سينما ومسرح

شرق أوسط جديد✍️  محمد صخي العتابي

صورة لرجال يرتدون قمصان عمل بخلفية بيضاء، يبدو في الصورة شخص ذو سمات متوسطة، ينظر إلى الكاميرا بثقة.

بيئـة العرض:

(تضاء الخشبة تدريجيًا.. ضوء باهت ينساب كخيوط ضباب على مدينة نائمة.. الأرض مغطاة بالتراب والغبار، والريح تصفر عبر أبواب مهجورة.. على الجدار الخلفي خريطة ضخمة للعالم مرسومة بخطوط حمراء كثيفة كأوردة تنبض بدم الماضي والحاضر)
اللوحـة الأولــى :
الراوي(بصوت عميق متردد أحيانًا):
في البدء كانت الأرض تصرخ بصمت، والسماء تهيم بلا عنوان، والبحر يهمس في لياليه الطويلة: احذروا من دموع التماسيح. عيون بكت لا حباً في الإنسان، بل شهوة لابتلاعه… والقرن الجديد يفتح فمه كالوحش، يلتهم الحكايات القديمة، ويعيد رسم الجراح بلون أعمق، أكثر ظلمة.
إنهم اليوم يرسمون خارطة جديدة للشرق الأوسط، ليس بالحبر، بل بالدم، وبأنفاس الشعوب الممزقة.
(الإعلامي يدخل من الجهة اليمنى، يحمل كاميرا كبيرة، يبتسم ابتسامة عريضة متملقة للعدسة)
الأعلامي:أيها السادة والسيدات، العالم بخير لا تصدقوا الصور القديمة… تلك كانت لحظة حزن عابرة، أما اليوم فالمستقبل مشرق، والأحلام تعبأ في زجاجات أنيقة وتباع في أسواق الحرية. نعم، نحن نصنع الواقع، أو على الأقل نظهره كما نريد.
الراوي (بصوت ساخر):
يا لك من مهرج يلبس ثوب الحقيقة ألا تعلم أن الكلمة أصبحت رصاصة في فم الكاذب، وأن الصورة تغسل بالدم قبل أن تعرض على الشاشات؟
الإعلامي(متلعثمًا، يحاول الدفاع عن نفسه):
أنا لا أكذب… أنا أصف الواقع كما يريدون أن يكون. أنا مرآة السلطة لا مرآة الناس، والمرآة إن عكست القبح تكسر.
(يدخل الوزير الأمريكي، يرتدي بدلة داكنة، يحمل ملفًا كبيرًا من الأوراق وأقلامًا بألوان مختلفة)
الوزير الأمريكي:سيداتي وسادتي، نحن هنا لنرسم الغد، غداً بلا فوضى، بلا حروب، غدًا بالحدود الواضحة والولاءات المضمونة. هذه الخريطة (يشير إلى الجدار) تحتاج فقط إلى بعض اللمسات الفنية. الشرق الأوسط القديم قد تهرأ، صار كعباءة مثقوبة، ونحن نمنحكم عباءة جديدة من صنعنا، مصممة بعناية… لتناسب مصالحنا، وبشكل يليق بالسياسة الدولية.
(السياسي العربي يتقدم بخطوات مترددة، يلمس الخريطة بأصابعه وكأنه يحاول أن يشعر بألمها)
السياسي العربي:لكن الشعوب يا سيدي… لا تفصل كما الثياب، والدم لا يغسل بالحبر، والخرائط لا تخلق في المكاتب، بل على صدور الشهداء.
الوزير الأمريكي(بابتسامة كأنه يعلن حقيقة لا تناقش):
نحن لا نقتل أحدًا… نحن فقط نعيد الترتيب، نحذف بعض المدن، نضيف بعض القواعد، نبدل أسماء، نعيد الألوان إلى أماكنها الصحيحة. العالم لوحة، ونحن رساموه.
السياسي العربي (بصوت ممتزج بالغضب واليأس): ولو كانت هذه الألوان من دمائنا؟
الوزير الأمريكي:  لا تقلق، دماؤكم مطيعة، تسيل ببطءٍ جميل، كالموسيقى التي ترافق الاحتفالات الديمقراطية.
(صمت … أصوات انفجارات)
الراوي:ها هي الحقيقة تخرج من مخبئها، تتعثر بخطوط النفط، وتغرق في عيون تبتسم بينما الخرائط تسلخ كجلد حي. والعيون المبتسمة، تلك التي تحتفل بالخرائط الجديدة، لا تعرف أن دماء الناس ليست حبرًا.
(يدخل الشاب الثائر، ثيابه مغبرة، يحمل لافتة مكتوب عليها: نريد وطناً لا خريطة جديدة. خطواته سريعة، عيناه تحترقان بالغضب والوعي)
الشاب الثائر:  أيها السادة، نحن لسنا مربعات على ورقكم، نحن أرواح تحلم بالحرية، بالكرامة، بخبز من عرق لا من صدقة، وبسماء تنجب الغيم لا الطائرات. أنتم تصنعون الخرائط ونحن نموت داخلها.
الإعلامي(يحاول تصويره بالكاميرا):
ابتسم من فضلك، الجمهور يحب الثوار الذين يموتون بابتسامة.
الشاب الثائر(يصرخ في وجهه.. صوته يكسر صمت المسرح):
أنا لا أبتسم للموت… أنا أصرخ بوجهه …الكاميرا ليست شاهد عدل، إنها شاهد زور على مقصلة تدار باسم الإنسانية.
(تدخل الأم خطواتها بطيئة وثقيلة)
الأم:يا بني، صار البكاء عادة، والانتظار طقس يومي…رأيت في الأخبار أن التماسيح تبكي وهي تأكل فريستها، فقلت لنفسي: ربما العالم كله صار تمساحًا كبيرًا.
الشاب الثائر:  أمي… ما زال في القلب بعض الأمل.
الأم (بمرارة):  الأمل؟ يا ولدي، صار الأمل كعملة من زمن قديم، لا أحد يقبل بها في السوق، لكننا نحملها في قلوبنا كتميمة ضد الانهيار.
الراوي:كلهم يبكون الآن، ولكن دموعهم مختلفة. هناك من يبكي لأن ابنه مات، وهناك من يبكي لأن خطته لم تنجح بعد. الفرق بين الدموع ليس في الملوحة، بل في النية.
(الوزير الأمريكي يقترب من الأم، يقدم لها منديلًا أبيض)
الوزير الأمريكي:  نحن نتألم لأجلكم، ونتعهد بالمساعدات الإنسانية، فدموعكم غالية علينا، وسنرسل باخرة مليئة بالمناديل لتجفيفها.
الأم (بصوت يقطع القلب):احملوا مناديلكم وعودوا إلى بلادكم، فدموعنا لا تجفف، إنها تنبت أطفالاً آخرين.
(صمت…الراوي يتقدم خطوة صوته يعلو)
الراوي:هكذا تكتب الخرائط في زمن مسموم، ترسم بالدموع، وتعجن بالأكاذيب. الشرق الذي عرف التاريخ صار لوحة للبيع، تعرض في المزاد العلني بين الدول الكبرى. والعالم كله يجلس متفرجًا، يتحدث عن الإنسانية وهو يطحن الإنسان.
(الموسيقى ترتفع تدريجيًا: أصوات الريح، صوت البحر البعيد، أصوات انفجارات متقطعة، مزيج من صوت المدينة الممزقة والحشود الصامتة)
الراوي:  دموع التماسيح… لا تجف، لأنها لا تنبع من القلب، بل من المصالح. تلك الدموع تغسل بها الخيانات، وتقدم للعالم كدليل على الإنسانية المزعومة.
     اللوحـة الثانيــة:(الخشبة مظلمة، أصوات انفجارات بعيدة تتسلل إلى الداخل، الريح تعوي من الفضاء المفتوح، أضواء متقطعة تتخلل الظلام، الأم تجلس على الأرض تحتضن قطعة القماش الصغيرة، الشاب الثائر يقف بجانبها، يحمل يده المرفوعة للأعلى. الخريطة على الجدار ممزقة، خطوطها حمراء كالدماء)
الشاب الثائر (بصوت حاد، يملؤه غضب ووعي):
أين أنتم أيها القتلة؟ أين أنتم أيها… من يبيعون الوطن في المزاد العلني؟ لقد مللنا الصمت… نحن نصرخ باسم كل طفل مات، باسم كل أم فقدت ولداً، باسم كل جرح لم يجد ضوءه بعد.
الأم (تهز رأسها بحزن): أوه يا ولدي… القوة التي تحكم العالم لا تسمع إلا صدى نفسها… كل صرخة تتردد لتصبح ترويسة خبرية، وكل دمعة تباع كسلعة… ونحن نقف هنا بلا حول ولا قوة.
(الإعلامي يقترب بالكاميرا، لكن يبدو عليه الخوف، يلتقط المشهد وكأن الكاميرا أصبحت شاهدًا على الجريمة، لا مجرد أداة للتصوير)
الإعلامي: ابتسموا… الناس تحب التمثيل، حتى الدموع تحتاج إلى إطار. الجمهور لا يعرف الفارق بين البكاء الحقيقي والمزيف… دعونا نقدم لهم الدموع الأكثر سطوعًا.
الشاب الثائر (بغضب، يلوح بيده نحو الكاميرا):
لا… لا شيء منكم حقيقي.. كل ابتسامة، كل دمعة، كل صورة… خدعة. الثورة ليست مسرحية، والشهادة ليست إعلانًا.
(الوزير الأمريكي يظهر مرة أخرى يحمل ملفًا جديدًا، يقف أمام الخريطة الممزقة يبتسم بخبث):انظروا… كل شيء يسير وفق خطتنا. كل انفجار، كل خبطة، كل دمعة… حساب دقيق. لقد أصبح الاستقرار مرادفًا لموت أنيق. نحن نصنع التاريخ… بصمت، وبدماءكم.
السياسي العربي(يظهر منهكًا يلمس الخرائط الممزقة):
لقد وعدتنا بالنهار… فجلب لنا ليلًا طويلًا. وعدت بالأمن… فجلبت المقابر بأسماء براقة. قل لي… أي جريمة ارتكبنا لنعاقب بهذا القدر من الإصلاح؟
الوزير الأمريكي (بابتسامة قاتلة): أنتم لم ترتكبوا جريمة، أنتم فقط كنتم في المكان الخطأ من التاريخ.
السياسي العربي (يضرب بيده على الخريطة، صوته يملؤه الغضب):
التاريخ؟ نحن كتبناه بدمنا… وأنتم سرقتم التوقيع.
الوزير الأمريكي (ساخرًا):  هل الدم توقيع صالح؟ إنه يجف بسرعة.
(صوت انفجار بعيد يهز المسرح، تتساقط أجزاء من الجدار، الشاب الثائر يهرع نحو الداخل، يحمل راية ممزقة)
الشاب الثائر(صوته ممتلئ بالغضب): أنتم تتحدثون عن التاريخ ونحن نحترق في الحاضر.. الوطن مقطع على منصاتكم… دماؤنا مادة دعائية لعالمكم العادل.
الإعلامي (يحاول التهدئة، ميكروفونه يرتجف في يده): اهدأ… الكاميرات لا تحب الغضب، الغضب يشوه الصورة.
الشاب الثائر (بحدة):  بل الصورة هي التي شوهت الغضب أنتم جعلتم الثورة مشهدًا، والشهادة خبراً عاجلاً يليه إعلان عن عطر جديد!
(الأم تدخل مسرعة، وجهها ملطخ بالغبار، تحمل قطع..ماش صغيرة)
الأم (تصيح):  لقد بحثت عنه بين الركام، بين الصوت والنار… لم أجد سوى هذا.. قالوا لي: ابنك شهيد، فقلت لهم: لا، ابني كان يريد أن يعيش فقط.
الراوي (صوته كصدى تحت الأرض):  في زمن توزع فيه الشهادات كجوائز، يصبح الموت وظيفة رسمية، ويصبح الحزن شعارًا انتخابيًا.
(الوزير الأمريكي يقف، يصفق ببطء)
الوزير الأمريكي:  أحسنت يا امرأة… كل أم تبكي تضاف إلى رصيدنا في سجل النوايا الطيبة. نحن بحاجة إليكم لتبرير وجودنا الإنساني.
الأم (تصرخ بحرقة): كفاكم كذباً.. دموعكم تقتلني مرتين، مرة حين تذرفونها، ومرة حين تصدقونها.
(صمت ثقيل، صوت المؤذن يتردد من بعيد)
السياسي العربي (بصوت خافت):  كم مرة سمعنا هذا النداء ولم نجب؟ كم مرة تجاهلنا الله لنرضي التماسيح؟
الراوي:  حين يفقد السياسي ضميره، يطلب الفتوى من الشيطان.
(الإعلامي يتحرك نحو الكاميرا، يتحدث للجمهور)
الإعلامي:  خبر عاجل… بدأت الدول الكبرى تنفيذ خارطة الشرق الأوسط الجديد، وتهدف الخطة إلى نشر الأمن والازدهار والتعاون…
(يتوقف فجأة)  لكن… أين الأمن؟ أين الازدهار؟ لماذا أشم رائحة لحم محترق بين الجمل؟
الراوي:  لأن الحقيقة حين تقال، تحترق اللغة.
(الوزير الأمريكي يضع يده على كتف الإعلامي) تبحث كثيرًا… الحقيقة ترهق المشاهد.. الإعلامي(ينزل الميكروفون ببطء): ربما… لكنني سئمت من كون الحقيقة إعلان
(الإضاءة تصبح أكثر حمرة، الشاب الثائر ينهض)
الشاب الثائر:  أريد أن أسأل سؤالاً واحدًا فقط: هل يمكن أن تبكي السماء حقًا؟ أم تمطر لأنها ضاقت بما نفعله؟
الأم (بصوت مرتعش):  لقد بكت السماء كثيرًا يا ولدي… لكن دموعها لم تطفئ النار.
السياسي العربي (يحاول النهوض):  كنت أظن أني أملك القرار… فإذا بي مجرد توقيع على اتفاق لا أفهم لغته… نحن من باعنا الأصدقاء، لا الأعداء.
الوزير الأمريكي (يضحك ضحكة طويلة):  في السياسة، لا أصدقاء ولا أعداء، فقط مصالح تغير وجوهها كما تغير الحرب ساحاتها.
الراوي(يتقدم خطوة إلى الأمام):  وهكذا صار العالم مسرحًا، تتبدل فيه الأقنعة كل لحظة، ويصفق الجمهور بعد كل مأساة كما لو كانت كوميديا جديدة… أيها البشر، متى ستدركون أن البكاء لا يغير الخرائط، وأن الدموع التي تذرف في الصالونات ليست سوى دموع تماسيح؟
(الإضاءة خافتة، الأم تغني بصوت مكسور أغنية قديمة، الشاب يقترب منها)
الأم (تغني):بلدي بين الرماد حزينوجراحه في كل عينرغم الخراب صامديننرفع الأمل بالحنينونمشي رغم الألم الدفينالشاب:  أمي… لن نسكت، لن نعيد تدوير الهزيمة… لن نعيش في الظلال التي يرسمونها لنا.
الأم:  لكنهم أقوى منك يا ولدي…
الشاب:  ربما… لكن التاريخ لا يكتبه الأقوياء، بل من يصر على قول “لا” ولو بدمهم.
(الوزير الأمريكي يضحك بسخرية) : جميل… كلمات شاعرية تصلح لمقاطع تحفيزية على مواقعنا الدعائية… سنجعلها شعارًا جديدًا لبرامج التنمية.
الشاب (بغضب):  أنتم تسرقون حتى الكلمات.
الراوي؛ حين تسرق القوة اللغة، يصبح الصمت المقاومة الأخيرة.
(الضوء يخف تدريجيًا، ثم يشتعل بلون أزرق، الجميع يتحرك ببطء كما لو في حلم ثقيل)
الإعلامي(بصوت متقطع):  العناوين تتغير… الأسماء تتبدل… الدماء واحدة… كل شيء يبدو منظمًا، إلا الأنسان… فهو الفوضى الوحيدة التي يخشونها.
الراوي:  الأنسان… هو الخطر الحقيقي على مشاريعهم، لأنه قادر على رؤية الفرق بين الدموع الحقيقية ودموع التماسيح.
اللوحـة الثالثــة:
(الخشبة مظلمة جزئيًا، صوت الريح يتصاعد مع خرير مياه وهمية تتدفق عبر المسرح، أضواء حمراء وزرقاء تتخلل الظلام. الخريطة على الجدار ممزقة، خطوطها الحمراء تتدفق كالدماء. الشاب الثائر واقف، رايته الممزقة في يده، الأم جالسة على الأرض تحتضن قطعة القماش، الوزير الأمريكي يجلس على الطاولة محاطًا بالشاشات، الإعلامي يقف حائرًا بين الكاميرا والخرائط)
الشاب الثائر (بصوت مرتفع، يملؤه غضب):
كفى خداعًا كل خط رسمتموه على هذه الخريطة هو جرح في جسد وطننا… كل لون أضعتموه هو دم من دمائنا… لن نصمت أكثر.
الأم (ترفع رأسها، دموعها تختلط بالغبار):
يا ولدي… الأرض التي ولدنا عليها لم تعد تعرف… كل ما تبقى لنا هو الذاكرة، وقطع من الحنين.السياسي العربي (مترددًا يمسح عرق جبينه):
لقد فقدنا القدرة على الكلام… كل كلمة تقولها تصنعها السلطة قبل أن تصل إلى الناس… كل وعد نسمعه، يتحول إلى قبر جديد… نحن مجرد أرقام على قوائم الانتظار.
الوزير الأمريكي (يبتسم): أرقام؟ بل نحن نصنع الأرقام… كل دمعة لها سعر، كل جرح له حساب. أنتم جزء من اللوحة، ونحن الرسامون.
الإعلامي (يحاول تهدئة الموقف، ميكروفونه مرتجف):
كل شيء يسير وفق الخطة… الجمهور يريد الدموع، يريد المشهد… حتى الثورة أصبحت عرضًا بصريًا، والشهادة مجرد عنوان عاجل.
الشاب الثائر (غاضبًا يلوح بيده نحو الإعلامي):
انظر حولك لم تعد الثورة حقيقية… لم تعد الحياة حقيقية… لقد استبدلتم الألم بالتصوير، والموت بالعنوان… حتى دماؤنا صارت مادة دعائية.
(صوت انفجار هائل يملأ المسرح، تسقط أجزاء من الخريطة، تتطاير الأوراق، الأم تغطي وجهها، الشاب يحمي رايته،الوزير الأمريكي يضحك بهستيريا)
الأم (تصرخ): يا إلهي… كل شيء ينهار من حولنا… كل شيء… حتى أحلامنا… لقد أصبح الحزن مسرحًا… والموت خبرًا يقدم للعالم كإحصائية.
الراوي (يظهر في منتصف المسرح، صوته عميق):
في زمن تباع فيه الدموع، ويستأجر الحزن، يصبح الصمت هو المقاومة الأخيرة… ويصبح الدم مجرد حبر على خرائطهم… لكن الأرض لا تنسى، والسماء لا تكذب.
الشاب الثائر (يصرخ نحو الخريطة): أنتم تحاولون رسم مستقبلنا، لكن المستقبل هنا… في القلب، في الروح، في الصرخة التي لا تكسر… لن نركع أمام الخرائط الممزقة، ولن نموت بصمت.
السياسي العربي (يحاول النهوض، صوته متهدج): لقد وعدونا بالسلام، وجلبوا الحروب… وعدونا بالعدل، وجلبوا المقابر… كل ما تبقى لنا هو الألم، لكنه ألم حي حقيقي، لا يمكنكم تزويره.
الوزير الأمريكي (ينهض ببطء، يضع كأس ماء على الطاولة):
اشرب يا فتى، الماء دواء الغضب… لكنه لن يروي عطشك للانتقام…هذا ليس سوى بداية الحساب.
(الضوء يتحول إلى أحمر داكن، أصوات الصراخ والبكاء تتصاعد، الأم تقف وتحمل قطعة القماش كما لو كانت علم الوطن)
الأم (بصوت مرتعش):  ها هو التراب يحتضن كل أحلامنا… كل دموعنا… وكل وعودنا الفارغة… لكنني لن أترك طفلي يرحل دون أن يرى الحقيقة… دون أن يرى الأرض تبتسم له مرة واحدة قبل أن تدمر.
الشاب الثائر(يقف بجانبها يرفع الراية):
لن يرحل… لن نستسلم… نحن صرخة الأرض، نحن صوت الأطفال الذين لم يولدوا بعد… لن نسمح للخرائط أن تقتل مستقبلنا.
(الإعلامي يقف متردداً، الكاميرا تهتز في يده، يبدو وكأنه فقد السيطرة)
الإعلامي (بصوت منخفض):  لقد سئمت… كل ما صورته أصبح خيانة… كل عنوان كتبته أصبح جثة…أريد أن أصرخ… لكن لا أحد يسمع.
الراوي (بصوت جهوري): الإنسان هو الخطر الحقيقي على مشاريعهم… لأنه يميز بين دمعة حقيقية ودموع التماسيح… وحين يرفع صوته، ينهار العالم المزيف.
(صوت انفجار آخر.. المطر يبدأ بالتساقط على المسرح، أضواء حمراء وزرقاء تتقاطع، الأم والشاب يجلسان على الأرض، الوزير الأمريكي يحاول الإمساك بالخريطة الممزقة) الوزير الأمريكي (مضطرب يحدق في الخريطة): ما هذا؟ لماذا لا ترسم الخطوط؟ حتى الدم يعصي الأوامر.
الشاب الثائر (ينهض، يصرخ): لأن الأرض مشبعة بالدم… والسماء لا تسمح لمزيد من الخرائط… هذه الأرض حية… وكل دم قديم أو جديد يرفض أن يصبح مجرد أرقام.
الأم (ترفع يديها إلى السماء، تمطر عليها قطرات الماء والدماء):
السماء تبكي أخيرًا… هل تبكي لأجلنا أم علينا؟ لا أدري… لكن دموعها أكثر صدقًا من دموعكم.
الراوي (يتقدم إلى مقدمة المسرح، صوته يملأ المكان):
ها هي التماسيح تحلق… لم تعد تكتفي بالماء صارت تسبح في الهواء، تبكي وهي تسقط القنابل… كل دمعة كذب تسقط على الأرض لكنها لا تقتل الحقيقة ولا تصمت الأرض.
(الإضاءة تتحول إلى ضوء أبيض خافت، الأم تحتضن قطعة القماش، الشاب واقف بجانبها، الراوي في منتصف المسرح، الجميع ساكن كتماثيل من الطين. صوت الطفل يتردد من بعيد)
صوت الطفل:  هل سيأتي الغد يا أمي؟
الأم (تبكي بصمت، تعانق قطعة القماش): سيأتي… لكنه لا يعرف الطريق بعد… علينا أن نرسمه بأنفسنا.
الراوي (خاتمة شعرية، صوته يختلط بصوت المطر والأنين):
أيها البشر… لا تنتظروا من التماسيح أن تتوب… ولا من القتلة أن يعيدوا ما سرق من الحلم… الأرض وإن بكت، دموعها ليست تماسيح… بل نداء صامت لأبنائها كي لا يموتوا وهم يبتسمون لقاتلهم.
(الموسيقى ترتفع، مزيج أصوات المطر والأنين، الضوء يخفت تدريجيًا حتى العتمة الكاملة، يبقى أثر الخريطة على الجدار يذوب خطوطه في الماء)

1 2الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading