أدب الرحلات

التربية بالسفر :(الأمير عبد القادر الجزائري نموذجا)

صورة لدكتور يرتدي قميصًا ورديًا ونظارات، لديه لحية وسمات جادة، مع سماعة طبية حول عنقه، وخلفية بلون وردي ناعم.

للآباء في تربية أبنائهم مذاهب شتى، وفي هذا يغرف كل أب ويكيل من عين طبعه ومعين معتقده ومحيط بيئته، ودع عنك ما يخص الطعام والشراب والسكن واللباس، فهذا علف وتسمين وليس بتربية وتوجيه، وإنما قصدت هنا كل ما يهذب النفس ويشحذ العقل ويثري الروح ويصنع الرجال وفق المعايير القرآنية التي وصفتهم بأنهم: “رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ”النور ٣٧

فبينما يتبع البعض أساليب تقليدية معتادة يتشابه فيها الآباء في ماليزيا بالآباء في مصر والآباء في سلطنة عمان، فإن البعض يبدع بتوفيق من الله ويأتي بجديد ربما لا ينتبه له المربون ولا يعيرونه الاهتمام، ومنهم الأب محيي الدين بن مصطفى الحسني الجزائري مع ابنه عبد القادر.

ففي عام ١٨٢٣ تاقت نفس الوالد الخمسيني لحج بيت الله الحرام وزيارة الحبيب صلى الله عليه وسلم، فانتخب ولده عبد القادر ابن السابعة عشرة ليكون أنيس رحلته وصاحب سفره، رغم أنه رابع الأبناء وليس كبيرهم، وما ذلك إلا لحكمة يعلمها الله تعالى. 

في وهران، وأثناء سعيهم للحاق بركب الحجيج القادم من المغرب، احتجز الوالي العثماني الشيخ محيي الدين في قرار سياسي مباغت على خلفية معارضته له، ثم فرض عليه الإقامة الجبرية مع ولده لعامين قضياها في العبادة والدراسة، وتزودا فيهما بخير الزاد حسبما قيل: على نياتكم ترزقون.

 وبعد تدخل فاعل مارسه الأشراف والوجهاء لدى الوالي العثماني، انحلت العقدة وواصلا المسير، فركبا البر والبحر إلى القاهرة عقب المرور بتونس ثم الإسكندرية التي حرصا فيها على زيارة الشيخ أبي العباس المرسي. وفي القاهرة التقيا بمحمد علي باشا وسط جمع حاشد من الأعيان والعلماء والكبراء، وجالا في أنحاء مساجد ومعالم مصر التي تخطف الأبصار وتضعك وجها لوجه أمام تاريخ عريق يجسد  أكثر من حقبة زمنية، ولم يغفلا زيارة الشيخ ابن عطاء الله السكندري في مثواه بالمقطم. 

وعبر البحر الأحمر وصلا إلى مكة المكرمة والمدينة المشرفة، حيث وجهتهما الأساسية ومنتهى طريقهما الذي بلغ نحو خمسة آلاف من الكيلو مترات على ظهور الإبل تارة والسفن تارة أخرى. وبدلا من العودة السريعة الظافرة، إذ بهما يغذان السير إلى الشام ويمكثا فيه شهورا عدة، كان فيها المسجد الأموي قبلتهما لتلقي الدروس والحصول على الإجازات، مع السعي للقاء الوجهاء وزيارة ما يستحق من آثار تزخر بها ربوع الشام العريق. 

ومن دمشق اتجها صوب بغداد حيث استقر بهما المقام لشهور أخرى زارا فيها مقام الشيخ عبد القادر الجيلاني وجددا معه العهد باعتبارهما أتباع بل أعيان ضمن الطريقة القادرية الجزائرية.

ومن بغداد، قفلا راجعين إلى الديار المقدسة لتأدية مناسك الحج مرة ثانية، قبل أن تبدأ رحلة العودة مرورا بمصر وليبيا التي زارا فيها قبر الشيخ زروق شارح الحكم العطائية وذلك بناحية مصراطة، ومنها إلى الجزائر التي وصلاها مطلع عام ١٨٢٨ بسلام.

وهكذا استغرقت الرحلة نحو عامين، إضافة إلى عامين آخرين رهن الإقامة الجبرية، وفي ظني كانت أعظم لفتة تربوية أسداها الوالد إلى ولده؛ إذ كانت نقطة تحول في بناء شخصيته وعاملا حاسما في اتساع أفقه وارتفاع سقف طموحاته، خاصة أنها لم تكن رحلة عادية ترفيهية تنقلك خلالها الطائرة في غمضة عين إلى الشواطئ والفنادق والمتنزهات ثم العودة ببضع صور وهدايا وذكريات، بل كانت رحلة تعليمية وسياحة روحية طال باعها في الزمان والمكان حتى طافت بحواضر العالم الإسلامي آنذاك، ثم إنها أتت في مرحلة عمرية فاصلة وهي مهد الشباب الذي يتزامن مع وضع اللبنة الأولى في جدار المستقبل وتدشين الخطوة الأولى في طريق الألف ميل.

وقد كان من آثار هذه الرحلة المباركة أن حبب إلى الشاب عبد القادر عقب عودته، العزلة والعبادة والدراسة، وذلك قبل أن يناديه نادي الجهاد فينخرط في مقارعة المحتل الفرنسي على نحو ما هو معلوم ومسطور في سيرته الظافرة التي ختمت في دمشق عام ١٨٨٣ ولا يزال صداها يتردد في أروقة التاريخ حتى الساعة.وكم وددت لو أعمل الأمير عبد القادر قلم الأديب الشاعر الذي عرف به، مستعينا بروح العابد العالم التي سكنته في أخرياته، ثم سرد قبل رحيله تفاصيل تلك الرحلة الثرية لتضيف إلى المكتبة العربية سفرا جديدا في أدب الرحلات الحجازية على غرار ماكتبه ابن بطوطة قديما وما سطره أبو الحسن الندوي، ومحمد الأمين الشنقيطي، ومحمد حسين هيكل، ومحمد إقبال حديثا.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading