مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات لغوية

العلامة واللغة بين فرديناند دي سوسير ورولان بارت:درس سيميائي في توضيح الفرق عبر تمثلات القص الموجز

صورة لرجل مبتسم بملابس مخططة، يقف أمام مكتبة تحتوي على كتب.

القصة موضوع المثال

السؤال الذي نطرحه يتعلق بالنقاش بين نظريتي العلامة لدى فرديناند دي سوسير ورولان بارت حول العلاقة بين اللغة والعلامة، وهو نقاش مركزي في علم السيميائيات (علم الإشارات). حيث يرى الأول ان العلامة أوسع من اللغة لان ثمة علامات غير لغوية بينما يرى الثاني ان اللغة أوسع لان العلامة لا تنجز الدلالة دون سياق تخلقه اللغة لها

موقف فرديناند دي سوسير:

دي سوسير يرى أن العلامة هي جزء من نسق لغوي شامل، لكنها أيضًا تتجاوز اللغة في بعض الأحيان لأنها تتضمن جوانب غير لغوية. العلامة لدى سوسير تتكون من شقين:

الدال: الشكل الصوتي أو الرمزي.

المدلول: الفكرة أو المفهوم المرتبط بهذا الشكل.

من هنا، العلامة لدى سوسير ليست حكرًا على اللغة فقط، بل يمكن أن تكون موجودة خارجها، مثل العلامات البصرية (كالأيقونات) أو العلامات الثقافية.

موقف رولان بارت:

رولان بارت يرى أن اللغة هي التي تضع العلامة ضمن إطار دلالي واضح، وهي أكبر من العلامة من حيث قدرتها على إنتاج المعاني. بارت ينظر إلى اللغة كنسق يمكن من خلاله فهم العلامات وتفسيرها؛ أي أن العلامة وحدها لا يمكنها أن تنتج معنى مستقل دون تدخل اللغة لتحديد هذه المعاني.

الترجيح والنقاش:

كلتا النظريتين تقدم منظورًا مختلفًا حول العلاقة بين العلامة واللغة. يمكن أن نقول إن سوسير صحيح في أن العلامات تتجاوز اللغة، لأن العلامات قد تظهر في أشكال غير لغوية مثل الرموز والإشارات. ومع ذلك، يمكن القول إن بارت أيضًا لديه وجهة نظر قوية، لأن اللغة تلعب دورًا محوريًا في تأطير وفهم العلامات وتحويلها إلى نسق دلالي منظم.

من هذه الزاوية، يبدو أن موقف بارت أقوى من حيث أن اللغة ليست مجرد وسيلة لتسمية الأشياء، بل هي ما يتيح بناء منظومات الدلالة الكاملة. العلامات بدون لغة قد تظل مبهمة أو غير واضحة في معانيها.

تطبيق النظريتين على القصة القصيرة جدًا “مجاراة”:

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تحليل باستخدام نظرية سوسير:

بحسب سوسير، يمكننا أن نفهم القصة من خلال تحليل العلاقة بين “الدال” و”المدلول”. كل عنصر في القصة يشكل علامة:

“التصفيق” كدال يعبر عن تفاعل جسدي مع الحدث، والمدلول هنا قد يكون شعورًا بالخضوع أو التوافق مع الصراخ أو رد فعل تلقائي.

“الصراخ” كدال يشير إلى توتر أو معاناة، والمدلول قد يكون صوتًا خارجيًا أو تعبيرًا عن أزمة.

“الباب المفتوح” هو دال يعبر عن انكشاف أو ترقب، والمدلول هنا يمكن أن يكون وصول الصراخ إلى الداخل.

“أبواب الصمت” هي دال تعبيري يشير إلى العزلة أو الانفصال عن الواقع.

وفقًا لسوسير، العلامات في القصة تشمل اللغة والإشارات غير اللغوية. مثل التصفيق والصراخ كإيماءات وحركات تحمل دلالات بدون الاعتماد الكامل على اللغة.

تحليل باستخدام نظرية بارت:

أما بارت، فسيركز على الدور الذي تلعبه اللغة في تشكيل معاني هذه العلامات. في هذه القصة، اللغة تتدخل لتأطير الأفعال والمشاعر بطريقة تجعل القارئ يفهم العلاقة بين “التصفيق” و”الصراخ” و”الصمت”. بدون اللغة التي تقدم هذه الرموز في سياق معين، قد تكون الأفعال أو الأحداث غير مفهومة أو غامضة. بارت سيرى أن:

“التصفيق” هنا ليس فقط حركة جسدية بل يتخذ معنى أعمق بفضل السياق اللغوي الذي يحيط به، مما يجعله إشارة إلى استجابة لا إرادية للتوتر أو الصراع.

“الصراخ” يصبح دالًا على أكثر من مجرد ضجيج؛ إنه يمثل حالة نفسية داخلية تتشكل في نظام لغوي يضفي على هذه العلامة طابعًا من الألم والاحتجاج.

“الباب المفتوح” و”أبواب الصمت” هما استعارات أو صور لغوية تستخدم لإعادة بناء معنى العلامات بطريقة تجعل الصمت والانفصال حاضرًا داخل النص.

التمييز بين النظريتين في القصة:

وفقًا لسوسير: القصة تحمل علامات لغوية وغير لغوية. “التصفيق” و”الصراخ” هما دالان يمثلان علامات يمكن أن تُفهم ضمن أنظمة دلالية أخرى غير لغوية (الإيماءات أو الضجيج). العلاقات بين هذه العلامات مستقلة عن السياق اللغوي المباشر.

وفقًا لبارت: القصة لا يمكن أن تفهم تمامًا إلا من خلال اللغة التي تؤطرها. “أبواب الصمت” لا تفهم كعلامة دلالية مستقلة؛ اللغة تمنحها معناها الرمزي. الأفعال والصور تُحمّل بدلالة إضافية عبر استخدام اللغة لتشكيل نسق دلالي شامل.

أي النظريتين أرجح هنا؟

عند تطبيق النظريتين على هذه القصة، يظهر أن رؤية رولان بارت أكثر إقناعًا في هذا السياق، لأن اللغة تلعب دورًا جوهريًا في توجيه الفهم وتقديم العلامات في سياق واضح. بدون تدخل اللغة، “التصفيق”، “الصراخ”، و”أبواب الصمت” قد تكون علامات غير واضحة أو مفتوحة لتفسيرات مختلفة. لكن اللغة توفر الإطار الذي يجمع هذه العلامات ويمنحها معنى ضمن بناء دلالي متكامل.

نظريًا، بارت يقدم حجة أقوى في تحليل مثل هذه النصوص الأدبية، لأن اللغة تمثل البنية التي تسمح للعلامات بالتفاعل وإنتاج معاني معقدة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading