ميراث ✍ محمد حسنين هيكل

كان مُشرِّع ذلك العهد في مصر يُجيز الوقف الأهلي، وكان فقهاؤه يُقررون أن شرط الواقف كنص الشارع. فكان كثيرون يتخذون من نظام هذا الوقف وسيلةً للتخلُّص من أحكام الميراث الثابتة في القرآن الكريم. يَحرمون به ورثتهم مَن يريدون حرمانه، ويتخطَّوْن به أحكام الوصية؛ إذ كانت لا تجيزها لوارث إلا إذا أقرَّها سائر الورثة، ولا تجيز الوصية لغير وارث في أكثر من الثلث، لقوله عليه السلام: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير؛ لأنْ تَتركَ أولادَك أغنياء خيرٌ مِن أن تتركهم عالةً يَتكفَّفونَ الناس.»
وشاعت في ذلك العهد عند ذوي اليسار، وعند المتوسطين كذلك، فكرةُ حرمان البنات من التَّرِكة، أو جَعْلهنَّ تَبَعًا لإخوتهن الذكور، يَنَلْنَ منهم نفقةً تكفيهنَّ العيش المتواضع. ذلك أنهم كانوا يعتبرون أن البنات يخرجن من الأسرة يتزوجن، والملك ملك الأسرة، فلا يجوز أن يأخذ أزواج البنات. أما والشرع يجيز حرمان البنات بالوقف، فلا وِزْرَ عليهم في حرمانهن. وأزواجهن ملزمون شرعًا بالإنفاق عليهن، فإن لم يتزوجن، فلهن على إخوتهن الذكور نفقة تكفل الكفاف!
وكان عاكف بك من المؤمنين بحرمان البنات إيمانًا عميقًا؛ لذلك رأى أن يقف أملاكه الواسعة على الذكور من ذريته. فلما كان في المحكمة الشرعية لتحرير وقفيته، مس قلبه شيء من الرحمة، فنص فيها على أن يكون للإناث من الذرية نفقة يدفعها لهن إخوتهن الذكور. ولم يرد بخاطره أن يورد نصًّا على ما يجري إذا كان الورثة كلهم إناثًا، اقتناعًا منه بأن ذلك لا يمكن أن يحدث في أسرته، أو نسيانًا منه لهذا الاحتمال!
وتوراث ذريته هذا الوقف جيلًا بعد جيل، ولم يحدث بالفعل أن خلا الورثة في الأجيال الأولى من واحد أو أكثر من الأولاد الذكور يعيش أخواته البنات في كنفهم، ويتمتعن برعايتهم وعطفهم. وتكاثرت فروع الأسرة على الأجيال، وحدث أن مات الذكور جميعًا قبل الإناث في أحد فروعها، فاختصم الذكور — من فرع آخر — هاتيك الإناث، يطلبون الانفراد بريع الوقف كله، نزولًا على شرط الواقف. وأقر القضاء وجهة نظر هؤلاء الذكور، ولم ينل الإناث الباقيات من الفرع الذي مات ذكوره كبير ضرر؛ فقد كُنَّ في عصمة رجال ذوي يسار، فلم يزعجهن هذا الحكم، وإن أزعج أزواجهن بعض الإزعاج.
•••
وتعاقبت الأجيال كرة أخرى، ثم أخذت تنقرض شيئًا فشيئًا، حتى آل معظم الوقف إلى الشاب المهذب الرقيق «عبده عاكف». وكان طبيعيًّا أن يعيش هذا الشاب عن سعة، وألَّا يعني نفسه بأمر غده، وله من إيراد الوقف ما يغنيه عن عمل وكل عناء. وطمعت كثيرات من بنات طبقته في الزواج منه، ثم وقع اختياره على «هيفاء»، مما دَلَّ على حسن ذوقه وتقديره. فقد كانت هيفاء — إلى جمالها — تعدله في كرم النسب، وإن لم تكن تعدله في سعة الثراء. صحيح أنها ورثت عن أبيها ما يكفل لها عيشًا كريمًا، لكن ما ورثت لم يكن يكفل أكثر من هذا العيش الكريم.
