مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

(ثقافةٌ ناقصة) – د صبا غالب

14925481 1023970601058566 653712069791643602 n 1

في العقلِ الباطن إدراكٌ خفي ،استمتاعٌ و لذة  بأشياءٍبسيطة و ممارساتٍ يومية لا نفقه قيمتها ومعانيها تسري فينا كحنين جارف ولنتفق أن الطعام احدها،فهو اضافة لكونهِ اساسي للبقاءِ على قيد الحياة  فهو اساسي للشعورِ بالسعادةِوالدفء العائلي ،فلا تكتمل أفراحنا دونَ ان ترافقها أكلاتناالخاصة ضمن منهاج و ثقافة أوعادات متوارثة ،ففي بلادنا العربية العيد أجمل بوجود طبق(الكليجة بالتمر او الجوز)لتلهب حواسنا وذكرياتنا تستدرجنا الى منابع اللذات فنتحسس  أريجه واجوائه الجميلة  وفي رمضان(الزلابية والبقلاوة او القطايف والفطائر) هي عطر  جلساتنا العائلية  اما مناسباتنا الخاصة كالخطوبة او حفلات الزفاف فسيكون (القوزي او المنسف )هو العريف الذي يطل علينا فتتماوج له الانفاس

وعادة وجبة مميزة في مكان مميزو برفقة مميزة  لها دورا كبيرا لرفع الطاقةالايجابية تبث فينا الامل ليتساقط كرذاذ ندي يحمي الروح من العطب ويحسن المزاج فتشهدالعواطف والمشاعر  احتفالا وكرنفالا يرافق حواسنا التي تتراقص طربابين نكهة ومذاق ورائحة ، وحتمافأن طقوس الطعام مقدسة في كل البلدان ولها عند كل شعوب العالم امتدادهاالحضاري وهي جزء لايتجزأمن الموروث الشعبي.

ولنترك النكهات والاذواق واصناف الطعام ونعود الى ادآب المائدة وهي  السلوك المتبع عند تناول الطعام ، موضوع هام طالما درسنا اصوله واساسياته من الاهل بالبيت والمدرسةوتعلمنا ابجدياته واهمية شكر النعمة والحفاظ عليها وهذا ما تدعو له كل الاديان السماوية في العالم وهو سبب مقالي هذا ،لأذكر احدىالرحلات الصيفية  حيث أقمت في احدى الفنادق الجميلة التي تقدم وجبة فطور مجانية (الريوك العراقي )

المكان جميل والطعام مميز ومرتب ،معزوفة هادئة تكمل روعة الاجواءولأنني  أهتمُ  بالتفاصيل  اتخذتُ لي مكاناً على طاولةٍ لأربعِ اشخاص  كانت مطلة على الحديقة ،الساعة هي الثامنة والنصف صباحا الوقت لازال مبكرا ،اكملت فطوري وبعدها جلست اتصفحُ هاتفي واشرب قهوتي الصباحية  مستمتعة بصوت فيروز الذي صار يتضاءل ويختفي بسبب الزحام و الضجيج،فوضى الاطباق والملاعق  حاولت جاهدة التركيز على النغمات احوم في فضاء ومداراتلأكمل بهجتي بفنجاني  متجاهلة الامواج المتعاليةالتي تحاول أن تبتلع صفائي  حتى حضرت تلك السيدة الثلاثينية ،يبدو عليها المستوى الثقافي العالي والرفيع، الذوق الظاهر في اناقتها وحديثها الهاديء مستعينة ببعض الكلمات الانكليزية يرافقها طفلان بهندامٍ جميل ونظيف وتسريحة شعرشبابية حديثة تتراوحُ اعمارهم بين ست وثمان سنوات تقريبا ،لم تجد طاولة غير طاولتي و بدون ان اعترض رحبت بها ودعوتها للجلوس ،سلَّمت مبتسمة وجلست  بالكرسي المقابل لي ،جاملت ولديها الصغيرين بالسؤال عن اسمائهم ومراحلهم الدراسية .

بعد ان أستقروا في اماكنهم جميعا قامت الأم واحضرت (كاستين شوربة) ثم  مرة اخرى ذهبت لتحضرطبقين مقبلات وثم الصحن الرئيسي و ملأته حتى كاد الطعام يتناثر من حافة الطبق،تلال من اصابع البطاطا والمارتديلا  وفوقها قطع الدجاج والمايونيز بالخضروات شيئا فوق شيء حتى لاتكاد تميزالاصنافواعتقد ان الطعم تاه بين حامض ومالح وحلو،ثم جلبت صحناً اخر بأصنافٍ جديدة وملأته بنفس الطريقة وهكذا ظلت تسعى بين البوفيه المفتوح والمائدة لتحضر العصائر والفواكه والاجبان والالبان  فتكومت ست  او سبع  صحون ممتلئة تكفي لعشرِ افرادبالغين وبعدها أخذت تلتقط صور للطعام على المائدة و سيلفي مع اولادها ، منشغلة طول الوقت بهاتفها،لم تلاحظ أن احد الاولاد يشاغب ويلعب فيرمي اصابع البطاطا على وجهِ اخيهِ مداعبا وهو يضحك ويقهقه ،الدم صار يغلي برأسي ورحل الصفاء والاسترخاء من فكري.

انتبهتْ الأمُ اخيراً، واحستْ بنظرات استيائي من سلوك اولادها واهمالهم لآداب المائدة  فصارت توسل بهم تارة وتارة اخرى تهددهم بأنها لن تأخذهم لمدينة الالعاب وستحرمهم  الخروج ان لم يأكلوا!…لكنهم لايهتمون استمروا يلعبون ويضحكون  .

لا ادري كيف يمكننا ان نطلب منهم احترام النعمة وكيف نتوقع ادراكهم ووعيهم لقيمتِهااذا كان تصرف الاهل بهذه الطريقة ،الزيادة والتبذير تلغي فرصة الامتنان وتمحو ثقافة الشكر لله  فتصبح  النعمة الكريمة مبتذلة تُهمل ويساء التصرف بها.

رحلت الام وولديها ولم يأكلوا سوى العُشر تاركين الفوضى واكداس فضلات الطعام في الصحون وعلى الطاولة والبعض سقط على الارض فَجاءَ العامل لينظف المكان ويرمي ما تبقى في سلة المهملات… كنت اراقب واتأمل واتحسر ،هذه الكميات من الاكل ترمى  وتضيع في استهتار واهمال!

اين الثقافة من ذلك ؟ واين ديننا وتربيتنا ؟

اكيد هذه الحادثة ستتكررعدة مرات وبصور وأساليب  مختلفة في اماكن متفرقة بالفنادق والمطاعم أوفي الولائم والمناسبات التي يقصد منها فقط المظاهر المزيفة لحضارة كاذبة وثقافة وهمية .،أستوقفتني تلك المرأة الجميلة الطلة وسلوكها البعيد عن الذوق، تضربني الدهشة الى ازدواجية الثقافة في مجتمعنا اتجول بين الذوق والاهتمام بالهندام  وجمال المنطق وبين اهمال الذوق العام والتعدي على حريات الاخرين

حين خرجت للشارع كان هناكطفل يقف عند الرصيف يبيع العلكة وقناني الماء في قلبه شتاء قارص ،ينتظر غيمة تسقط عليه بأمطار الرحمة لكن لم يأبه له احد أغلب الظن إنه من اللاجئين يعصف به الشوق لوجبة صغيرة تسد الم بطنه او ربما قضمةٍ واحدة يتذوق فيها الفرح ،كان يمكن لهذه الفائض من الطعام ان يحلق بتلابيب قلبه الى اعالي السماء

وربماالفضلات  يمكنها  ان ترسل البهجةلعائلة متعففة جائعةتسكن خيمة باليةأو تسد جوع عدد من الاطفال اليتامى و نازحين يتسولون ويفتشون المزابل ليلتقطوا ما يجدوه من لقيمات حُرموا منهابسبب ظروف لا ارادة لهم فيها ولا حول ولا قوة .

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading