مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

بين الواقع والخيال: “القطة السوداء” للساطي قصة عن الضياع والهواجس –  أحمد محمود الباشا 

صورة لوجهين، أحدهما رسم فني لرجل مسن ذو لحية والآخر صورة شخصية لرجل في منتصف العمر. الخلفية حمراء.

.تدخل قصة «القطة السوداء» في عالم الأدب النفسي، حيث تتعمق في أعماق الذات الإنسانية لتطرح قضايا الهوية والاغتراب، مستخدمة رمزية القطة للتعبير عن الهواجس والمخاوف، ومن أجواء المونولوج الداخلي وتداخل الواقع مع الخيال، يستعرض كاتب القصة أمين الساطي حكاية شاب يعيش صراعاً هادئاً مع ذاته، قبل أن تتصاعد الأحداث إلى نهاية لا تُحمد عقباها.

إذ تدور أحداث القصة حول شاب رسب في البكالوريا مرتين، ولم تعد كلمات والده تحمل قلقاً بقدر ما تحمل حكماً نهائياً، بأن الفشل سيعني العمل في معمل بلوك، تحت هذا الشعور تسللت إلى داخله كراهية خافتة لا واعية تبرر نفسها بألف حجة، لكنه كان يرفض الاعتراف بذلك، وقد جاءت أحداث القصة كما يلي:

لم تكن الأمور على ما يرام، لقد ضاعت مني ملامح نفسي القديمة، لم أعد أسمع صوت الأستاذ في الصف، فأنا دائماً أعيش في عالم أحلام اليقظة. كانت كلمات الأستاذ تنكسر، متحولة إلى صدى قبل أن تصل إليّ. أجلس هناك، جسداً فقط، بينما أعيش في عالم آخر؛ عالمٍ تسكنه ناديا بنت الجيران، التي أحبها حتى يكاد الحبّ يتحول إلى جنون، كنت أراقبها من بعيد، أفسّر تجاهلها اعترافاً خفياً، ثم أعود فأكذّب نفسي، فتزداد حيرتي.

أبي يقول، إن هذه فرصتي الأخيرة للنجاح في البكالوريا، رسبت مرتين، وصوته لم يعد يحمل القلق بقدر ما يحمل حكماً نهائياً، إن فشلت هذه المرة، فسأعمل في معمل بلوك، صاحبه صديق والدي.

منذ ذلك اليوم، بدأ شيء داخلي، أحاول إخفاءه، ينكسر، لم أعد أراه أباً، بل قاضياً محايداً، ينتظر سقوطي، وتحت هذا الشعور، تسللت كراهية خافتة، عميقة لا شعورية تبرر نفسها بألف حجة، غير أني كنتُ أرفض الاعتراف بذلك.

لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في أبي، بل في الليل.

كنت كلما أغمضت عيني، ظهرت قطة سوداء.

لا تأتي من باب ولا نافذة، بل من داخلي. أستيقظ فأراها جالسة في زاوية الغرفة، عيناها تلمعان كفكرتين شريرتين. لا تتحرك كثيراً، فقط تراقب.

كنت أشعر أنها لا تراقبني أنا، بل إن شيئاً في داخلي ينتظر أن يخرج.

النوم صار متقطعاً، ضحلاً، مملوءاً بالانقطاعات، ومع كل ليلة، كانت المسافة بيني وبين الواقع تزداد هشاشة.

بدأت أخلط بين ما أراه، وما أفكر فيه، بين الخوف والرغبة الجنسية المكبوتة العاجز عن إشباعها.

ذهبت إلى عرّافة غجرية، فتحت المندل، تمتمت، ثم نظرت إليّ طويلاً قبل أن تقول:

“هناك جنّي اسمه عروس، يتبعك في هيئة قطة سوداء. أُرسل إليك بسحر من قريبة لك… قصيرة، بدينة، شعرها أسود وعيناها عسليتان”.

لم أحتج وقتاً طويلاً لأعرف، إنها خادمتنا في البيت رزان التي تنتابني هواجس جنسية نحوها، لا تتماشى مع قيمنا الدينية.

لم يكن الأمر اكتشافاً، بقدر ما كان ارتياحاً.

العقل المرهق يبحث دائماً عن عدو واضح، عن سبب ملموس يعلّق عليه فشله. وهكذا، وجدتُ أخيراً تفسيراً لكل شيء، رسوبي، خوفي، شرودي حتى صمتي أمام ناديا.

قالت العرّافة: “إن فكّ السحر يحتاج إلى ذبيحة”.

لكنني كنت مفلساً.

ومع ذلك لم أكن عاجزاً عن تدبير أموري.

بدأت أفكر بطريقة مختلفة.

إذا كان السحر مرتبطاً بها، فإزالتها تعني نهاية كل شيء، بما في ذلك رغبتي الجنسية المكبوته تجاهها، التي أصبحت تسيطر على أفعالي، اختفاؤها أصبح أكثر وضوحاً، وأكثر منطقية بل أكثر عدلاً في نظري.

كنت أقنع نفسي أنني لا أريد الأذى، فقط أريد أن أستعيد حياتي من جديد.

لكن الحقيقة الأعمق كانت تتشكل في الظل، رغبة في السيطرة، في محو مصدر القلق، مهما كان الثمن.

تذكرت مرة حين كنت أمارس أحلام اليقظة أنني أدفع أمها عن الدرج، لشدة كراهيتي لها، لكنني الآن لم أعد ذلك الشخص لقد توقفت نهائياً عن تعاطي المنشطات، لقد تغيرت كثيراً.

كانت القطة تراقبني،

كنت أشعر أنها تعرف. أنني خائف منها،

إنها تبتسم في العتمة كلما اقتربتُ من القرار.

فهمت أخيراً:

لن أستطيع التخلص من رزان قبل أن أتخلص من القطة.

في تلك الليلة، أغلقت باب غرفتي جيداً.

أطفأت الضوء.

وجلست أراقب الزاوية.

لم أنتظر طويلاً.

ظهرت العيون نفسها. السكون نفسه.

لكن هذه المرة لم أشعر بالخوف.

اقتربت ببطء، رفعت يدي وضغطت على رقبتها.

في الصباح، أيقظتني أمي بصراخٍ لم أفهمه في البداية.

كان أبي واقفاً عند باب غرفتي، وجهه شاحب، وعيناه لا تصدقان ما تريان.

نظرت إلى الأرض، رزان كانت ممددة هناك.

وعلى عنقها آثار أصابعي.

رفعت رأسي ببطء، أبحث عن القطة.

لم تكن في الزاوية، كانت في المرآة، تنظر إليّ بعينيّ.

إن هذه القصة يتداخل فيها الواقع والخيال والفانتازيا الذهنية في عالم الأحلام،  وقد كان أسلوب الكاتب يمتاز  بالواقعية السحرية، أجواء دراسية يومية وعالم كابوسي واضطراب الأنا حول هل القطة موجودة حقاً أم مجرد هلاوس بصرية ناتجة عن ضغوط نفسية.

استخدم الكاتب في أسلوبه الجمل القصيرة  التي تخدم أجواء الرعب النفسي والترقب، والتشخيص الذي يمنح القطة صفاتاً بشرية أو شيطانية، وكذلك السوداوية التي تسيطر على نبرة الحزن والضياع. وقد ذكرت هذه القصة وكاتبها بعض المجلات الثقافية المتميزة.

قصة فيها الكثير من الرمزية والتداخل بين الواقع والخيال والأوهام التي للكاتب أمين الساطي باع كبير فيها في قصص عديدة وكثيرة له اتسمت وتناغمت مع هذا العالم.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading