مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

قراءة نقدية:السرد الواقعي في القصة القصيرة ” الوصية” للقاص المغربي ” أحمد الوارث” – نعيمة بنصالح

صورة تظهر امرأة ترتدي نظارات شمسية وحجابًا بملابس عصرية، مبتسمة وتبدو في حالة من الاسترخاء في بيئة خارجية.

غالبا ما يكون السرد الواقعي المتصل بحقائق الناس ضمّادا لهم ، فهو يعبر عنهم وعن تفاصيلهم ونجاحاتهم وخسائرهم ، باعتباره يستمد أحداثه وشخوصه من الحياة الحقيقية للبشر ومن همومهم وظروفهم حتى وإن دُمج مع الخيال. ومن ثم فالعلاقة بين السرد والواقع علاقة وثيقة جدا ، وهو دون شك يمثل نوعا من الاحتجاج عبر مناقشة القضايا والمشكلات التي تلامس عمق الإنسان دون تزييف أو تجميل.

” الوصية ” عتبة سردية معرّفة دالة ومختصرة ، وطليعة كاشفة تعكس ما تنطوي عليه القصة من مضامين وأفكار، بل وتجعل القارئ يخمن أحداثا ما قد تحدث ، مما يضفي قدرا من التشويق لديه . وتعود أهمية هذا الاستهلال إلى أنه يحدد الحدث الافتتاحي والاساس الذي تنطلق منه الوقائع الدرامية تمهيدا للصراع الذي ستفرزه ، ويلقي الضوء على شخصيات القصة . بطلنا شيخ متثاقل الخطوات ، منهك القوى ، استعصى على جهده فتح باب المقطورة لان ” قطع غياره” تهالكت دون اهتمام ، من خلال صراعه مع الحياة وكفاحه المستميت الذي تنبئ به اعراض وجهه المتعبة الكادحة  ، وحالة جلبابه الصوفي الباهت بياضه رغم أنه لم يصل العتي من الكبر.

صورة نقلها الراوي بصيغة المتكلم من خلال موقعه المحوري في القصة ، عالم بحاضر البطل ، شاهد على سلوكاته ، ومتدخل لمساعدته وتسهيل صعوباته ، متكلما بصوته ومتحكما في بِنية التوصيل السردي الذاتي من خلال ضمير المتكلم، كشخصية مصاحِبة ومشارِكة في الأحداث :” أسعفته بحاجته ..نسيت أمره..صرفت اهتمامي ..” ليس ذلك فحسب بل تتسع أدواره إضافة إلى الجانب الإنساني إلى جوانب ذاتية واجتماعية ووطنية ، من خلال ” مصابيح دماغه المشتعلة” والكفيلة بتحريك دورة العقل التي تسلط الضوء على قضايا تشد تفكيره وتملأ مساحة سفره الفكري والمادي،  وهو يخترق بعجلات القطار عوالم فضاء مسيئة تُحَدث عن مجتمع لا زال يرزح تحت ثقل العوز والنقص.

“لم استفق من غفوتي إلا على اهتزاز الباب مرة ثانية ” ..غفوة بثقل رحلة مثخنة بهموم شتى مَثُل فيها الشيخ للمرة الثانية ليختزل كل المشاعر السلبية والأحاسيس المحيطة التي تشتد بها الوطاة، ليواجه نفس المعارك بقواه المستجدية الملقاة على كفيْ الحسرة والندم على ما مضى من عمر لم يوفّه حقه. لكنه مدرك قيمة الدرس والحكمة التي يعيش تفاصيلها ويجد الفرصة والموقف صالحا لتمريرها لمن التمس فيه شفقة وروح البنوة الصادقة:”بارك الله فيك ، أوصيك يا ولدي : انتبه لنفسك ..” . وصية بصيغة آمرة حركها دافع الاعتراف بالفضل لمن قام بدور الابن في بذل الممكن ، وهي ترجمة عملية لخوف السلف على الخلف لعدم الوقوع في الاخطاء نفسها بل وهي ايضا  حاجة إنسانية واجتماعية.

قطار يختزل مسرح الحياة البطيئة العجلات الموصِلة إلى الهدف في الوقت المناسب ، عجلات تنمية لم  تحركها بعد الإرادات الصلبة والرغبة الفولاذية في تجاوز ما عشناه على عهد استعمار ولى، تاركا شيئا يذكر في اعين الناس. صورة مُثلى تَفضُل بكثير ما تلاها زمن الاستقلال،  قطار يمشي الهوينى ليعزف على كل الاوتار المهترئة ، ومحطة تندب حظ جمالها المفقود رغم صمود بعض ملامحه المستسلمة للهزيمة والمستجدية قدرة الله على الفعل دون غيره  :” لا غالب إلا الله”، ناصيتها تشي بالكثير عن حاضر لم تستقم له أدنى صور الانفلات والتخلص من عوامل الاستغلال والقهر. أحوال لم تَخف على الركاب بل يعيشونها وبأحاسيس قوية ملؤها التحسر البادي في كلام احد الركاب :” أكيد أن الاستعمار استعمار، لا أجادل في الأمر ولا ارتضيه، لكن الحمد لله أن فرنسا مرت من هنا يوما ، وإلا لظللنا إلى اليوم نركب الدواب للسفر إلى المدينة.”

توتر وصراع متنام  تجسده القوى الرئيسية في القصة والثانوية ايضا لأنها تتغلغل في الواقع الذي يخلق تقلبات وازمات تُختزل في مُجْريات القطار، وهو المجتمع ذاته وما يموج فيه من صراعات – بمنحاها العمودي والأفقي- بين المتاح فيه والمطلوب. ناهيك عن ملامح الصراع النفسي الذي عاشه الراوي من خلال مصابيح دماغه المشتعلة ودورة عقله التي لا تهدا. بدا القاص وكأنه سيناريست يؤثث لسرده بمشاهد تصويرية حية محاكية للواقع الذي يلتقطه ببصره وبصيرته. حينها بدا الشيخ مترنحا خلال نزوله من القطار وقد بلغ عياؤه مداه باحثا عن زاوية  ،لم تكن سهلة المنال ، لإفراغ مثانته و حالة الانهيار  والاستسلام تركبه…كانت صدمة كشفت ظروف تنقل الرجل بين العربات، وهو يجابه كل المطبات ويستجدي بعينيه كل الحضور . استجداء مبطن الما وندما على غفلة من عمر سرقت قواه . خيبة ومرارة إحساس لن تشفي اليسير منها إلا وصية يمررها، ووقفة حكمة من خبير حياة إلى من رآى فيه فلذة وممثلا لجيل آت. انفراج  بلغ نفسية الراوي الذي وجد في مشهد البساط الأخضر-على الجانب الايسر من ممر القطار –  بازهاره المحمرة الخدود وسنايل الزرع المتراقصة امام أشعة الشمس وكل مظاهر الحياة النابضة ، منفرجا ومتنفسا عميقا. ولذلك نشعر ان المشاهد اصبحت هي الاخرى مكونات سردية منحت النص حمولة فنية جمالية:” بساط اخضر احمرت خدود أزهاره حتى بدت كفتيات جبالنا العالية وقت الصقيع ، واشعة الشمس تغازل من العلياء سنابل الزرع ..”..مشاهد تخللها نبش في أديم الذاكرة عبر تاثيث الحاضر بالمتخيل المفعم بالحنين.  عدسة متربصة للامل الكائن في الحياة في جوانبها العذراء البعيدة عن الصخب والمسخ . امكنة عمد الراوي إلى وصف تفاصيلها الدقيقة ومنحها صورة حية في البناء السردي حتى وإن ساء حالها كما فعل في تصوير محطة القطار

ولأن المعاناة مطلقة- وهذا مبرر قوي لعدم وسم الشخصيات بأسماء اعلام معينة- رغم اختبائها في زوايا ضيقة من القطار  ، فإنها تتحول إلى لغة مشتركة بين قوى القصة وكل من فقدوا البوصلة في هذا المجتمع ومن يجرون مع جلابيبهم قصصا تحول ” حلاوة السكر إلى مرارة” . لذلك فالسرد في القصة  رغم تحركه في مساحة محدودة  فإنه مكتوب بمهارة وواقعية لا تحتاج إلى الكثير من الصفحات للوصول إلى اعماق القارئ.

تجربة واحدة تعكس عالما متكاملا و ترسم ملامح الواقع في فترة زمنية معينة، وسرد يبوح بالكثير ويسمح بالاكثر  في مقاربة هذا المتن وغيره من سرديات القاص المغربي المقتدر الاستاذ ” أحمد الوارث”.

                       ((الوصية)

كان يمشي متثاقلا، يريد الانتقال إلى العربة المجاورة. حاول جاهدا فتح الباب ولم يفلح؛ فسوء حالته بسبب قلة العناية والتراخي في استبدال قطع الغيار جعله عصيا، يتطلب جهدا كبيرا لكي يتزحزح. أَسعفتُه بحاجتِه، فالتفتَ إلي، وهو يغادر، ليشكرني مبتسما. رجل رمى به العمر وراء عتبة الخمسين أو لربما لم يبلغها بعد، لكن أعراض وجهه متعبة كادحة. يظهر من لباسه جلباب صوفي باهت بياضه، ويلُفّ على رأسه عِمَامَةً مِنْ ثوْب طوِيلٍ كالرَّزَة.

نسيت أمره، وصرفت اهتمامي إلى مصابيح دماغي المشتعلة، تارة، وتارة أخرى، أنشغل ببؤس الفضاء الذي يخترقه القطار في مدينة قيل عنها: إنها نظيفة. لم أستفق من غفوتي إلا على اهتزاز الباب مرة ثانية. كان الرجل ذاته يعاركها من الجهة الأخرى، كأنه يطلب المساعدة. هرعت إلى نجدته، فواصل طريقه، بعد أن رمى إلي بحكمة لا تخلو من قيمة. قال: بارك الله فيك، أوصيك يا ولدي: انتبه لنفسك.

بعد مسافة معتبرة، توقف القطار عند نقطة بعيدة قليلا من المدينة، في مكان يكاد أن يكون خاليا. على اليمين بناية المحطة، تعود إلى فترة الحماية الفرنسية. لكن الحق يقال، رغم أن الخلف فرط فيها فلم يرعها بما يكفي، ظلت محافظة على قوامها وجمالها، ذات هندسة معمارية رائعة. فوق بابها الخارجي، إزاء سكة الحديد، قاعدة رخامية بديعة، رسم فيها، بالفسيفساء من القطع الصغيرة الملونة: اسم البلدة باللغتين العربية والفرنسية، تعلوه عبارة: لا غالب إلا الله.

وأنا أقرأ وأتأمل في الحروف وأشكالها، سمعت أحد الظرفاء يعقب على قول صديق له يشتكي من بطء الرحلة، وهو واقف، يبحث عن أغراضه في رفوف الأمتعة: أكيد أن الاستعمار استعمار، لا أجادل في الأمر ولا أرتضيه، لكن الحمد لله أن فرنسا مرت من هنا يوما، وإلا لظللنا إلى اليوم نركب الدواب للسفر إلى المدينة.

أثناء دقيقتيْ توقف القطار، رميت بنظري بعيدا في الجهة اليسرى. كان ثمة بيوت متباعدة، حواليها بساط أخضر احمرت خدود أزهاره حتى بدت كفتيات جبالنا العالية وقت الصقيع، وأشعة الشمس تغازل من العلياء سنابل الزرع فتتراقص لها مزهوّة، وتتمايل حتى تكاد تلامس التراب، إغاظة في الأشجار والأزهار.

بمحاذاة المنزل القريب صبية يلعبون. وفي الحقل المجاور بقرة استسلمت لرضيعها، وحمار يحادث الأتان علّها تسامحه، وديك ارتقى حجرة تحيط به زيجاته من كل جهة، واحدة فقط انفردت بنفسها تبحث لأبنائها عن طعام ملائم؛ طبيعة خلابة، ومناظر ذات بهاء يريح النفس، انشرح لها صدري وتبسّمتُ، مستسلما لأحلام كثيرة.

كان بعض الركاب، يغادرون إلى تلك الضفَّة، فِرقا وفُرادى. أثار، من بينهم، انتباهي ذاك الرجل نفسه، كانت مشيته وهو يترنح، توحي بأن الإعياء بلغ به مَبْلَغاً عَظِيماً، وأن حالته التي صار عليها تتطابق مع القول المعروف: بلغ السَّيْلُ الزُّبى؛ ذلك المثل الذي يُضرب للأمر إذا اشتدَّ حتَّى جاوز الحدَّ. تابعتُه بنظراتي، وهو يحاول أن يقفز علوا فاصلا بين الرصيف وما والاه، فلما رأى أنه لا يستطيع، جلس على طرف الحافة، ومدّ رجليه حتى لامستا التراب فوقع، ثم استقام واقفا بما تبقى له من قوة. زَرَفَ في مَشْيِهِ مسافة قليلة، وشمر جلبابه بسرعة مذهلة، وأنزل سرواله أرضا، غير مبال بأحد، همه الأساس التخلص مما تجمع في مثانته.

كنت أنظر إليه، والقطار يغادر. انتابتني رغبة شديدة في الصراخ، حين فهمت عمّا كان يبحث في القطار متنقلا بين العربات، معاركا صلابة الأبواب الصدئة، يعالج وجعه في صمت رهيب. هنا أيضا أدركت، بأسًى شديد وحزن عميق، أن الرجل لم ينطق عن الهوى، حين اختار أن يكافئني على مساعدتي له بقوله: انتبه لنفسك يا ولدي.

آه، يا ربي، الرجل لم يوصني بشيء آخر… أكيد أنه يجر مع جلبابه قصة من القصص التي حولت حلاوة السكر في حياته إلى مرارة.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة