3 مليارات درهم لإعادة الإعمار… لكن هل نتعلم من الكارثة؟حسن كرياط

ليست الفيضانات التي اجتاحت سهل الغرب واللوكوس مجرد حدث مناخي عابر، ولا هي رقم يُضاف إلى سجل الكوارث الطبيعية. إنها لحظة سياسية بامتياز، كشفت هشاشة المجال، وعرّت اختلالات التخطيط، واختبرت في الآن ذاته قدرة الدولة على التدخل السريع لحماية الساكنة وصون كرامتها.
قرار تصنيف أقاليم العرائش والقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان مناطق منكوبة، وتخصيص غلاف مالي يناهز 3 مليارات درهم لإعادة الإعمار والدعم، يعكس تعبئة وطنية ضرورية في لحظة حرجة. فحين تجتاح المياه أكثر من 110 آلاف هكتار، ويُجلى ما يقارب 188 ألف مواطن، لا يكون الحديث فقط عن أضرار مادية، بل عن اختلال في علاقة الإنسان بالمجال، وعن سؤال عميق يتعلق بمدى جاهزية بنياتنا التحتية لمواجهة مناخ لم يعد يشبه الماضي.
البرنامج المعلن، بمحاوره الأربعة، يلامس الجوانب الاجتماعية والاقتصادية الأساسية: إعادة إسكان المتضررين، دعم الفلاحين ومربي الماشية، التدخلات الاستعجالية، وتأهيل الطرق والشبكات والبنيات الهيدروفلاحية. غير أن جوهر النقاش لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الاعتمادات، بل عند فلسفة التدبير. فهل نحن بصدد إعادة بناء ما تهدم فقط، أم بصدد إعادة التفكير في نموذج تدبير المخاطر الطبيعية برمته؟
سهل الغرب واللوكوس ليسا مجالين هامشيين؛ إنهما من أهم الأحواض الفلاحية بالمملكة، وركيزة أساسية في معادلة الأمن الغذائي الوطني. لذلك فإن كل اضطراب فيهما ينعكس مباشرة على الاقتصاد المحلي والوطني. وإذا كانت التحولات المناخية قد أصبحت واقعًا مفروضًا، فإن المقاربة الترابية الاستباقية لم تعد خيارًا، بل ضرورة استراتيجية. تهيئة الأودية، توسيع مجاري التصريف، ضبط التوسع العمراني في المناطق المنخفضة، وتفعيل أنظمة إنذار مبكر فعالة، كلها إجراءات يجب أن تتحول من توصيات تقنية إلى سياسات عمومية ملزمة.
المسألة اليوم ليست فقط في التعويض، بل في العدالة المجالية. فالمناطق المنكوبة غالبًا ما تكون ذات هشاشة اجتماعية سابقة، تجعل آثار الكارثة مضاعفة. ومن ثم، فإن أي إعادة إعمار حقيقية ينبغي أن تدمج البعد الاجتماعي في عمقها: دعم الاقتصاد المحلي، تقوية شبكات الحماية الاجتماعية، وتحفيز الاستثمار في البنيات القادرة على الصمود.
لقد أظهرت الأزمة أن التضامن الوطني حاضر، وأن الدولة قادرة على التعبئة السريعة. لكن التحدي الأكبر يظل في تحويل لحظة الألم إلى فرصة إصلاح. لأن الكارثة، في بعدها السياسي، ليست فقط ما تُخلفه من خسائر، بل ما تفتحه من إمكانات للمراجعة وإعادة البناء على أسس أكثر صلابة وإنصافًا.
إن 3 مليارات درهم قد تعيد ترميم الجدران والطرق، لكن الرهان الحقيقي هو أن تعيد أيضًا بناء الثقة، وتؤسس لمرحلة يكون فيها تدبير المخاطر جزءًا من صلب النموذج التنموي، لا مجرد رد فعل ظرفي أمام غضب الطبيعة.





