ميراث ✍ محمد حسنين هيكل
•••
وبدأ الغلام يكبر بعين أمه، وأكبر همها أن تجعل منه، وهو الذي يشتبه بعضهم في نسبه، رجلًا جديرًا باسم زوجها وبها. بل لقد طمعت حين توسمت في عينيه بريق الذكاء، في أن تراه يومًا عظيمًا يشار إليه بالبنان؛ لذلك لم تضنَّ لحسن تربيته بشيء: كانت تُلبسه منذ صباه الباكر أحسن ملبس، فلما آن له أن يذهب إلى المدرسة اختارت له أحسن مدرسة في العاصمة، واختارت له كذلك مُربية تشرف على تعليمه وتنشئته، ثم إنها عَوَّدت أخواته البنات على أن يَنظرْنَ إليه نظرة إكرام وإعزاز، طامعةً أن يزيد ذلك في نفسه محبتهن، وفي نفوسهن محبته، وأن تجعل منه ومنهن أكرم أسرة تعتز بها كهولتها، ويخلد بها اسم الرجل الذي أحبته، والذي غاله الموت وهو في عنفوانه!
وكان الغلام في بوادر نشأته رقيقًا؛ لأنه كان الذَّكَر الوحيد بين إناث ست: أخواته الأربع وأمه وجدته، لكنه ما لبث حين اختلط بالتلاميذ في المدرسة أن زايلته هذه النعومة، وأن حلت محلها خشونة لا تخلو من عنف. ولم تكن أمه عنيفة ولم يكن أبوه عنيفًا، وبلغ من عنفه حين بدأ يحس بقوة عضلاته أن تبدلت معاملته لأخواته، وإن لم تتغير معاملتهن له، فكان يقسو بهن، وكان يرفع يده أحيانًا عليهن، وكان يضطر الأمَّ للتدخل أحيانًا بينه وبينهن.
ولم تكن هيفاء تضيق بعنف عمر، أو تزيد في تدخلها بينه وبين أخواته، على مألوف ما تبذله الأم من نصح يشوبه العطف والحنان.
وكانت تلتمس له من العذر أن يتخطى الصبا إلى الشباب إيذانًا بإقبال الرجولة، فكانت تنسب إلى طيش الشباب كل ما يقع منه، وكان لها عذرها عن هذا التسامح معه. فلو أنه لم يكن ابنها الذي أنجبته من لحمها ودمها فهو ابنها الذي ضمته إلى صدرها رضيعًا، ثم أنشأته من يومئذٍ إنشاء ربط بينه وبينها بمثل رابطة البنوة والأمومة!
ونحن نحب كل ما نربيه من أعماق نفوسنا وحبات قلوبنا. وعمر — إلى ذلك — هو وارث عبده عاكف، وهو الذي عصمها وعصم بناتها الأربع من مَتْرَبةٍ ما كان أفظع شبحها يوم توفي زوجها، ويوم خُيِّل إليها أن الغد يخبئ لها عَيْلة إن تحققتْ ناءت بها، وأفسدت عليها كل حياتها!
ولم يقف عنف عمر وطيش شبابه عند القسوة بأخواته، بل بدأ هذا الطيش يصرفه عن دراسته، فيؤدي ذلك إلى رسوبه في امتحاناته، ويضيِّع على هيفاء أملها في أن تراه رجلًا عظيمًا. لكنها بقيت مع ذلك شديدة البِر والعطف عليه، ترى فيه رب البيت، والوارث لاسم أبيه، ولوقف عاكف بك.
وأخذت نزوات عمر تزداد، وتدفعه إلى ألوان من الطيش، كانت هيفاء تحتملها في صبر وسكون، وتدعو الله أن يكفي ابنها شر أولاد الحرام من الجنسين. لكنها ضاقت ذرعًا بهذا الطيش، حين علمت أن عمر يجتمع بطائفة من أقارب زوجها، ويلهو معهم. ولم يكن ضيقها بما ينفقه في هذه الاجتماعات، بل كانت تخشى أن يتخذ أقارب زوجها من اجتماعهم بعمر وسيلة لإفساده عليها وعلى بناتها.
وبناتها في سن الزواج، وهن في حاجة ليتزوجن إلى عطف أخيهن ورعايته وحُسن سمعته!
وفكرت هيفاء في الأمر طويلًا، كما فكرت في انصراف ابنها عن دراسته، فرأت أن تبعث به إلى أوروبا، ليتم الدراسة بعيدًا عن أقارب زوجها، ولتُزَوِّج هي بناتها في أثناء غيابه، وتُجهزهن الجهاز الواجب لمثيلاتهن!
واغتبط الفتى بهذا السفر، لا حرصًا على النجاح في دراسته، بل لما تخيله في أوروبا من ألوان المتاع التي ترضي نزق شبابه، بعيدًا عن رقابة أمه. وكان أكبر همه منذ استقر في أوروبا، بالمدينة التي قبلته مدرستُها، أن يحصل من أمه على أكبر قسط من المال، يُرضي نزوات طيشه. أما المدرسة فكانت عنده أمرًا ثانويًّا، كل غايته منه أنه حجة لبقائه بعيدًا عن كل رقابة.
وأرخى الفتى العنان لنزغ الشيطان، وجعل ينفق عن سعة في ألوان من اللهو الظاهر والخفي، ليبدو أمام زملائه وصديقاته في مظهر الغَنِيِّ المُتْرَف المطمئن إلى غده، المستغني عن كل عمل يحصل منه على رزقه!
وما حاجته أن يعنِّيَ نفسه، للحصول على درجة علمية، وقد أنبأه أقارب أبيه بأن الوقف يكفل له عيش الترف الذي يطمع فيه. وأنه متى بلغ رشده أصبح المتصرِّف في هذا الوقف بما يهوى، يعطي أخواته البنات كفافهن، ويبعثر الذي يبقى بغير حسيب ولا رقيب!
ولم يبق بينه وبين سن الرشد غير سنة وبعض السنة، ثم يكون بعد ذلك السيدَ الذي لا يراقبه أحد، ولا يحاسبه أحد!
وإنه لسادِرٌ في ملاذه وأهوائه، إذ جاءته من مصر رسالة أزعجته عما هو فيه؛ فقد جاء فيها أن أمه تستدين على إيراد الوقف استدانة تكاد تستغرق هذا الإيراد لسنوات عدة مقبلة، وأن مستقبله يقتضيه أن يعود إلى مصر محافظةً على ماله، فإنْ فعل وبدا له بعد ذلك أن يرجع إلى أوروبا، فالشأن شأنه. أما أن يغفل الأمر فسيجد نفسه عما قليل مستغرقًا في الدين. وذكر صاحب الرسالة أنه على استعداد لمعاونته في إنقاذ الوقف جهد المستطاع!
وكان صاحب الرسالة أحد الأقارب الذين قاضوا هيفاء حين مولد عمر، منكرين نسبه لأمه، فلا حق له مِن ثَمَّ في الوقف. ولم يفطن عمر إلى ما لعلَّ صاحب الرسالة يريده من انتقام من هيفاء؛ لأن جزع الفتى على ألَّا يجد المال الذي يرضي أهواء شبابه، أنساه التفكير في كل شيء، غير المال وما يتجه له من متاع!
وكتب إلى أمه يريد العودة إلى مصر، فلم تلبث حين تلقت خطابه أن بعثت إليه بنفقة العودة، مغتبطة بها، ظنًّا منها أن عمر سئم أوروبا لأنه لم ينجح في دارسته، واقتناعًا منها بأنه متى عاد استطاعت توجيهه في الحياة، توجيهًا ينفعه وينفع الأسرة كلها!
•••
لم يلبث عمر — حين بلغ القاهرة — أن ذكر لأمه أنه يريد أن يتولى إدارة الوقف بنفسه، وأن يعرف حساب الوقف وما له وما عليه. ودهشت الأم لما طلب، وخيل إليها أنها تستطيع برقتها وحنانها أن ترده إلى حِمى البنوة المطواع. وأغدقت عليه من هذا الحنان وهذه الرقة ما يمتلئ به صدرها الذي لا ينضب مَعِين عطفه. لكنه أصر على أنها إن لم تجبه إلى طلبه استعان عليها بأقارب أبيه، وذَكَّرها بأنه قارب سن الرشد، وبأنه صاحب الوقف والمتصرِّف المطلق في إيراده، فإن لم تنزل على إرادته اليوم، فستنزل عليها بحكم القانون عما قليل، ويومئذ يفقد أخواتُه البنات عطفَه عليهن بسببها، ويحاسبها الحساب العسير عن إدارة الوقف كل هذه السنين.
سمعت الأم المسكينة هذا الكلام فأفزعها، وعادت بذاكرتها إلى يوم زهوها بأنها أنجبت هذا الغلام، وكفلت بمولده مستقبل بناتها، ونشرت أمام بصيرتها ما احتملت عشرين عامًا حسومًا، منذ مولده إلى اليوم الذي وَجَّه فيه هذا الإنذار! ذكرت مقاضاة أقارب أبيه إياها وهو ما يزال في قماطه، وما كانت نفسها تضطرب به إذ ذاك من مخاوف لم تكن خسارة الدعوى أيسرها. فلو أن القضاء لم يحكم ببنوة عمر لعبدُه عاكف، لَتعرضت من قالة الناس لأضعاف ما تعرضت له، ولتعرضت أكثر من ذلك لبأس قانون العقوبات وصرامته. ثم ذكرت حدبها عليه، ورعايتها إياه طفلًا، بأكثر مما ترعى أيُّ أم ابنها؛ لأنها كانت ترعى فيه أخواته البنات كذلك. وذكرت ليالي سَهَرِها إلى جانب سريره مريضًا، وهي في حيرة وقلق تأخذ المخاوف بخناقها، إشفاقًا عليه وعلى أخواته. وذكرت من دقائق ما احتملت في سبيل تربيته وتعليمه طوال هذه السنوات العشرين، ما أثار دهشتها!
كيف سولت له نفسه، بعد هذا كله أن يخاطبها باللهجة التي خاطبها بها؟ ولو أن وقف عاكف بك لم يضع في يده كل هذا السلطان، لرعى في حقها حرمة الأمومة، أو حرمة التربية على الأقل!
•••
استدار العام وبلغ عمرُ رُشده، فلم يبطئ أن رَفَعَ الدعوى على أمه يطلب تَسلُّم الوقف، وتقديمها الحساب عن سني إدارتها. وتسلمت هيفاء إعلان الدعوى، فتولتها الحيرة أي موقف تقفه منها: أتستسلم وتسلم الوقف لابنها مقابل إقراره حسابها؟ ولكن هَبْهُ رفض بتأثير أقارب أبيه، وذَكَرَ في المحكمة ما عرضَتْه عليه، أفلا يُضعف ذلك مركزَها أمام القضاء؟ وهَبْهُ قَبِلَ وتَسلَّم الوقف، واستولى على إيراده، ثم لم يُعْطِها ولم يعط أخواته ما يكفل لهن العيش الكريم، أفتقاضيه يومئذ؟
وأدت بها هذه الحيرةُ إلى ثورة نفسية، قالت على أثرها فيما بينها وبين نفسها: وما لي لا أقف منه اليوم ما وقفتُ من أقارب أبيه بالأمس … فأناضل عن بناتي، وهن أشد اليوم حاجة إلى نضالي عنهن بالأمس، والقدر الذي أنصفني بالأمس سينصفني إلى شاء الله غدًا، وسينصرني على هذا العاق، الذي جحد كل حق للحنان، وللعطف وللتربية، وللأمومة؟
واستشارت محاميها، فأقرها على رأيها. فلما كان موعد نظر الدعوى، طلب إلى المحكمة أن تأمر بضم دعوى النسب التي رُفِعَتْ على هيفاء، فأنكر بعضهم فيها نسب عمر إلى أبيه. وأجاب القضاء هذا الطلب، وقدمت هيفاء الحساب عما أنفقت على عمر وعلى أخواته طوال هذه السنين. ودهش القضاة حينما اطلعوا على ملف دعوى النسب، وتساءلوا فيما بينهم: أكان عمر يقف من هيفاء هذا الموقف لو أنه كان ابنها حقًّا؟ لكن القضاء حكم من قبل بثبوت نسبه لأبيه حكمًا لا سبيل إلى إعادة النظر فيه. وهيفاء قد بذلت من حنانها وروحها، لهذا الذي جَحَد فَضْلَها، وكَفَرَ بنعمتها، ما يجعلها جديرة بكل عطف. لكن لعمر في الوقف حقًّا لا يستطيع أحد إنكاره، والقضاة يستطيعون اعتماد الحساب الذي قدمته أمه، فأما إن تسلَّم الوقف وأساء معاملة أخواته، فماذا يكون مآلهن؟
ازداد القضاة حيرة حين علموا أن عمر هجر بيت أمه، من يوم أن بلغ رشده، ووقف منها موقف خصومة عنيفة، أعانه عليها أقارب أبيه، الذين أنكروا من قبل بنوته.
فماذا يفعل هؤلاء القضاة ليكون حكمهم عدلًا بين الجميع، محققًا مصلحة الجميع؟
وتحدث الناس وقتئذٍ إلى أن المُشرِّع يعتزم إلغاء الوقف الأهلي، ليمنع عبث العابثين بأحكام الشرع في الميراث والوصية. ورأى القضاة فيما سمعوا متنفسًا لهم، فأجَّلُوا دعوى عمر ثم أجلوها، حتى صدر قانون بإلغاء الوقف الأهلي. وعند ذلك أصدروا حكمهم، باعتبار ما آل من الوقوف إلى عبده عاكف تركةً تُقسَّم بين أولاده جميعًا، وتَرِثُه فيها زوجته. أصدروا هذا الحكم وكانوا يودون لو استطاعوا حرمان هذا العاق أمه من كل التركة، لكن الحكم الأول بثبوت نسبه جعل ذلك مستحيلًا.
واغتبطت هيفاء بهذا الحكم، واطمأنت به على مستقبل بناتها، لكنها بقيت حاقدة على هذا الابن، الذي نسي كل بِرِّها وحنانها، وحاول أن يستأثر دون أخواته بوقف حرَّم ما أحل الله، ونقض ما أثبت كتاب الله!
ولم تكن هيفاء تأبى حين يجري حديث حياتها مع عمر أن تقول: «إني أكرهه، ولكن العرق دساس!»
عرق مَنْ؟! وهل كرهت أمٌّ ابنَها من أجل بناتها؟! أم «إنَّ من … وأولادكم عدوًّا لكم فاحذروهم.»





