مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
أدب عالمي

العلم والفلسفة : لِمَ ينبغي للعلماء والفلاسفة أن يكونوا أصدقاء ؟ ) للكاتبة – الروائية – الفيلسوفة ( ريبيكا نيوبرغر غولدشتاين ) – ترجمة لطفية الدليمي

45428167 2322983901063763 1730636310051291136 n

ثمة جائحة راهنة من السخرية والتهكّم بشأن الفلسفة إجتاحت العالم ، وأبطالها هم بعض العلماء ذوي القامات العلمية المميزة في كلّ من الولايات المتحدة والمملكة المتحدة ، وسواءٌ جاء الأمر في كتب أو حوارات أو تغريدات ألكترونية فإنّ بعض أكثر العلماء ذوي السجلات العلمية المرموقة لأبعد الحدود قد ذهبوا مذهباً متطرّفاً في التعبير عن آرائهم بشأن الحالة المحتضرة للفلسفة من خلال إعلان موتها المنشود – ذلك الموت الذي يتطلّعون إليه بكلّ جوارحهم ؛ بل وربّما راحوا منذ الآن يتراقصون طرباً حول قبرها ! .

* * * * *

لو أنّ الفلسفة جعلت نفسها منافساً للعلم ، ولو انها إستطابت فكرة قدرة تقنياتها الخاصة على تحدّي التقنيات العلمية التي يوظفها العلم في وصف الواقع ، فحينئذ سيكون مسعى الفلسفة وهماً مثيراً للشفقة معادلاً لما يراه الساخر من الفلسفة العلمية . إنّ إعتقاد المرء – رجلاً أم إمرأة – بأنّ الفلسفة يجب أن تعلن عن نفسها كمنافس للعلم هو إعتقاد مؤسّسٌ جزئياً على عدم قدرة ذلك المرء وخذلانه في رؤية الفائدة المجتناة من وراء العمل الفكري المفيد خارج إطار التعامل المحض مع الموجودات في الواقع . يتساءل هؤلاء : هل ثمة غرض مفيد سوى وصف ماهو كائن من الموجودات ينفع الذكاء البشري في التعامل معه ؟ وتأسيساً على هذا التساؤل يخلص الساخرون بالفلسفة إلى الإستنتاج بأنّ غرض وصف الموجودات الكائنة هو ماينبغي أن يكون المسعى الأوحد للفلسفة ، وتلك بالضبط هي الرؤية التي تقود إلى إعتبار الفلسفة نشاطاً عقلياً قائماً على الوهم .

* * * * *

الفلسفة تحيا فقط من أجل أن يتخطّاها العلم ، ووظيفة الفلسفة في ميدان المعرفة هي إرسال إشارات دليلية يحتاجها العلم حتماً للسير على خطاها ، وعندما يحصل بعض التشويش من جانب الفلسفة وبما يتخطّى مهمّة إرسال الإشارات الدليلية الملهمة للعلم فسيكون الأمر حينئذ مبعث حرج للفلسفة ذاتها وعلى النحو الذي ستتكفّل جبهات العلم المتقدّمة بتوضيحه والكشف عنه . لكن مع كلّ هذا فإنّ تمهيد الطريق أمام العلم ليس غرض الفلسفة ومسعاها الجوهري : الفلاسفة لاينطلقون في مساعيهم الفلسفية من اجل محض إبداء آرائهم الجنينية غير الناضجة بشأن معضلات بعينها سيجري تنضيجها لاحقاً من قبل العلوم الإختبارية . إنّ هذه هي محض حقيقة تأريخية لخصيصة تشمل كلّ المسعى الحقيقي للفلسفة والذي يتمحور في تعظيم معرفتنا المنطقية المتماسكة – بأنفسنا والعالم الذي نحيا فيه – من خلال إكتشاف وإيجاد الحلول لكلّ الفجوات المكتنفة بالهشاشة اللامنطقية التي تصادفنا ونحن نسعى لتثبيت ركائزنا في هذا العالم ، وهذا السعي هو المشروع الإنساني الأكثر تميّزاً بين كلّ المشروعات الإنسانية في نهاية المطاف . نحن جنس بشري مجبول على تفحّص مواضع أقدامنا في هذا العالم بالمعنى الواسع للمفردة : نحن مسكونون برغبة المعرفة لتساؤلات مثل أين نحن ؟ وما طبيعة العالم الذي نجد أنفسنا فيه ؟ وما نحنُ ، وكيف تتّسق كينونتنا مع بقية العالم ؟ وماالذي يُفترض بنا أن نكونه ونجعل حياتنا محوراً له – إن وجد حقاً – ؟

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading