مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

    السياحة الزراعية : الواقع و آفاقها المستقبلية ✍️ بنيامين يوخنا دانيال

حديقة جميلة مزينة بأزهار ملونة وأشكال نباتات مرتبة، مع مسارات من الحجارة وتنسيق نباتات خضراء بشكل هندسي.

تزدهر هذه السياحة الصديقة للبيئة في المناطق الطبيعية الغنية بالموارد و الزاخرة بالمناظر الخلابة الرائعة و الأجواء المفعمة بشتى مناحي الحياة الريفية البسيطة التي تتلاقى مع رغبات وميول فئة واسعة من السواح من أصدقاء البيئة الطبيعية الذين يهربون من أجواء المدن و ضغوط الحياة اليومية و روتينها , صوب المزارع الخضراء و الحقول الغيناء , وسط المجتمعات الريفية البسيطة حيث دفء اللقاء و حسن الضيافة , و بعيدا عن أزمة السير و أسواق الأبواق الصادرة عن السيارات و الإشارات المرورية المعقدة و دخان العوادم الناجمة عن وسائل النقل المختلفة , ليقضوا فيها اجازاتهم و عطلاتهم , و ليعيشوا أجواء صحية هادئة , و بوجود خدمات ضيافة تخص الايواء و الطعام و الشراب و الترفيه و التسلية , من أجل اتاحة فرص التنزه و التخييم و ممارسة هوايات مثل التصوير و الرسم و ركوب الخيل و السباحة في  الأنهار و البحيرات و الصيد و مراقبة الفراشات الملونة و الطيور الجميلة و جمع أوراق النباتات و الرقص الشعبي و المشاركة في المسابقات التقليدية التي تقيمها المجتمعات المحلية و ملاحقة الطيور المهاجرة و غيرها كثيرة .

و قد شجعت السلطات السياحية في الكثير من الدول هذه السياحة التي تسجل معدلات نمو مناسبة في ظل تنامي الوعي البيئي لدى الناس عموما و السياح على وجه الخصوص , و بوجود خطط تنمية و تطوير للزراعة في هذه المناطق التي يمكن أن تستوعب الكثير من الأنشطة السياحية التي من شأنها أن تحسن الواقع الاقنصادي و الاجتماعي للمجتمعات المحلية المستقبلة التي تقطن فيها و على نحو مستدام و في اطار شروط و أسس ( الاستدامة البيئية ) المعروفة , كما حدث في الولايات المتحدة الأمريكية التي أصدرت وزارة الزراعة و التنمية الريفية فيها دليلا سنويا للسياحة الزراعية خلال الفترة 1979 – 2006 من أجل تنمية و تطوير هذا النمط السياحي الذي بات يرد كثيرا في الأدبيات السياحية .

و قد بلغ حجم السياحة الزراعية فيها في عام 2002 نحو ( 704 ) ملايين دولار , و كان نصيب الأسد للمزارع ( مزارع العنب و و الفواكه و المكسرات الشجرية ) و مزارع الماشية في المقاطعات التي تتمتع بكثافة سكانية عالية . و تعتبر ( ميشيغان ) رائدة في هذا المجال , و التي سجلت إيرادات اجمالية في عام 2012 بلغت ( 434 ) مليون دولار قابلتها ضرائب لصالج الخزينة عن عملياتها بقيمة ( 13,7 ) مليون دولار مع خلق ( 4000 ) فرصة عمل دائمية و ( 28000 ) فرصة عمل بدوام جزئي , و قد شهدت ولادة ( جمعية ميشيغان لتسويق المزارع و السياحة الزراعية ) في عام 2007 التي أصدرت في عام 2007 أيضا دليلها لمؤسسات السياحة الزراعية . و أيضا جمهورية الصين الشعبية المعروفة بريفها الواسع الشاسع حيث خططت السلطات لتنمية ( السياحة الزراعية ) و خلق ( تكامل للسياحة الزراعية ) على نحو واسع و مستدام منذ عام 2006 , و بما ينسجم مع الجهود و الاتجاهات الرامية إلى تنشيط السياحة الداخلية و رفع حجم السياحة الأجنبية الواردة و زيادة العائدات و توفير فرص العمل و تقليص البطالة و معالجة الهجرة . و كان المستهدف أن تسجل هذه السياحة ( 350000) فرصة عمل مباشرة إضافية في الأرياف , بالإضافة إلى ( 1,5 ) مليون فرصة عمل غير مباشرة بنهاية عام 2010 , مع زيادة مستوى الأجور في هذا القطاع الحيوي بنسبة ( 5 % ) سنويا للفترة 2006 – 2010 , شاملة ( 100 ) محافظة صينية و ( 1000 ) بلدة و ( 1000 ) منطقة ريفية , وفقا لبيانات و احصائيات ( الإدارة الوطنية للسياحة ) , منها ( 30 ) موقعا سياحيا في ريف شنغهاي التي استقبلت في عام 2006 وحده نحو ( 3,9 ) مليون سائح و زائر محلي من أصل ( 300 ) مليون على النطاق الوطني , أنفقوا ( 5,3 ) مليارات دولار أمريكي . و هناك مناطق نشطت فيها السياحة الزراعية على نحو ملحوظ و متميز , مثل ( تيانجين ) في الشمال و ( بوويدان ) في مقاطعة ( حيانغشي ) في الشرق , و قرية ( جينميشيوشان ) في بلدة ( قويدينغ ) بمقاطعة ( قويتشو ) في الجنوب و تسكنها قومية ( بويي ) , و قرية ( هونغشا ) في ( سانشينغ ) التابعة ل ( تشنغدو ) بمقاطعة ( سيتشوان ) التي تعتبر موطنا للزهور , و شهدت في احدى السنوات الدورة الأولى لمعرض الزهور و النباتات بتشجيع من السلطات المختصة التي ساهمت في بناء و إعادة بناء الكثير من ( المنازل الريفية ) و بنسبة ( 80 ) بالمائة من الكلفة , و ذلك من أجل تنشيط هذا النمط السياحي و تعظيم مساهمته في عموم صناعة السياحة و السفر الصينية . و أيضا قرية ( دونغجيري ) الخاصة بقومية ( بي ) العرقية و هي بلدات ( هوتياوشيا ) على طريق ( يوننان ) في الجنوب ( 3100 م فوق مستوى سطح البحر ) التي يزورها السواح من هواة الطبيعة . و كانت ( السياحة الزراعية ) من الأدوات الفعالة التي لجأت إليها الحكومة الصينية في سبيل مساعدة سكان المناطق الريفية و معالجة مشكلة الفقر المستشري فيها , و في اطار الخطة الخمسية الثانية عشرة , و بالتركيز على ( 128 ) ألف قرية فقيرة و ( 832 ) محافظة موزعة في كافة أنحاء البلاد . فتم انشاء ( 1,7 ) مليون ( مشروع زراعي و سياحي ترفيهي ) تقريبا في عام 2012 ساهم بشكل فعال في توفير فرص العمل ل ( 6,95 % ) من اجمالي قوى العمل الريفية مع تحقيق إيرادات نقدية بقيمة ( 240 ) مليار يوان متأتية من ( 800 ) مليون سائح و زائر زار الريف الصيني الواسع .

أما في إيطاليا الرائدة في هذا المجال و التي شرعت القانون ( 2006/ 96 ) و القانون ( 1985/730 ) و القانون ( 2006/96 ) بخصوص ( السياحة الزراعية ) و ( استدامة المناطق الريفية )  و المحافظة على هويتها الزراعية , و قد ظهرت للمرة الأولى في النظام القانوني الإيطالي في عام 1973 مع قانون مقاطعة ( ترينتو ) المتمتعة بالحكم الذاتي و بعدها ( فينيتو) في عام 1975 و ( كامبانيا ) .

و هناك آلاف المزارع التي تم توظيفها في صناعة السياحة منذ زمن طويل , وذلك بتحويلها و تكييفها لتصبح أماكن ايواء و اطعام و ترفيه للسواح الذين ييممون شطرها طلبا للهدوء و الاسترخاء و التوازن النفسي , و للفوز بمحاسن الحياة الريفية البسيطة, مثل النزل و الاستراحات و بيوت الضيافة و الفنادق الصغيرة و الأكواخ و المطاعم الريفية التي تقدم أكلات إيطالية تقليدية معدة من أجود أنواع اللحوم و الألبان الطازجة و العصائر الطبيعية و تشكيلات الفاكهة الموسمية و غيرها كثيرة . فباتت تستقبل أفواج السياح و الزوار على مدار السنة , و خصوصا في فصل الربيع و أيام العطل و الاجازات , و أدرت على أصحابها الكثير من العائدات النقدية من جراء ممارسة الأنشطة السياحية المختلفة , فشكلت بذلك عاملا فعالا في استقرار الأيدي العاملة في القرى و الأرياف الإيطالية و عزوفها عن الهجرة إلى المدن و المناطق الحضرية من جهة , و نمو و تنمية الزراعة نفسها من جهة أخرى , و منها مزارع تتيح لزوارها فرص معايشة و مشاركة السكان في بعض النشاطات الزراعية مثل : جني الثمار , تربية الدواجن , نثر البذور , حلب الأبقار و الماعز , العناية بالنحل , حراثة الأرض , تقليم الأشجار , اطعام الأسماك في الأحواض الاصطناعية , بناء أعشاش الحمام , العناية بالمفاقس , تسميد الحقول , زراعة و نقل الأشتال , اعداد الأجبان , رعاية البط , تجفيف الفاكهة مثل التين و التوت و المشمش و العنجاص , صناعة المربيات , انجاز بعض الصناعات اليدوية البسيطة من صميم الريف , رعي الخراف , تنظيف السواقي و المجاري المائية , تغذية الدواجن و الأبقار , رعاية الأزهار و الورود , ربط المراجيح بين الأشجار , جمع البيض , ادامة الأسيجة و صيانتها , الحراثة و تنظيف الحقول , ري البساتين , ركوب الخيل .. الخ . و تشير الاحصائيات الوطنية في إيطاليا إلى ارتفاع عدد ( المزارع السياحية ) في البلاد من ( 8,9 ) آلاف مزرعة في عام 1998 إلى ( 17,7 ) ألف مزرعة في عام 2007 . كما بلغ عدد المزارع السياحية المرخصة لاستقبال السياح في عام 2011 نحو ( 20000 ) مزرعة .

و في مناطق كثيرة من فرنسا التي ازدهرت فيها هذه السياحة خلال الأعوام الأخيرة و على نحو ملحوظ جراء التغيرات الحاصلة في سلوكيات السواح و اتجاهاتهم نحو السياحة المحلية بسبب الأزمة الاقتصادية التي هيمنت على منطقة اليورو , حيث تشير نتائج إحدى الدراسات الحديثة المجراة من قبل معهد ( توب رور ) عام 2010 بالتعاون مع معهد الإحصاء الفرنسي إلى : 1 – تفضيل ( 47 ) بالمائة من الذين شملهم الاستفتاء إلى قضاء اجازاتهم في المنازل الريفية بسبب الأزمة . 2 – تعديل ( 67 ) بالمائة منهم لخططهم في قضاء هذه الاجازات لنفس السبب . 3 – تفضيل ( 64 ) بالمائة منهم للسياحة الخضراء . 4 – تفضيل ( 23 ) بالمائة منهم لمنشآت الايواء الريفية . .

إن ( السياحة الزراعية ) كاستراتيجية مهمة و فعالة في نمو و تطور و ازدهار بأكثر من اتجاه و على المستوى الدولي و الوطني للكثير من الدول التي ترمي إلى تحقيق ( تنمية زراعية مستدامة ) و تعزيز التنمية الاقتصادية و الاجتماعية , و يعزى ذلك إلى عدة أسباب متعلقة بجوانب نفسية و اجتماعية و اقتصادية و صحية , و منها : أولا : التغيرات الحاصلة في ميول و رغبات السياح بإتجاه الطبيعة و مكوناتها . ثانيا : قلة تكاليفها بالمقارنة مع أنواع السياحة المرتبطة بالتسوق و حضور المهرجانات و المؤتمرات و زيارة المناطق الأثرية . ثالثا : ملاءمتها للأسرة على نحو أفضل . رابعا : اقترانها بالرغبة في التغيير و الاسترخاء و كسر رتابة الحياة اليومية المملة . خامسا : ملاءمتها لذوي الاحتياجات الخاصة . سادسا : اقترانها بجوانب صحية إيجابية .

* عن ( مقالات في السياحة ) للباحث , مطبعة بيشوا , أربيل – العراق 2012 .   

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading