يَد القدَر✍محمد حسنين هيكل

كانت هند في العشرين من سنها، حين زوجها أبوها من موظف صغير في الدرجة السابعة الكتابية، ولم تعرف هند زوجها عباس فضل، حتى اجتمعت معه تحت سقف واحد، ومع ذلك اغتبطت بهذا الزواج وفاضت بها المسرة؛ لأن الزواج في نظرها غاية كل فتاة، كما أن الموت غاية كل حي، ولأن أمها توفيت، قبل عدة سنوات، فتزوج أبوها وأنجب من زوجته الثانية بنين وبنات، اختصهم بكل عطفه … ولم يأب على زوجته أن تتخذ هند معاونة لها في خدمة البيت، تطهو طعامه، وتتولى نظافته، وترعى أخواتها الأطفال، وتنفق ليلها ونهارها في تنفيذ أوامر زوج أبيها.
وكم تمنت اليوم الذي تهب فيه نفسها لخدمة بيتها هي، لا لخدمة زوج أبيها وعيالها؛ لذا رأت في زواجها منقذًا لها من هذه الحياة الشاقة التي كانت تحياها، دون أن تجد من العطف والحنان، ما يعوضها عن قسوتها وشدتها.
وأعطت هند زوجها كل قلبها، منذ اليوم الأول، ولم يكن ذلك لأنه وقع من نفسها ساعة رأته فعشقته لأول نظرة، بل لأنها رأت فيه يد القدر، التي انتشلتها من بأسائها، وفتحت به أمامها باب الأمل فيما يسمونه السعادة.
ولم يزعجها أن كان عباس موظفًا صغيرًا، وأن مُرَتَّبه الضئيل كان لا يكاد يكفيها العيش الخشن؛ فالصغير يكبر، وضيق العيش طارئ يزول بالجد والاجتهاد. فإذا هي جعلت من نفسها ومن بيتها جنة نعيم لهذا الموظف الصغير، فسيُمكِّنُه هذا من الجد في عمله، ومن إرضاء رؤسائه، ومن الترقي درجة بعد درجة. ويومئذ ينفرج الضيق وتعيش في بيتها أكثر رخاء مما كانت في بيت أبيها، بل إن هذا الرخاء المادي، الذي تعتقده اليوم فلا تجده، لَأيسرُ شأنًا عندها من طمأنينتها في قلب زوجها.
وبادلها زوجها منذ اشتركا في الحياة، حبًّا بحب، وإخلاصًا بإخلاص، وكيف لا يفعل وقد أتاحت له بمرتبه الضئيل ألوانًا من النعمة لم يكن يحلم بمثلها قبل زواجه، وجعلت من بيته سكنًا هانئًا، يغنيه بعد الفراغ من عمله عن كل ما سواه؟
ومَكَّنه بطبيعة الحال من التوفر على عمله في وظيفته، بما أرضى رؤساءه، وجعله بعد عام، أو أقل من عام، يطمع في الترقية إلى الدرجة السادسة!
•••
وتتابعت الشهور، وهند تزداد كل يوم متاعًا بهذه الحياة الراضية المتواضعة، على أن سحابة من القلق بدأت تندس إلى نفسها حين قارب العام أن يستدير، ثم لم يتحقق رجاء أنوثتها! فقد كانت تتوقع أن يبشرها شهر من أشهر هذا العام بأمومة يطمئن لها زوجها، وتشعر معها بأن هذا البيت الصغير ستضيئه أنوار الطفولة البريئة، وتجعل منه مقر أسرة، وتسعد هي، ويسعد زوجها. فلما خذل تعاقب الشهور رجاءها، بدأ مرحها يخبو ضياؤه، وبدأ يرتسم على جبينها الجميل أثر القلق الذي ساورها.
ولاحظ زوجها همها وحدس سببه، فلما أفضى به إليها، انحدرت من عينها دمعة، تولاه الألم لمَسِيلها، فربتَ على كتفها بيدٍ كلها الحنان والحب، وقال لها: فيم تستعجلين يا عزيزتي؟ إنك تعلمين أن مُرَتبي لا يكاد يكفينا لولا حسن تدبيركِ وما تبذلين من جهدٍ لتبعثي إلى حياتنا ما نشعر به من نعمة ورضا، ولعل رحمة الله بنا هي التي أرادتْ ما أثار قلقكِ، وإني لأطمع في ترقيةٍ قريبة، تعاوننا إذا رزقنا الله الخَلَف الذي ترتقبين، على العناية به وحسن تربيته، وأنت لا تزالين بعدُ في شبابك الباكر، فلا تجزعي واصبري، إن الله مع الصابرين.
وازداد عباس بعد هذا اليوم عطفًا على زوجته، مما أنساها قلق أنوثتها. وجاءت الترقية التي كان يطمع فيها، وأتاحت للزوجين شيئًا من سعة العيش، جعلت بيتهما الصغير أكثر ابتسامًا، وجعلت عباسًا أكثر حرصًا على أن يؤنِس وحدة هند فيه، ودفعته إلى مزيد من العناية بعمله في ديوانه، مما ضاعف رضا رؤسائه عنه، وتقريبهم إياه، ومما زادهم ثقة به، وزاده ثقة بنفسه.
وكان عباس يشعر في أعماقه شعورًا قويًّا، بأن هندًا صاحبة الفضل في هذا، ومما طوَّع له تكريس كل وقته لعمله، وللبلوغ من إتقانه مبلغًا غبطه عليه كل زملائه.
•••
وانقضت على ترقية عباس سنوات أربع، يئست فيها هند من أن تحمل وتلد، فاكتفت بما بينها وبين زوجها من حب لم تكن الأيام تزيده إلا عمقًا وإخلاصًا، وفي ختام السنوات الأربع رُقِّي عباس إلى الدرجة الخامسة، ونُقل من الكادر الكتابي إلى الكادر الفني، وأصبح منظورًا إليه نظرة تقدير خاص. فلما صدر قانون إنصاف الموظفين، وزِيدت لهم علاوة غلاء المعيشة، قفز مرتبه قفزة واسعة، مَكَّنَتْهُ من الانتقال إلى بيت أحسن من البيت الذي تزوج فيه، ومكنت هندًا من تأثيث البيت الجديد أثاثًا زاد الزوجين طمأنينة إلى الحياة ومتاعًا بها!
وخيِّل إلى هند، وقد أصبحت في هذا الحال، أن من حقها لنفسها، ومن حق زوجها عليها، أن تعود إلى التفكير في أمر عُقْمِها؛ فقد عرفت من زميلاتها من بقيت مثلها سنوات عدة لم تحمل، ثم رزقها الله قرة عين بل قرة أعين، وفي مقدورها اليوم ما لم يكن في مقدورها بالأمس، في مقدورها أن تعرض نفسها على طبيب، وأن تنفق على العلاج، أفلا يجمل بها والحالة هذه أن تفاتح زوجها في الأمر، وهو لا ريب سيُقرِّها، بل سيشجعها عليه!
وبعد تردد طال أمده، أفضت إلى عباس بخوالج نفسها، فكان جوابه: ربما كان العيب مني، ولست أريد أن أعرض نفسي على طبيب لمثل هذا الأمر المخجل، فلنترك أنفسنا لمشيئة الله، وهو — جَلَّتْ قدرته — قد وسَّع علينا في الرزق من حيث لم نكن نحتسب، وقد يكون في علمه أن يرزقنا من بعد ذلك البنين، فإن يكن ذلك فالشكر له والثناء عليه، وإلا يكن فالشكر له مرة أخرى، أن رفعني في أعين الناس إلى ما وصلتُ إليه، وأن جعلكِ بين النساء محمودة على ما أنت فيه من رخاء ونعمته!
أمسكت هند بعد هذا الجواب عن مفاتحة زوجها في الموضوع كرة أخرى، لكن عبارته «أن أي عيب قد يكون من جانبه» جعلت تتردد في نفسها الحين بعد الحين، أوَلو كان هذا صحيحًا، أفلا يجب عليه — لنفسه ولها — أن يعالج نفسه؟ أم تراه عالَج نفسه في سرٍّ منها فلم ينجح معه علاج؟!
وهَبْهُ لم يكن قد عرض نفسه على طبيب، أو أنه عرض نفسه على طبيب فتبين أن العيب لم يكن من جانبه، أفلا ينبغي أن تُفكر هي في أمرها؟!
لكنها لا تستطيع أن تفعل شيئًا في سرٍّ منه، فما لها لا تعيد الكرة عليه وقد تنتهي إلى إقناعه بما تريد؟
وأعادت الكرة، وألحَّتْ مستعطفة مستشفعة إياه بحبها وإخلاصها، إلى أن قال لها: «استئذني أباك، فإن أذن كنتُ عند ما تريدين!»
وذهبت هند إلى بيت أبيها تستأذنه، فألفتْ لدى بابه إخوتها الأطفال يمرحون، هنالك رفعت رأسها إلى السماء تشكو إليها قسوة القدر، فلما دخلت ورأتها زوجةُ أبيها، سألتها في دهشة عما جاء بها!
ثم نادت أطفالها وأدارت عليهم البخور من خوف حسدها! فلما رأت هند ما فعلتْ، ترددت دون المُضي فيما جاءت فيه، وأرادت أن تعود أدراجها إلى منزلها، لكنَّ أباها حضر قبل أن تنفذ عزمها، فذكرت له أن زوجها يريد أن يحدثه في شأن لم يُفْضِ به إليها، ورغبتْ إليه أن يحضر عندها غداة ذلك اليوم!
وخُيِّل إلى زوج أبيها أن خلافًا دبَّ بين هند وعباس، فابتسمت عن رضا، ثم أومأتْ إلى زوجها قائلة: اذهب إليها لعل الله أن يهديهما وإلا فبيتُك بيتها، ونحن جميعًا في خدمتها!
•••
وذهب الأب في الغداة إلى بيت ابنته، قبل حضور زوجها من عمله، فلما رأته أفضت إليه بما دار بينها وبين زوجها في شأن حَمْلِها، فأجابها في حزم: وما لي أنا وذاك؟ ذلك شأنكما، تصرفَا فيه بما تشاءان.
وأدركت هند أنه لا يريد أن يُصرح بالإذن لها، مخافة أن يطالبه زوجها بالاشتراك في نفقة علاجها، فأخذتْ تداوره، تريد أن تستدرجه إلى إذن صريح، وإنها لكذلك إذ أقبل زوجها، فبادره أبوها بعد التحية بقوله: ما حرصك على إذنٍ مني في أمر هو من شأنكما وحدكما؟ قال عباس: «ذلك أنني اليوم راضٍ بإرادة الله فينا، سواء كان العيب منها أو مني، وأخشى إن قرر الطب العيب مني أن تتنازعني نفسي إلى من يخلفني، برغم محبتي هندًا أصدقَ الحب، ووفائي لها أصدق الوفاء، واعترافي الصريح بفضلها فيما بلغناه من رخاء ومكانة.»
وأسرعت هند حين سمعت هذا الكلام، فقالت: أشكر لك يا عزيزي رقة عواطفك، وأعِدُك صادقةً أنه إن كان العيب منك فلن أتحول عن التفاني في محبتك، والعيش ما حييتُ سعيدة بعطفك وحمايتك، وإن كان العيب مني فأنتَ وما تشاء، ولا تثريب عليك إن هفت نفسك إلى من يخلد اسمك!
قال عباس: «أنت إذن وما تشائين، ولن أضن عليكِ في سبيل ما تريدين بما أطيق من نفقة!»
وانصرف الأب مطمئنًّا إلى أنه لن يحمل في هذا الأمر عبئًا ما أحوج صغاره إليه!
وأثبت الطب أن عباسًا لا عيب من جانبه، وأن هندًا تحتاج إلى طويل الأمد. وأذعنت هند لهذا القضاء، وأخذت تتردد على الطبيب فإذا انقضى شهر بعد شهر ولم تحمل، تولاها الضيق، وكاد يتولاها اليأس، برغم ما كان عباس يبذله من لطف بها، وتهوين للأمر على نفسها!
وكان عباس من جانبه يرجو أن ينجح العلاج، وأن يرزقه الله من يرثه، بعد أن أثبت الطب أن لا عيب من جانبه. وانقضى عامان كان تعاقُب شهورهما يزيد عباسًا شعورًا بعبء ما ينفق في هذا السبيل، فكانت نفسه تهفو إلى نهاية هذه النفقة نهاية سعيدة، بحمل يطمئنه ويطمئن هندًا معه. فلما لم يحقق الطب رجاءه، بعد أن تولاه الحرص على عقب يخلفه، دعا إليه حماه وقال له وهند حاضرة: أنت تذكر يا عماه حديثنا منذ أكثر من عامين في أمر الخلف، وتذكر ما قلته وما قالته هند، ومن يومئذ نزلتُ على إرادتها، وبذلت كل ما وَسِعَتْهُ طاقتي لتحقيق رجائها، لكن الطب عجز؛ لأن الله لم يشأ أن يكون لي عقب منها، ونحن الآن متزوجان من أكثر من عشر سنين، وأنا أحس — مع تقدم السن — بشدة الحاجة إلى من يعينني في شيخوختي، ومن يرثني يوم يختارني الله إليه … وأنا ما أزال أحب هندًا من أعماق نفسي، وقد صبرت هذه السنين الأخيرة، وأنفقت ما أنفقت، طمعًا في أن يكون لي منها غلام، تقر به عينها، وتقر به عيني، أما ولم يحقق الله رجائي، فقد رأيت أن تشير عليَّ في هذا الأمر بحضرة هند!
ولم تنتظر هند جواب أبيها، بل قالت في صوت تخنقه عبرة تحاول المسكينة التغلب عليها: ألم أقل لك منذ سنتين إنه لا تثريب عليك إن هفتْ نفسُك إلى من يخلد به اسمك؟ لقد كنت أطمع أن أكون أمًّا لهذا الغلام، أما وقد أبت مشيئة الله عليَّ هذه السعادة فأنتَ وما بدا لك! ولن أتحول من التفاني في محبتك، والعيش ما حييتُ في كنف عطفك وحمايتك، والآن أدعك مع أبي، والرأي ما تريان!
وانصرفت الشابة إلى مخدعها، كي تترك العنان لدموعها تخفف عنها هم يأسها، وأي يأس وأي حزن؟ فهذا زوجها يريد أن يتزوج فتكون لها ضرة مرجوة الخلف، إذ هي عاقر عقيم! هذا هو الستار الأسود الذي يحجب عن ناظرها، وعن أملها، كل رجاء في النعيم!
وماذا يريد عباس أن يقول لأبيها؟ أَبَلغ من أمره أنه يريد تطليقها؟! تلك إذن الطامة الكبرى، والنازلة القاضية على حياتها قضاءً مبرمًا، أوَلَيس معنى هذا أن تعود إلى بيت أبيها أمَة رِق لزوجته، تسومها الخسف، وتذيقها الهوان ألوانًا؟
ذلك أمر لا شبهة عندها فيه، أما إن بقيت مع زوجها على ضرة فقد تكون ضرتها عاقرًا مثلها، فيجمع الهم المشترك بينهما، وقد لا تستطيع — وإن ولدت — أن تكسب قلب عباس كما كسبته هي، فيظل لها من المكانة عنده ما يقيها السعير المحتوم في بيت أبيها.
ألم تُدِر زوجة أبيها البخور على رأس أبنائها لتفسد حسد هند إياهم؟! فإن يكن ذلك رأيها فيها، ولها زوج يحميها وبيت يقيها المذلة، أفتتحرج عن اتهامها بكل منقصة يوم لا يكون لها رجاء إلا في عطف أبيها، وقد أخذت هذه الزوج عليه مسالك قلبه وأمسكت بيدها خلجات فؤاده؟!
وإن ذلك كله ليدور بخاطرها، إذ ناداها أبوها وقال لها: لقد أقررتُ عباسًا على أن يتزوج، وقد ترك لك الخيار، إن شئت بقيت على ذمته، أو شئت سَرَّحَكِ سراحًا جميلًا!
وقالت هند في غير تردد: الأمر في ذلك له، فإن سرحني بقيتُ على الوفاء له ما حييتُ، ولن أحب رجلًا غيره، وإن أمسكني شكرتُ له نبيل عاطفته وسمو نفسه، فهو يعلم أن الذنب ليس ذنبي، وأن عواطفي معه من كل قلبي!
قال عباس: «وأنت يا هند على عيني ورأسي! وعصمتك من اليوم في يدك وليست في يدي … ولن أنسى ما حييت أنك سبب هنائي ومفتاح فضل الله عليَّ وعنايته بي!»
وانصرف الأب، وتزوج عباس زوجته الثانية بعد أيام، ولم تبطئ هذه الزوجة الجديدة أن حملت، وفي الأشهر من حملها، شاءت ثقة الرؤساء بعباس نَدْبَه إلى بلد ناءٍ ليعالج أمرًا عجز غيره عن علاجه.
وخشيت الزوجة الجديدة على نفسها وعلى حملها أن تصحبه في سفره، فاصطحب هندًا وقضيَا في هذا الندب عدة أشهر. فلما عادَا إلى منزلهما، كانت الزوجة الجديدة وشيكة الوضع، وكان أكبر ما يرجوه عباس أن تضع غلامًا يعينه في شيخوخته ويرثه حين وفاته. فلما علمت هند أن ضرتها وضعت بنتًا، رفعت كفيها إلى السماء، شكرًا لله أن لم يبلغ خذلان القدر إياها مداه فيمتع عباسًا من غيرها بما يحقق له أملًا أبى القدر عليها هي أن تكون مصدره.





