مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
القصة القصيرة

قصّتان من المجموعة القصصية:منامات نوح عبدالرحيم وأحواله ــ ماجد سليمان

شاب يرتدي العقال والشماغ مع نظارات، يظهر بوجه جاد وخلفية بيضاء.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رأيتُ في منامي:

أنّي أَفْلَتُّ لـجام فرسٍ شقراء وتركتها ترتع في واحة خضراء ساحرة مُلاصقة لـــ جبل الدّام*، وقمت بـجمع حطب السَّمْر لأوقد النار بعد أن هدأت ريح كادت أن تقتلعني اقتلاعاً، فجئت بثلاثة أحجار بين الكبيرة والصغيرة، وعلى رسم مثلث نصبتها جوار القدر، ثـم أرحت القدر عليها وصببت الزيت وأعددت لـحم غزال اصطدته قبل وقت، حينها سـمعت صوت عزف ناعم يُـخالطه غناء شجي، فأدرت رأسي فإذا بامرأة مضيئة الـملامح تنتقل أصابعها النحيلة فوق الأوتار الذهبية بانتشاء وبـحركات تشبه اكتشاف معاني الغناء، فتنفس صدري بأنّة عميقة، فأقبل نسوة في طول واحد وتـجمّعن حولـها، ضفائرهنّ ضافية إلى أردافهن، وفي صدورهن تلمع خرزات ذهبية صغيرة، وقُدودهنّ الـمرتوية تزهو في ثياب فضفاضة مُتباينة الألوان.

انعَطَفَت إليهن فجأة فتاة دُريّة لـم تَرَ عيني مثيلاتـها، أرسلت إلي نظرة بعينين دعجاوين كحلاوين لامعتين، في ملامـحها مرحٌ وَلَـهو، تُغني وترقص منتقلةً بـخفة بين النسوة وكأنـها أنطقت الزوايا الـمظلمة، فالتهبت مشاعر الغناء في النفوس، والتمّ حول الغناء فتيان ورجال وعجائز، وطَرِبَ السامعون لقرع الطبول وهم يكرعون كؤوسهم ويردّدون وراء الـمغنية بنشوة كأنـهم اتفقوا عليها.

انقلبت لـحظتي تلك إلى ساحة يـُحفّزُها الطرب وتُغذّيها النشوة، حيث تَرَنَّحَ من لـم يعرف الترنّح في حياته، وانتشى من فارقته النشوة لدهور، حينها قفز من بين الـمنتشين فتى فداست رجله في موقد الـجمر، ولسع باطن قدمه اليسرى لسعاً حارقاً، فالتقطوه راكضين به إلى طبيب شهير غير بعيد، عندها استحال الطرب إلى لعنات حادّة أطلقتها الأفواه جـميعها.

ثم استيقظتُ من نومي

***

رأيتُ في منامي:

أنّ ساعات الليل تقلصت قُرب الـمدافن الأثرية*، وأنا مُصغٍ إلى أنين مرضى مطروحين على فُرشٍ من القش والأغصان، تتلألأ أضواء الفوانيس على رؤوسهم التي رضّها الـمرض من أيام.

وباء يـحوم كغربان اتـخذت عُلُوّاً منخفضاً وحين تـحين فرصتها تـهوي لالتقاط طعام أبصرته قبل أن تقذفها الأيدي الـجافة بالـحجارة وقطع الـخشب.

رأيت الظلام الكثيف يبسط ثيابه على الـمكان وعلى جدران لامسها ضوء شفيف انعكست عليه أجسام مرافقي الـمرضى وكأنـهم أشباح تتباطأ في الليل، فرأيت أني لـم أنـم، فكلما غَلَب النعاس عينيّ الصغيرتين وأغلقهما رأيت نفسي أسقط من مكانٍ مرتفع وأهوي إلى عمق سحيق كأنه حفرة من نار تتسع كلّما اقترب سقوطي فيها، فأفز من نعاسي وأُجهد بصري في التحديق للاطمئنان على سلامة من حولي.

لاح لي حينها طيفان أبيضان مثقوبان من كل مكان، سألا في صوت واحد:

ـــ أيكم الـميت وأيكم العليل؟

هَرَب النعاس من بين أجفاني، فنـهضت سريعاً ونفضت ثيابي مـمّا علق بـها من شوك ورمل ورفعت صوتي الـجاف:

ـــ وما شأنكما أيّنا الـميت أو العليل؟

ـــ لأمك الويل أجبنا.

ـــ لأمكما الويل من أنتما؟ وما تريدان هنا؟

فحال بيينا الصمت فاقتربا نـحوي بـخطوات بطيئة كأنـهما يـحكان القاع برجليهما.

ثم استيقظتُ من نومي

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*جبلُ الدَّام: يُشرفُ على جَوِّ اليمامة ــ مدينة السّيح حالياً ــ من الناحية الـجنوبية، وفي سفوحه الغربية تقع عيون الـخَرج الغزيرة.

*الـمدافن الأثرية: (الـمقابر الركامية) تقع في الـجزء الغربي من مدينة السّيح، تُطلّ على عيون الـخرج، ويبلغ عددها قرابة 500 مدفن، وأخرى في فرزان شـمال السّيح.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading