جَدّي – يونس علي الحمداني

جَدي الشيخُ الهَزيل كَبُر كثيرا
تكوّر جَسده صَار صغيرا
حتى رَجع ثانية صبيا صغيرا
وراح يسرقُ السكائر مِن عُلبةِ
ولدهِ الكبير ..
جَدي ضَيّع عدّ أعوامه على أصابعِ
الذاكِرةِ في طوفانِ تيه محطات
العمر قبل أصابع اليدين
ومَسَح بأنامِلهِ كُل ما شخبطهُ على
الحيطان عِندما اختلطتْ عليه الألوانُ
وتساوتْ في عينيهِ غِشَاوةُ الأشياء..
لحُسن الحظ – جَدي- نَسِي أن يعُدّ
نَسَمات الهواءِ الغربية
أي أنفَاسه الذهبية لكنهُ.. ظل
يُصغي للسماءِ بقلبه.. لكن ما سِر
أن يضَع أذنه على الأرض
مُصغيا بجوارحهِ لإحساسٍ بعيد
ربما لعطرٍ عزيز..
جَدي تكسرتْ في وجههِ الملامحُ
وعَبرتْ على حَدبتهِ آلافُ السنين
ليُصبح أغنية عَبرتْ خُلجان العِبر
كم أحطنا بها على وهجِ قَصَصه
لم ترقد أغنيتهُ عند أقدامِ قلبٍ كسير..
جدي أخافُ عليه الآن
من دموعٍ تحرق وجنته
ورِقّةٍ تُسيل نهرَ عَبْرته
وثوبٍ ناعم قد يخدشُ كتفيه وحَدبته..
في عيني جدي بريقٌ يتوالدُ كشعلةِ
الشمسِ تتفتحُ كل يومٍ ببصرٍ حديد
وهناك ضوء آخر في افقهِ لا يغيب
يمتدُ من طرفِ صحاري العُمر
ومفاصلِ خارطةِ العشقِ القديم
يعبرُ محطاتِ السنين
إلى مفارقِ كثيرة
إذ تدوسُ قطاراتُ رحلتِه سكة
الصريرِ في القلبِ الحسير..
جَدي نبعٌ كلما زادَ ماءُ حكمته
دَوّى صوتُ الحُبِ في حَنجرةِ الزمنِ
البعيد وانطلقَ الخيرُ يفيضُ من جديد..
كم يرجع جَدي حُلما بريئا
تطوفُ به رؤى جديدة.. سَادِراً
على منوالِ أهلِ الكهف لا يحسبُ
الساعات ولا تشغله الثواني..
مِسكينٌ جَدي.. أخيراً
قُطعِت سُبلُ الوفاقِ بين قلبهِ والدفاتر
ورقص الارتجافُ في يديه
واستَهزأ الظلامُ بعينيه
وتكسرت أرجلُ مَن يودُ أن يعود
إلى الطرقِ العزيزة..





