دراسات أدبية

تحرير بحر المديد و بحر المنسرح عبر تطبيق طريقة التشكيل الحر على البحرين-أ.مالك بن فرحات

صورة لرجل بملابس بيضاء، يحمل لحية وشعر بني، ينظر إلى الكاميرا بابتسامة خفيفة.

يمكن أن ننظم شعرا حرا على المديد و المنسرح

في مقال سابق طبقنا تقنية التشكيل الحر على بحري الخفيف و مخلع البسيط و اكتشفنا قابليتهما لأن ينظم عليهما شعر حر مع المحافظة على هويتهما الصوتية . و هذا اكتشفناه في المديد و المنسرح .

 بحر المديد و المنسرح يجري عليهما ما جرى على الخفيف و المخلع و يصيران قابلين لأن ينظم عليهما شعر حر رغم أن صيغتيهما الأصليتين تدلان على امتناعهما عن ذلك ، و لكن التشكيل الحر يجعل الممتنع ممكنا . إن صيغة المديد الأصلية

فاعلاتن فاعلن فاعلاتن

يمكن تحويلها إلى صيغة أخرى مساوية لها صوتيا و هي

فاعلاتن فاعلاتن فعولن (فاعلاتن فاعلنفا عِلاتن)

و بهذا التحويل حصلنا على تفعيلتين متجاورتين من النوع نفسه و يجوز التصرف فيهما بالزيادة و الإنقاص :

فاعلاتن فاعلاتن فعولن

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فعولن

فاعلاتن فعولن

و قد جربنا نظم قصيدة على المديد الحر و هي قصيدة “نشيد العجوز

هذه أنشودة من عجوز

سلخت من جسمها في غفلة عن كلّ عينٍ و أذن

و هي عزلاء إليها لتُخفوا

عاركمْ قد مكثت كومة في

دارها مُكث الأساطير عظما

في زجاج المتاحِفْ

بيتيَ اغبرَّ و أمسى نسيجا

أبيضا أوهى من الطيفِ طيفيِ

و حكى نسجَ رأسي

مِزقٌ تعلو عليه مثل ثلجٍ قد علا سقْفَ بيتي

هيَ من صوفٍ و لكنْ دفؤها منها سليب قتيل

بحديد البرودِ

مثلَ لونٍ فاحمٍ كانَ منها

آيةَ الحسُنِ الفتيٍِ الجديدِ

ارفقي يا عنكبوتُ ارفقي بي

لا تصوغي حولَ جسمي شباكا

لن يميزوها من الشعر الذي يحكي نسيجا نسجْتِ

لا تزيدي اغبرارا

مرقدي أو فانسجي كيف شئتِ

و امنعي عن لحميَ الثلجيِّ نملا جائعا أو ذبابا

و اجعليها أسارى

نسجك الواهي اتركيهِ حويلي

يدفع البرْد الذي كنت منه

مثلما كان الورى من تراب

ثم صاروا حفْنَةً من سرابٍ

أين ماءُ الشبابِ ؟

صار ثلجا آيلا للخرابِ

أدفئيني رغم أني لست ألقى برودا

أدفئي كي لا تلاقي أكفّ

سوف تمضي بي إلى غوْرِ أرْض

لسعةَ البرد التي لاقيتُها قاسيةً قبْلَ موتي

هل ستأتي ؟ أجيبي !

جلليني بنسيج متين

مثلما جللتِ الطفْلَ أمٌّ

بشباك لتصدّ البعوضا

ثمّ لمّا صار نسرا فوق أطوادٍ تناسى التي قد

جللته جثّةً وسط نسيج العناكِبْ

أين أبنائي و آلي و صحْبي ؟

أين ولّى آدميّون كانوا ؟

لا أريد الآن أن يحملوني

فكليني و دعي الدود يفري

مُضغي و النِمالا

لا تظُنيني أيا عنكبوتُ

بمماتي لسْتُ آسى و أشعر

انظري ها شبحي قدّامَ جسمي واقف و هو جدْب

وقفة الشاعر قدّامَ رسمٍ

دارسٍ في أمسه كان يعمُرْ

ليس يبكي قاطنيه من أحبّاء و خلانَ كانوا

بل هو الباكي بكاء الندامه

ليتهم لم يكونوا !

و يكون التصرف في العدد زيادة و إنقاصا مقتصرا على فاعلاتن و تبقى فعولن على حالها.

و صيغة المنسرح الأصلية هي :

مستفعلن مفعولات مستفعلن

و إعادة تشكيل الصيغة ينتج لنا صيغة أخرى مساوية للصيغة الأصلية و قابلة لأن ينظم عليها شعر حر ، و هي الآتية

مستفعلانن مستفعلانن فَعَلْ المساوية للصيغة السابقة أو مستفعلانن مستفعلانُ فَعَلْ أو متفعلانن متفعلانن فَعَلْ أو متفعلانن متفعلانُ فَعَلْ ، و هذه التشكيلات الحرة المتنوعة تراعي التغييرات الصوتية التي تطرأ على البحر في صيغته الأصلية و تسايرها ، و بها حصلنا على تفعيلتين متجاورتين متشابهتين يصلح التصرف في عددهما . و يوجد تشكيلٌ آخرُ يمكن أن يجعل المنسرح بتطبيق تجربة التشكيل الحر في حكم البحور الصافية و ذلك إذا راعى التشكيل الحر التغيير الذي يطرأ على مستفعلن الأخيرة في العروض و الضرب و به تغدو مفعولن

مستفعلن مفعولاتُ مفعولن

و في هذه الحالة تكون صيغة البحر بعد التشكيل الحر

مستفْعِلانُنْ مُستَفْعِلاتانُ

و تعامل مستفعِلاتانُ على أنها من جنس مستفْعِلانن و قد طرأ عليها تغيير بالزيادة فيُتصرفُ في عدد مستفْعِلانن و تبقى مستفعلاتانُن آخر السطر على حالها .و قد جربنا بعد علمنا بقابلية البحر للتحرير أن ننظم عليه قصيدة حرة في شكله الجديد و عنوانها ” عذبٌ أُجاج” :

إني لبَردي أشوك جلْدِيَ كي

أنال دفءا من دمّيَ القاني

تَرينني في السكون و العزِّ شامِخا جبلا

لكنّ ناري التي أواري عن وجهك المستفيض بالماء نار بركان

حميمُها الآني

يخبو إذا ما رآك رافلةً

كالنهر و القلْب يرتقي في سمائه دونما جناحان

و النار تغدو سيول هذْيٍ مفجّراتٍ ثملى مؤججةً

فنحْنُ نهرانِ

نهر من الخمرة التي دُفقت

حمراء مني و نهر ماءٍ هما يهيمانِ

كالوهم و الحق يمشيانِ معا

و الموت و العيش إذ يسيرانِ

و رائق النور و الظلام العبوس و الخصب  و الجفاف معا

و كلّ أمشاج ما يكون و ما

لا لم يُكنْ إننا مشيجانِ

من ذا و هذا

إنّا حياتانِ

و نحنُ موْتانِ

و التصرف في العدد مقتصر على مستفعلانن و تبقى فَعلْ أو مستفعلاتانُ على حالها.

و قد يذهب البعض إلى أن هذا التحرير الصوتي قد يذهب بهوية البحر و بصمته الصوتية الخاصة و ذلك بأن يجعله موسيقيا أقرب إلى غيره من البحور ، فالمديد بتحريره قد يوهم أنه صار مشابها للرمل إذ تتعدد فيه فاعلاتن و تكون فعولن يتيمة . و الحق أن هذه التفعيلة الوحيدة اليتيمة التي تقع في ضرب السطر هي التي تحافظ على بصمة البحر الموسيقية و إن كثرت قبلها التفعيلات المتكررة المتشابهة غير المشاكلة لها ، لأننا لو حذفنا فعولن لتحوّل البحر إلى الرمل. و لقد نظم الشعراء على السريع شعرا حرا

مستفعلن مستفعلن فاعلن

مستفعلن فاعلن

مستفعلن مستفعلن مستفعلن فاعلن

و لم يخرجه هذا إلى حكم الرجز بحجة قابلية مستفعلن للتعدد و وحدة فاعلن . إن التفعيلة المختلفة الأخيرة في مثل هذا النوع من البحور تعمل في الذهن عمل القافية الموعودة أو المتوقعة ، و صاحب الأذن الموسيقية بعد أن يقرأ السطر الأول من القصائد المنظومة عليها يتوقع أن كل سطر سيختم بتفعيلة تكسر التشابه الذي بين التفعيلات التي قبلها . و لهذا يحسن لمن أراد أن ينظم على المديد الحر أو السريع أن يجعل سطره الأول موافقا للشطر في الصيغة النظرية الأصلية من حيث عدد التفعيلات حتى يطبع هوية البحر في ذهن القارئ طبعا لا يكون معه التباس فيقرأ السطور التالية و في ذهنه هوية البحر الموسيقية:

فاعلاتن فاعلاتن فعولن (فاعلاتن فاعلن فاعلاتن)

فاعلاتن فعول

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فعولن.

توجد طريقة أخرى يمكن أن نحرر بها بحر المديد لا نرى في تطبيقها ضررا أو إخلالا بالموسيقى بتطبيق طريقة التشكيل الحر فيمكن أن نعيد تشكيل

فاعلاتنن فاعلن فاعلاتن

لتصير

فاعلاتانُ فعولن فعولن

و هو تشكيل يساوي التشكيل الأصلي و إذا أردنا أن ننظم عليه شعرا حرا يكون التصرف في عدد فعولن دون فاعلاتانُ

فاعلاتانُن فعولن فعولن

فاعلاتانُن فعولن فعولن فعولن

فاعلاتانن فعولن

و من الأفضل لو اخترنا أن ننظم على هذا التشكيل أن نكون حذرين في التصرف في عدد فعولن حتى لا نخل بالموسيقى ، فلا نسرف في الزيادة فيها لأني وجدت الزيادة المفرطة تشتت السمع ، و وجدت هذا التشتيت يحدث إذا زاد عدد فعولن على ثلاث فيتوهم السامع أنه خرج إلى المتقارب لأن التفعيلة الثابتة المختلفة لم توجد في آخر السطر كما وجدت في التشكيل الأول لتكسر التوقع و تصد الشتات بل وجدت فاعلاتانُن أول السطر تاركة ما بعدها قابلا للتعدد بلا حد . و التعدد المفرط يخل بالموسيقى فيكون ضبط عدد معين هو الحد القائمة مقام التفعيلة الصادة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading