مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
وجهاً لوجه

لقاء مع مبدع:محمد عبد الخضر الحسيناوي-حوار: شمس الأصيل العابد

وهو ليس مجرد مسرحيّ يعتلي الخشبة، ولا مفكّر يكتفي بتأمّل الأفكار من علٍ، بل كائنٌ ثقافيٌّ يمشي على حدِّ المعنى، ويغوص في الأسئلة كما يغوص السباح في بحرٍ لا تُرى له ضفاف.

يكتب لأن الكتابة لديه فعلُ بحث، ويفكّر لأن التفكير مقاومة للسطح والعابر، ويتتبّع تحوّلات الإنسان لا بدافع التوثيق، بل رغبةً في الفهم والإنصات لما يُقال وما يُخفى.

في تجربته المسرحية، لا يكون النصّ نهاية الطريق، بل بدايته؛ إذ تتحوّل الخشبة إلى فضاءٍ للتفكير الجماعي، ويغدو الجسد لغةً، والصمت سؤالًا، والفرجة اقتراحًا معرفيًّا لا إجابة جاهزة.

أما في مساراته الفكرية والنقدية، فيشتغل على تفكيك المعنى، ومساءلة السائد، وإعادة تركيب الأسئلة الكبرى: من نحن؟ ولماذا نكتب؟ وما جدوى الفن في عالمٍ يركض بلا ذاكرة؟

هو واحدٌ من أولئك الذين يثرون السباحة الثقافية لا بالضجيج، بل بالعمق؛ لا بالشعارات، بل بالأسئلة الحارقة، ولا باليقين، بل بالبحث الدائم عن معنى يتجدّد ولا يشيخ. فمن هو محمد الحسيناوي؟

محمد الحسيناوي كاتب مسرحي وروائي عراقي، عضو اتحاد الأدباء في العراق، ونائب رئيس الرابطة العربية للآداب والثقافة، وعضو نقابة الصحفيين العراقيين، إضافة إلى عضويته في عدد من النقابات والمنتديات الثقافية التي يعتز بالانتماء إليها.

كتب المسرح من وجع الأمة، والرواية من عمق الوجع. ورغم تخصصه الأكاديمي، اختار دخول مجال الإعلام، حيث تفوّق في إعداد وتقديم العديد من البرامج الأدبية، من أبرزها برنامج «كاتب وكتاب» الذي استمر سبعة مواسم عبر إذاعة الوعد. وقبل ستة أعوام، قرر العودة إلى الجامعة لفهم الإعلام بطريقة أكاديمية، فأكمل دراسة البكالوريوس في الإعلام. كما كتب المسلسلات الإذاعية، وأسهم في كتابة الأفلام القصيرة.

الحوار

س1: كيف تشكّل وعيك الإبداعي الأول، وما الذي قادك إلى المسرح تحديدًا؟

ج: لم يأتِ المسرح إليّ صدفة، بل جاءني كما تأتي الندبة الأولى في الروح. نشأت في الناصرية، مدينة لا تفصل بين الحياة والألم إلا بخيط رفيع؛ تتجاور فيها الثقافة مع الفقر، والحلم مع القسوة. منذ الطفولة كنت أبحث عن منبر أصرخ من فوقه دون أن أُتهم بالضجيج، فوجدت الخشبة؛ ذلك الفضاء الذي يسمح للحقيقة أن تتكلم مقنّعة بالفن. المسرح علّمني أن الألم حين يُقال جمالياً يصبح أكثر قدرة على البقاء. كتبتُ مسرحيات في سن مبكرة، وكان أغلبها معاصرًا لوقته، منها ما تناول فلسطين، وأخرى عن الوطن الموجوع بالحروب والحصار.

س2: أعمالك المسرحية مشبعة بالهمّ الوطني والإنساني، هل ترى نفسك كاتب قضية؟

ج: أنا لا أكتب عن القضية، بل أكتب من داخلها. الوطن لم يكن شعارًا، بل تجربة معيشة وجرحًا مفتوحًا. حين أكتب عن الفقر أو القمع أو الاحتلال، فأنا لا أمارس الخطابة بل أؤدي شهادة. المسرح بالنسبة لي محكمة كبرى لا تُصدر أحكامًا، لكنها تضع الجميع في قفص الأسئلة. واقعنا العربي فنتازيا موجعة لا تُصدّق، لكثرة ما فيه من جوع وضياع وعهر سياسي. علينا أولًا معالجة أوضاعنا الداخلية المؤلمة، ثم نكتب أحلامنا.

س3: كثير من النقاد وصفوا مسرحك بأنه يجمع بين الواقعية والرمزية، كيف ترى ذلك؟

ج: أنا ابن الواقعية، لكنني لا أؤمن بواقعية عمياء. الواقع وحده فظّ ويحتاج إلى الرمز كي يُحتمل. لذلك تجد في نصوصي شخصيات بلا أسماء، وأماكن بلا خرائط، وزمنًا مفتوحًا؛ لأن القمع واحد وإن اختلفت الجغرافيا. الرمز ليس هروبًا من الحقيقة، بل طريق أعمق للوصول إليها.

س4: اشتغلت على مسرح العبث والكوميديا السوداء، هل كان ذلك خيارًا فنيًا أم ضرورة؟

ج: حين يصبح الواقع عبثيًا، يعجز المنطق عن شرحه. الكوميديا السوداء لم تكن ترفًا، بل وسيلة دفاع. الضحك هنا ليس للفرح، بل للبقاء. في أعمال مثل المحكمة واللعنة والرصيف، العبث ليس شكلًا، بل مرآة مكسورة تعكس وجهًا مشوهًا للعدالة والسلطة والإنسان.

س5: ما الذي أضافته لك التجربة الإعلامية والصحفية؟

ج: الإعلام علّمني الاختصار دون خيانة المعنى، وعلّمني أن أصغي قبل أن أكتب. التحقيق الصحفي قرّبني من الناس، من تفاصيلهم الصغيرة، من حكاياتهم التي لا تصل إلى المنصات. لذلك بقيت شخصياتي مشدودة إلى الشارع والهامش، إلى الأصوات التي لا ميكروفون لها.

س6: لك حضور لافت في الرواية إلى جانب المسرح، كيف تختلف التجربتان؟

ج: المسرح صراخ جماعي، والرواية همس طويل. في الرواية أمتلك رفاهية التوغل في الداخل والذاكرة والتفاصيل النفسية، أما المسرح فهو مواجهة مباشرة مع المتلقي. أحتاج الاثنين؛ أحدهما يفضح الخارج، والآخر يعري الداخل. من أعمالي الروائية: صقر الجنوب عن الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والبحث عن الحياة التي تتناول معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة. ومن الأعمال قيد الطبع: سرجون الأكدي وحرب الآلهة.

س7: كيف تتعامل مع الألم بوصفه مادة إبداعية متكررة؟

ج: الألم ليس خيارًا، بل واقع مفروض. أنا لا أصنعه، بل أستمع إليه. أحاول ترويضه لغويًا ووضعه في سياق إنساني بلا ابتذال. حين يبكي المتلقي، فهذا لأنه تذكّر نفسه. أصعب الكتابة حين تكون شاهدًا على القسوة وتعيشها، ثم تحاول تحويلها إلى فن.

س8: ما الذي تطمح إليه بعد هذا المشوار الطويل؟

ج: أطمح إلى نص واحد صادق. أحلم بمسرح عربي حر لا يخاف السؤال ولا يساوم على الإنسان. وأحلم أن أظل قادرًا على الدهشة، لأن الكاتب الذي يفقد دهشته يفقد مبرر الكتابة.

س9: ما جديدك؟

ج: أنهيت رواية سرجون الأكدي: نهر من نار وسلالة من طين، ورواية حرب الآلهة، وهي ملحمة درامية فلسفية تتقاطع فيها صراعات السماء والأرض والعالم السفلي، أشبه بـ«إينوما إيليش» حديثة. كما أنهيت رواية طريق الحق الاجتماعية. مسرحيًا، سيصدر قريبًا صرخات الصمت والأيادي الوقحة، إضافة إلى مسرحية انتفاضة/حصار الرئيس التي ستطبع على نفقة منظمة التحرير الفلسطينية.

س10: كلمة أخيرة للقارئ أو المتلقي؟

ج: لا تبحثوا في نصوصي عنّي، بل عن أنفسكم. إن وجدتم وجعكم هناك، فأنا لم أكتب عبثًا. كل الشكر والتقدير لبرنامجكم وجهودكم الرائعة، وأمنياتي لكم بالتوفيق.

شكر وتقدير

شكرًا جزيلًا للدكتور محمد الحسيناوي على فيض المعاني، ورحابة الأفق، وعمق التفكير الزاخر بالعطاء والإبداع. كان هذا الحوار مساحة صادقة للتأمل، ونافذة مفتوحة على تجربة غنية تُضيء وجدان القارئ وتحرّضه على السؤال.

وإلى أن يجمعنا لقاء ثقافي آخر، لكم منا كل التقدير والاحترام.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading