الإنسان بين التيه واليقظة: تأملات في مرايا الذاكرة بقلم: حسن كرياط

حين يلوذ الإنسان إلى صفحات الذاكرة، ويعكف على تصفح ألبوم الزمن، تذهله التحولات العميقة التي طرأت على ملامحه، لا من حيث الصورة فقط، بل من حيث الجوهر أيضًا. تقف التجاعيد شاهدة لا على عمر بيولوجي فحسب، بل على سنوات مثقلة بالشقاء، بالصبر، وبالترقب الممزوج بالحلم. حلم بمستقبل أفضل، بزمن أكثر عدلاً وإنسانية. غير أن الواقع خان هذا الحلم، ومال الزمن إلى منحدر غريب، حيث أصبحت القيم عملة نادرة، والمروءة والحياء من مخلفات عصر ولىّ. لقد تغير الإنسان. لا في جسده فقط، بل في كينونته. تحوّل إلى كائن غريب عن نفسه، تخلّى عن جوهره، وتماهى مع صورة مبتورة عنه. لم يعد ذاك الكائن الحي بالمعنى الفلسفي، بل صار جسدًا بلا روح، صدى بلا صوت، كيانًا بلا رسالة. جفّت ينابيع الإحساس فيه، وتهاوت قلاعه الأخلاقية، فصار شبيهًا بالجماد، متكلس الإرادة، عاجزًا عن اتخاذ موقف، أو حتى طرح سؤال عن معنى وجوده. إنها أزمة وجودية حادة، يعيشها الإنسان في عصر تُكرَّس فيه ثقافة التفاهة وتُشرعن فيه الرداءة. عصر خفتت فيه الأصوات النبيلة، وصارت فيه الحقيقة منفية، والمصير ضبابيًا. وسط هذا التيه، يغدو الإنسان غريبًا عن ذاته، تائهًا بلا مرشد، مدفوعًا نحو هاوية العبث اليومي الذي يطحنه دون رحمة. لكن، هل انتهت القصة هنا؟ هل كتب علينا أن نستسلم لهذا المصير المبهم؟ ربما لا. فوسط هذا السواد، تظل هناك بارقة أمل كامنة في لحظة تأمل صادقة، في مواجهة صامتة مع الذات. حين يقترب الإنسان من أعماقه، حين يطرح السؤال الوجودي بصدق: “من أنا؟”، فقد يبدأ الخيط الأول في نسج معنى جديد للحياة. ربما يولد من رماد اليأس وعي جديد، يعيد للإنسان إنسانيته المسلوبة، ويحيي فيه رسالة كاد أن ينساها. لا تحزن، أيها الإنسان، على ما فات. فقد يكون في هذه الحيرة باب لحكمة دفينة، وفي هذا السؤال المتكرر عن المصير، طريق نحو النجاة. كن الإنسان في زمن اللاحقيقة، كن قدوة لنفسك، فلعلّ في ذلك أول خطوة للخلاص من عبث لا ينتهي.