وقبل أن تدور السنة أنجب الزوجان طفلة بارعة الجمال، اغتبطا بها أشد الاغتباط. ولم يَدُر بخاطر أيهما ذِكْرٌ لوَقْف عاكف بك وشروطه، فهما لا يزالان في إقبال الشباب: وهما يذكران ما يجري على ألسنة النساء: «خيركن من بُشرت بأنثى.» لذلك خلعت الأم على طفلتها من ألوان العناية والرعاية ما زاد الأب تعلقًا بها وحبًّا لأمها. وأخذت الصغيرة تنمو وتكبر، وتملأ البيت على أبويها بضحكاتها ولعبها وعبثها، فتزيدهما تعلقًا بها، ورعاية لها.
وبعد سنتين وضعت الأم الشابة بنتًا ثانية، فلم يُغَيِّرْ ذلك من مرح الأسرة وغبطتها. فالشباب لا يسهل أن تشوب الهموم أجواءَه. إن أمامه في الحياة أملًا طويلًا عريضًا، فما يفوته اليوم يمكن تحصيله غدًا. ولم تبلغ «هيفاء» بعدُ الثالثة والعشرين من عمرها، لِيدور بخاطرها ما قد يُخَبِّئ الغد بعد عشرين سنة أو ثلاثين سنة من أيام زَوجيَّتها السعيدة الهنيئة. أما أمها فلم تلبث حين رأت الوليدة الثانية، أن ذَكَرَتْ وقف عاكف بك وشروطه، وهي تستعجل الغلام الذي تطمئن به إلى أنَّ ابنتها وحفدتها، سيكونون في رخاء من العيش، يستمتعون من رغد الحياة بخير أَنْعُمِها. ولقد جاوزت هذه الجدة الشباب إلى الكهولة، فهي حريصة على أن تطمئن في حياتها على مستقبل هؤلاء الحفدة الأعزاء!
ولم تذكر لابنتها ما دار بخاطرها، لكن ما ارتسم على محياها ساعة تنفست هذه الطفلة الثانية ريح الوجود، لم يُعَبِّر عن شيء من الغبطة، وإن دفعها حنانها الطبيعي للعناية بالطفلة أشد العناية!
وبعد سنتين كذلك، أنجبت هيفاء طفلة ثالثة، رَوَّع مولدُها قلبَ جدتها، حتى تمنت لو لم تولد. وبلغ روع الجدة حد الثورة حين أنجبت هيفاء بنتًا رابعة بعد سنتين أخريين، فأنحت باللائمة على ابنتها، وألقت عليها وِزْر ما حدث، وكأن للأم الخيار في إنجاب البنت أو الولد.
وبكت هيفاء، ثم قالت تُعاتب أمها: «هذه خيرة الله يا أماه، وأنا لم أبلغ بعدُ الثلاثين، ورحمة الله واسعة …»
وحملت هيفاء للمرة الخامسة، وإنها لَتعاني سقم الحمل؛ إذ مرض زوجها مرضًا لم يمهله أيامًا حتى اختطفه الموت من بين أحضانها. وحزنت الشابة عليه أشد الحزن، وذكرت يُتْمَ بناتها، ونظرت إلى مستقبلها ومستقبلهن، بعين لا ترقأ لها دمعة. أما أمها فأفزعتها هذه الوفاة، لا حزنًا على الزوج الذي مات، بل إشفاقًا أن تلد ابنتها بنتًا خامسة، فلا يكون لهاتيك الصغيرات من وقف عاكف بك نصيب، ولا يكاد ما ورثته أمهن عن أبيها يكفيهن عيش الكفاف.
وزاد في فزعها وانزعاجها ما ترامى إلى سمعها من أن سلائف ابنتها يبذلن النذور لأولياء الله الصالحين أن تلد هيفاء بنتًا ليعود الوقف إلى أزواجهن، وليستمتعوا بإيراده الوفير!
ماذا عسى أن يكون مصير هيفاء وبناتها إذا استجاب الأولياء لنذور هؤلاء الأقارب؟ وهل تَدَعُ هذه الجدة الأمور للأقدار والرزاق هو الله؟ أم أن عليها لهيفاء وبناتها واجبًا أن تُنقذهنَّ من مصير مظلم بأية وسيلة ممكنة؟!
والوسيلة لإنقاذهن أن تلد هيفاء ولدًا يحفظ الوقف له ولها ولأخواته البنات. لا بد إذن من أن تلد هيفاء ولدًا. والعلم لم يصل بعدُ إلى تعيين النسل، فالأمر لا يزال في يد القدر. أوَلَا تستطيع هذه الجدة أن تكفل لابنتها ما لا يكفله العلم، فيكون مولودها ذَكَرًا بأية حال؟ هنالك تنازعها عاملان: الوازع الديني، الذي يجعل معاندة القدر ذنبًا يُجزى مُجْتَرِحُه في الحياة الآخرة، وقد ينال عنه جزاءً قاسيًا في الدنيا. ووازع المحافظة على نعمة الحياة لهاتيك القوارير الناعمات، اللاتي لم يعرفن خشونة العيش قطُّ. وانتهى هذا التنازع إلى غلبة الوازع الدنيوي، فلا بد أن تلد هيفاء ولدًا ذَكَرًا بأية حال!
•••
وولدت هيفاء ولدًا ذَكَرًا، فتصايح أقارب زوجها بأن أمها دَسَّتْ في فراش الوضع غلامًا، وذهب بعضهم إلى أن الأم الشابة لم تلد، بل لم تحمل، وأن هذا الطفل الغلام دَسَّتْهُ أمها في فراشها للاستيلاء على الوقف وريعه!
ورفع هؤلاء الأقارب الأمر إلى القضاء ليحكم بأن الطفل ليس ابنًا لعبدُه عاكف، فلا حق لبناته في وقف جدهن؛ إذ ليس لهن أخ يُعصِّبهنَّ ويَعْصِمهُنَّ من فقر مُدْقِع!
وسمع القضاء الدعوى، فلم يأذن بما طلبه أقارب الزوج المتوفى، من تحليل دم الغلام الطفل، وتحليل دم أخواته البنات، والمقارنة بين هذه التحاليل. وسبب رفضه هذا الطلب بأن تكوين الدم قد تتغير طبيعته على السنين بتغير أحوال الصحة والمرض، وبتقدم السن. وعلى ذلك قضى بأن الولد للفراش، وأن «عمر» — فكذلك سمت هيفاء ابنها — ابن شرعي لعبده عاكف!
وقال أقارب الزوج يومئذ: إن القضاة غلبهم بِرُّهم ورحمتهم بتلك الصغيرات المحتاجات إلى الأخ العاصب؛ ليظل إيراد الوقف لهن ولأمهن.
وكذلك ثبت للبنات حقهن في العيش الرخيِّ الكريم.
واغتبطت هيفاء، واغتبطت أمها، لهذا الحُكم، وصار «عمر» موضع إعزازهما الذي لا حد له، وموضع إشفاقهما كذلك أن يصيبه مكروه يُضيع على البنات الأربع مورد رزقهن. لذلك كانتا تتناوبان العناية به والسهر عليه، ولا ترضيان أن تدعاه إلى مرضع أو مربية، خشية الأقارب الذين طمعوا في الوقف، وقاضوا الأم للاستيلاء عليه … أن يعملوا على اختفاء الطفل، أو على موته!
وبالغت هيفاء في إعزاز عمر، مبالغة تجاوزت حتى جنون الأمومة، ودهش لهذه العناية من كانوا يقسمون إنه ليس ابنها، وإن أمها دسته في فراش وضعها، وكأنما نسوا أنه لم يكن ابن أحشائها حقًّا، فإنه الروح والحياة لهاتيك البنات الأربع، اللاتي يصبحن لولاه في حكم المعدومات، فيعشن عيشًا خشنًا، لم تألفه هيفاء حياتَها، ولم يدر بخاطرها في يوم من الأيام أن يكون نصيب ذريتها!
وهل تراها، لولا الرجاء في رغد الحياة ونعمائها، كانت ترضى أن تتزوج عبده عاكف؟
صحيح أنها كانت تحبه، لأنه كان مهذبًا ورقيقًا، لكنها تحبه كذلك ليساره، فلا تخشى خشونة عيش لها ولا لذريتها في كنفه.





