مدائن العار والعزة – حسين بن قرين درمشاكي-ليبيا

تَصْرُخُ الأَرْضُ مِنْ وَجَعٍ بِلَا مُجِيبٍ،
فَلَا مُوَاسٍ يُطَفِّئُ دَمْعًا يُنَادِيهَا.
تَقُولُ: يَا قَوْمُ، أَيْنَ النَّخْوَةُ الَّتِي زَعَمْتُمْ؟
هَلْ مَاتَتْ مَعَ الْخَيْلِ فِي دُرُوبِهَا؟!
شَمْسُ الْعُرُوبَةِ لَمْ تَعُدْ تُضِيءُ لِأَرْضٍ،
تُرَابُهَا قَدْ أَصْبَحَ مَصْدَرًا لِلْخِزْيِ وَالْعَارِ.
وَقَفْتُمْ عَلَى الشَّطِّ تَرْمُونَ النَّظَرَ،
وَبِلَادِي تَغْرَقُ فِي النَّارِ وَالدَّمِ.
كَأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْكُمْ، وَلَيْسَ لَهَا
مِنْكُمْ سِوَى الصَّمْتِ وَالنَّوْمِ فِي الظُّلَمِ!
هَلِ الْوَجَعُ أَصْبَحَ لَدَيْكُمْ زَائِدًا؟
وَالْخِزْيُ بَاتَ كَالْخَاتَمِ فِي إِصْبَعِكُمْ.
كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ لِيَ فِي أُمَّةِ الضَّادِ مَلَاذًا،
فَوَجَدْتُهَا سَرَابًا، وَالْأَسَى بَحْرٌ،
وَوَجَدْتُهَا خَذَلَتْنِي، فَمَاذَا بَعْدَ ذَا؟
قُلْ لِلشَّقِيقِ الَّذِي فِي حِضْنِهِ خَوَرٌ:
“أَعُرُوبَةٌ هَذِي أَمْ أَمْوَاتٌ؟”
لَكِنَّ هَذِهِ الْأَرْضَ لَمْ تَلِنْ وَلَمْ تَنْحَنِ،
وَلَا تَرَكَتْ شَمْسَهَا تَغِيبُ فِي الظُّلَمِ.
فَأَبْيَضُ الْكَفَنِ أَمْسَى عَلَمًا لَهَا،
وَالْأَرْضُ أَصْبَحَتْ تَوْرِيدًا مِنَ الدَّمِ.
صَوْتُ الطُّفُولَةِ فِيهَا لَا يَخُورُ أَبَدًا،
وَصَوْتُ الشَّيْخِ يُلَوِّحُ بِالْفَجْرِ الْقَادِمِ.
فَهِيَ لَيْسَتْ حِصْنًا فِي أُمَّةِ الضَّادِ،
بَلْ هِيَ النَّخْوَةُ وَالشَّرَفُ فِي هَذَا الْعَالَمِ.
فَالنَّخْوَةُ لَا تَمُوتُ، وَالْخَيْلُ لَا تَذِلُّ،
وَأَهْلُهَا صَامِدُونَ كَالْجَبَلِ الْأَشَمِّ.
يَكْتُبُونَ بِالدَّمِ قِصَّةَ أُمَّةٍ أَبَتْ أَنْ تُهَانَ،
وَأَرْسَلَتْ نَخْوَتَهَا بَشَائِرَ فِي سَمَاءٍ مُعْتِمٍ.
فَلَا تَسْأَلْ بَعْدَ الْيَوْمِ عَنِ الْخَوَرِ،
بَلْ عَنْ مَدِينَةِ الْعِزِّ وَالصَّمَدِ.





