيْلاً | ||
| فَلا بـَحْرَاً بَلَغْتُ، وَغَابَ رَحْلِي4. | ||
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 وادي حنيفة: نسبة إلى قبيلة بني حنيفة التي سكنت فيه قبل الإسلام، يـمتد مسافة 120كليو في وسط نـجد من الشمال مائلاً قليلاً إلى الشرق.
2 سُوقُ حَجْرِ اليَمَامَة: من أسواق العرب في نـجد، ومدينة حَجْر (مدينة الرياض حالياً).
3 بيتان للصمّة القشيري.
4 الأبيات للكاتب.





