آلام المطلقات في لغة الأدب – هيفاء بيطار
ليست الروائية سوسن جميل حسن أول من اعتمدت استعادة بوح
شهرزاد في القص، فقد سبقها الكثير من الكتاب العرب والأجانب، لكن سوسن تقمصت شخصية
شهرزاد لتعطي لقلمها أكبر مساحة من الحرية في البوح ولتلقي على كاهل شهرزاد ما تحس
المرأة بالحرج والارتباك في الاعتراف به..
وأظن أن سوسن حسن من أكثر الكاتبات تصالحاً مع نفسها،
فهي رغم مرارة تجربة بطلتها في زواجها، والقهر والاغتراب عن الذات اللذين أحستهما
في الزواج فإن البطلة لا تحقد على الرجل، ولا تنقل ألمها وفشل زواجها إلى رجال
آخرين سيدخلون حياتها، بل إنها لا تحقد على الزوج حتى إذ تحاول فهمه ضمن البيئة
التي ترعرع فيها بيئة تبارك حرية الرجل، وتجاربه الجنسية التي تصير مصدرا للتباهي
ومعيارا للرجولة..
وهو المخلص الوحيد من كل الآلام والإحباطات والشرور.. وهو الدواء السحري الوحيد
والناجع لشفاء جروح الروح التي لا يستطيع الزمن شفاءها، ولا الذاكرة محوها.. إذ
رغم معاناة ديمة وهي بطلة الرواية من تسلط عقلية ذكورية في حياتها سواء كانت من
نظرة المجتمع إلى المرأة نظرة مجحفة وعدم الاعتراف بمساواتها مع الرجل إلى تسلط
زوج يفهم الزواج بأنه السيد والمرأة عليها الطاعة والإذعان لرغباته وقراراته حتى
لو كانت زوجته تتمتع بذكاء وثقافة وفهم.. إلى الظلم الفظيع الذي تتعرض له ديمة من
القضاء حين تخسر الأرض لأنها رفضت الانصياع لنزوة القاضي، الذي أراد أن يساومها
على جسدها، تربحين الدعوى مقابل امتلاكي لجسدك الذي أشتهيه..
والفطري بإنسانيتها وأنوثتها إحساسها بكرامتها ونبل روحها هو ما يدفعها للصمود حتى
لو بدت خاسرة.. لكن خسارات ديمة مبطنة بنجاح عظيم وهو حفاظها على نقاء روحها،
ورفضها تعهير جسدها، شهرزاد هي امرأة تؤمن بقوة النساء وقدرتهن على الصمود في وجه
تاريخ مدجج بعقلية ذكورية حاولت بشراسة مسخ المرأة وسجنها في إطار الأنوثة الضيق
الذي يعني تحديدا الخنوع، عقلية محكمة وذكية، نجحت في التلاعب بعقول العديد من
النساء وإقناعهن أن المرأة تتحقق وتكون مرغوبة حين تذعن لمشيئة الرجل، وبأنه
السيد، وهي المدللة والأم والعشيقة لكن يجب ألا تكون ندا أبدا.. شهرزاد ترفض هذا
المنطق بدهاء الأنثى ولباقتها وطراوة حديثها..
بالحب وبقدرة المرأة وطاقاتها الجبارة.. نؤمن أن الحب أقوى شعور في الوجود.. وهي
ومن الصفحات الأولى في الرواية تخاطب حبيبها بعبارة: ياسيدي، وتقول ( ياسيدي وبرغم
رفضي لكل أشكال السلب والسيطرة والوصاية وعلى الرغم من أن الحرية كانت طموحي الأول
إلا أن الرجل الذي أحب أمنحه السيادة على قياس إنسانيته).
العلاقة التي يمكن أن تنطبق على معظم حالات الزواج، تقول ديمة: لم يكن جسدي ملكي،
كما لم يكن مستقلا عني كان ذاك الكيان الملتبس الذي لا أفهمه ألأنني زوجته صرت
مدينة له بهذا الجسد؟
امرأة تحس باستلاب جسدها وعدم امتلاكها لهذا الجسد إنها تلقي الضوء على قضية حساسة
وجوهرية في مجتمعنا العربي.
وصعب قد يقودنا الجواب عنه للوصول إلى جرائم الشرف..
كما لو أن الفرح يتسلل بين السطور فرح أشبه بعطر ناعم يلفحنا رغم المرارات
والإحباطات التي مرت بها شهرزاد البطلة ورغم ألمها لمظاهر الفساد ونهب المال العام
الذي يرزح تحته وطنها.. لكن قلبها المشبع بالحب والشغف لرجل التقته مؤخرا ووضعت
حياتها بين يديه وشرعت نوافذ روحها لحبه ، القلب المشبع بالحب يجعل الإنسان ليس
سعيداً فقط بل قوياً..
لأهمية الحب، ولقوته وقدرته السحرية على تحويل كل الخسائر والمرارات إلى فرح
وانتصارات.
مشدودا ليس فقط للأفكار العميقة والأحاسيس المتدفقة الصادقة للبطلة، إنما لأسلوب
الكاتبة الرشيق، السلس الذي ينطبق عليه القول السهل الممتنع.
سوسن جميل حسن. – الناشر: الدار العربية للعلوم طبعة أولى 2010






