قراءة لرواية “فرصة ثانية” للأديبة صباح بشير – سلمى جبران
رواية “فرصة ثانية” مشبعة بالدراما والترقّب
والأحداث، رواية تعرض الحدث بكلّ تفاصيله وتترك مجالًا كبيرًا لتسأل وتعظ وتفكّر:
“شردت أفكاري حول أسرار الحياة والولادة وسرّ الأمومة، فكيف تتحمّل الأمّهات
كلّ هذا الألم؟ هل حبّ الأمّهات لأطفالهنّ يستحقّ هذه التضحية؟ أم هي غريزة فطريّة
بحتة؟ أم أنّها قوّة طبيعيّة نسير في فلكها دون وعي منّا؟” ص9-10. ص18: “هل هذا جزاء من وهبن أجسادهنّ معابد
للحياة؟” هذه التساؤلات تضفي على بداية الرواية لونًا تأمّليًّا.
أحداث الرواية ويشكّل شطحة شاعريّة رومانسيّة حالمة، مثال: “تحوّلت إلى مراقب
صامت لمسرح الحياة الإنسانيّة بمختلف مشاعرها وألوانها، فكلّ من مرّ من أمامي كان
يحمل حكاية منقوشة بخطوط الفرح أو الحزن، أو الأمل أو الخوف، أو الترقّب”
ص15.
الولادة ثمّ الحياة الغضّة لرضيع فقد والدته لحظة قدومه إلى الدنيا، وتنتهي
الرواية بالحمل المرتجى والزواج السعيد لثلاث نساء العائلة والأصدقاء: هدى ولبنى
ونهاية. 99 sabah basher
يعيش القارئ حالة الفقدان مع مصطفى وهدى وأمّ فاتن ويتفاعل معهم. ص22 “من
بعيد يظهر وجه مصطفى يحمل بين ذراعيه طفله، ثمرة حبّ انطفأت شمعته قبل
الأوان”.
الحبكة، ويدفع الحالة أو الشخص إلى مركز الرواية.
صفة الأفضل تدخل في أوصاف كثير من الشخصيّات، مثال على ذلك: مصطفى ومعرض سيّاراته
وإبراهيم والمهنيّة العالية في طبّ الأسنان، رغم أنّه قلع سنًّا صحّيًّا لمريض بدل
أن يقلع المعطوب ومثاليّة هدى كانت في لطفها وأخلاقها وتضحيتها بمستقبلها من أجل
الرضيع اليتيم ابن أختها.
الموقف. في وصف المكان، حيفا مثلًا (ص34 وص83)، ووصف الحب والزمان والشخصيات
يتغنّى باللغة واللغة تتغنّى به. والوصف، أيضًا، يتحدّى السياق ويصبو إلى الكمال
في المشاعر وفي الممتلكات: وصف الحبّ والعشق أخذ قسطًا كبيرًا من الجمال اللغوي
والاستعارات المبتكرة واعتلى عرشًا جميلًا يعبّر عن فكرة رئيسيّة في الرواية:
الأمومة والإنجاب (ص 50-51).
الحبّ: سناء مثلًا، ومن الناحية الأخرى: تحرُّش المريضة بطبيب الأسنان إبراهيم.
خصب يزيّنه جمال اللغة وتتعاقب فيه الاستعارات التي لا تخلو هي الأخرى من الجمال
والخيال.
بالإضافة إلى أسئلة الأمومة التي تدعو إلى التفكير بالموضوع، هناك أسئلة عن
الزواج: “هل الزواج مأوى للحبّ أم قيد للأرواح؟”، ص58.
والذي يوجّه القارئ إلى دخول جوّ مميّز تبدعه أصوات الرواة وتترك القارئ متقبّلًا
لهذا الجوّ وحريصًا على ألّا يمسّه حين يدخل إليه. مثلًا: جوّ وصف الحبّ ص65 يترك
القارئ مذهولًا ومتسائلًا عن أنماط الشخصيّات التي مارست الحبّ جسدًا وروحًا، مثل
سناء، سكرتيرة مصطفى، بوصفها “لحظة ضعف انسدلت فيها العتمة على نور العقل،
فيها استسلم مصطفى لنداءات الجسد وقرّر أن يشارك سناء ليلة حميميّة” ص65، في
حين أنّ سناء لم تكن متأكّدة من مشاعر مصطفى تجاهها ورغم ذلك قالت له: “سأكون
معك كلّما احتجت إليّ” ص76. هذا المشهد يترك سناء تعيش بين الأمل وخيبة الأمل
وبين لحظات القوّة ولحظات الضعف.
الحبّ، الإخلاص والتواجد على شفا الخيانة، وهذا جعل الرواية غنيّة بالمشاعر
وبالواقع الخيالي وبالخيال الواقعي.
على ذلك شخصيّة عبد الله وشخصيّة لبنى وعلاقتهما.
تقليديًّا، ولكنّ النتيجة كانت إيجابيّة ومثاليّة. إنّ اتخاذ القرارات المصيريّة
عند شخصيّات الرواية كانت تقع في إشكاليّات تتراوح بين الواقعي والمتخيّل.
وأحيانًا أخرى متصنّعًا يميل إلى المثاليّة واليوتوبيا، ولا تظهر فيه سيرورة
واضحة. وكذلك وضع إبراهيم ونهاية لم تكن فيه سيرورة.
وأبطأ مجرى الحبكة.
مصطفى وعبد الله وهدى، وهذا أعطى الرواية بعدًا نفسيًّا لهذه الشخصيّات وأوحى
بكثير من التساؤلات حول كونها جزءً من الحياة الواقعيّة أم أنّها من إبداع الكاتبة
فقط، كثرة الأوصاف للشخصيّات أدّت إلى تكرار بعض الصور عنها، مثال على ذلك جمال
هدى وفاتن ومصطفى. ومع ذلك لم ألاحظ بأنّ هذه الشخصيّات تغيّرت وإنّما معظمها سار
على خطّ مستقيم.
الزوجي/الأسري، فوجدتُ أنّ الشخصيّات والعلاقات بينها فيها غرابة معيّنة، وربّما
تكون الكاتبة قصدت ذلك.
ثانية، ووجدْتُ فيها ثلاثة أبعاد للحبّ: الحبّ حسب التعريف المثالي الموجود في
النصّ، والحبّ التلقائي الشعوري النادر، والحب كمسؤوليّة تجاه الآخر وتجاه الذات.
العلاقات الاجتماعيّة، والطبقة الثانية: العلاقات من فئة المتوارث والتقليدي،
والطبقة الثالثة: ذوبان الفردي الذاتي بالجماعي وفقدان الفرد لجوهره. وهذه الطبقات
تمثّل واقعًا لا مهرب منه.
هنا بعض الأمثلة من شخصيّات الرواية:
كلّ المجالات الحياتيّة والتي تأخذ مساحتها كاملة وتلغي مساحة زوجها عبد الله.
أختها فاتن التي ولدته وتوفّيت.
توفّيت زوجته فاتن.
الأخرى لم يستطع القرب من هدى بعد أن تزوّجها حيث أظهر عواطف وحبّ طوباوي لفاتن
زوجته الراحلة ولم يتمكّن من منازلة الفقدان، وهدى التي استمرّت بالتضحية بذاتها
من أجل الرضيع يحيى على الرغم من تجاهل زوجها مصطفى لأنوثتها.
الوضع، وعندما تعرّف على جارته نهاية شفته من إحباطه وخيباته، إلّا أنّه تركها
عندما طلبت منه أن يتزوّجا. في نهاية الرواية يذكر أنهما أخيرًا تزوّجا.
تؤثّر كثيرًا في حياة ولديها وكنّتيها. أمّ فاتن وهدى أيضًا تؤثّر كثيرًا على
ابنتيها وعلى زوجها. بذلك نرى أنّ أم عبد الله وأم فاتن تتبنّيان العرف والتقاليد
وأسس النسيج المجتمعي بعيدًا عن المشاعر.
الذاتيّة والتي تندمج في الاجتماعيّة، شكّلت نسيجًا روائيًّا محكمًا وأعطت الرواية
زخمًا أجهدني لولا دراميّة الأحداث وتنوّعها والمفاجآت التي تخلق كثيرًا من
الترقّب.
الرواية ويلقي بسحره عليه غير تارك له مجالًا للتأمُّل.






