مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

هل يمكن حقا إعادة تربية الإنسان المثقف؟ الدكتور عبد السلام فزازي – أغادير

صورة رقمية تظهر شخصًا بملامح واضحة، يرتدي سترة داكنة وقميص مخطط، مع خلفية مبهجة تحتوي على ألوان دافئة وعناصر طبيعية.

سؤال محير هذا الذي بات مقلقا إلى حد الجنون، والقلق فيه مركب بشكل يدعو إلى طرح أكثر من سؤال، أكيد غدا بشكل واضح إشكالية ويا لها من إشكالية. فمن ينكر منا أننا حقا نعيش في عالم يتطور بسرعة مذهلة، لا يحتاج إلى تأكيد، علما أنه غدا وحده يتولى الكلام؛ ولعل المعادلة المربكة فيه تتجلى في أن المثقف الانسان يحتاج إلى إعادة التفكير في ماهيته، ولماذا وجد في هذا العالم أصلا، بل ما الذي كان، بل يجب أن يكون يميزه عن غيره من البشر؟ فبالأمس القريب كنا تعلمنا على مستوى القيم التربوية في المدارس وقبلها في الأسرة أن الثقافة لا يمكن لها أن تكون ثقافة إن لم تكن موازية، بل ومقرونة بمنظومة تربوية مطلقة، ويجب أن تتجدد بتجدد الانسان ذاته، ولعلها الغاية التي كنا نسعى إليها بل شببنا عليها على الطوق؛ وكما كنا نخاف ونحن نقرأ وندرس تربويا تكميلا لما كنا نتقاه تلقائيا وبالفطرة خوفا من أن نسقط في المحظور. وحين عشنا ورأينا بل وسمعنا ما لم يكن في الحسبان أن بعض الفلتات الإنسانية خرجت عن الجادة، بل زاغت إلى حد أثار حفيظتنا، حيث تحول المثقف مع الأسف الشديد إلى طاحونة أتت على الأخضر واليابس؛ وعلى سبيل المثال لا الحصر، تحول المثقف الذي اختار البحث الأكاديمي إلى أول من أنقلب على ميثاق أكاديمي مقدس، ليثور على كل التقاليد والمعايير الأكاديمية، فتحول بين عشية وضحاها إلى ناهب للقيم مقابل هوى النفس، فرضي لنفسه الفساد مسلكا واختيارا، وهكذا خسر نفسه كما خسر العالم في الآن نفسه. فتحول فيه المثقف الكاريزمية إلى مجرد عبء فكري، ووسيلة للتمويه، بدلا من أن هذه الثقافة الأكاديمية كان من الأجدر أن تكون لديه منهجا وأداة للتحرر والتنوير…

ولعل هذا المنعطف الخطير الذي تشهده جل بلدان العالم العربي والإسلامي وبشكل من الأشكال قد تعيشه حتى بعض الدول الغربية، هذا ما يستدعي طرح سؤال مستعجل مفاده: هل نحن في حاجة ماسة ومستعجلة لإعادة تربية المثقف المغربي والعربي والإسلامي على حد سواء؟ قد يبوء السؤال غريبا في وقت كنا نعتبر المثقف منارة يستنار بها في عالم متوحش اختلط فيه الحابل بالنابل، كانت كل الأشياء قابلة للمساءلة عدا عالم الثقافة التي من المفروض أن تكون منزهة عن كل عبثية تثير الشفقة، بل تثير فينا طرح ما لم يكن في الحسبان طرحه.

وإذا كان الأمر كذلك، فكيف السبيل إلى إعادة تربية المثقف ومن يربي من في آخر المطاف؟ فما وقع على سبيل المثال لا الحصر من فساد في الجامعة المغربية وليست باقي الجامعات كائنا من كانت في حل من هذه الانزلاقات نحو الفساد المستشري، حيث غدت الشواهد تباع وتشترى دون حسيب ولا رقيب، وفي ذات الوقت، كنا نسمع بهذه التجاوزات التي يندى لها الجبين، ولم نكن نفكر أننا يوما سنكون ضمن هذه المؤسسات الوضيعة، والتي يجب أن تنتقل من الفساد الى إعادة الاعتبار لها على أساس أن هذه الانزلاقات تعتبر في آخر المطاف استثنائية، ولا يمكن أن نزج بالعلماء النبلاء في هذا الاستثناء، علما أن الشاذ لا يقاس عليه، فقط يجب استحضار سياسة الزجر ورد الاعتبار لمؤسسات تعتبر حقا مرآة للوطن.

ولعل هذه الأمور بعينها هي من تجعلنا نتساءل اليوم باستغراب: من يكون رباه الانسان المثقف في زمن تداخلت فيه الحقائق الى حد الجنون؟

ألم نتعلم منذ زمن أن المثقف في حقيقة الأمر ليس فقط من يمتلك معرفة موسوعية تؤهله لإتقان أدوات التحليل والنقد بمنطق علمي لا يختلف عنه اثنان؛ بل اليس هو وفي مساره الثقافي والفكري من كان سعيه إلى إدراك مدارات الواقع وتأهيله بغية الوصول إلى الغاية المنشودة، وما يجعله حقا يختلف عن باقي الأنام؟ تلك أمور تعتبر عندنا منذ أن أدركنا تفاصيل المثقف الكاريزمية، سمات تجعله أو من المفروض أن تجعله أمام مسؤولية أخلاقية تجاه المجتمع الذي ينتمي إليه أو بالأحرى المجتمع بصفة عامة؛ وقديما نعتوه بالناطق باسم هذا المجتمع، وصوته الذي من الأجدر أن يعتبر صوته العاكس للضمير الجمعي. هكذا كانت صورة المثقف في زمن نعتز بالانتماء إليه والانخراط في تفاصيله، على الأقل استجابة لما تعلمناه من أساتذتنا، ومن أمهات الكتب التي قرأناها واستوعبنا تفاصيلها، وما كان لنا أن تختلط علينا الأمور كما هو الشأن اليوم.

لكن وللأسف الشديد، غدونا في زمن التفاهة نرى في المثقف أو المثقفين عامة، معشر أناس غرقوا في الأيديولوجيات إلى أن أصبحوا أسرى لها، وكما دارت عليهم الدائرة ليسقطوا في النخبوية المقيتة، نقصد النخبوية السياسية التي تتنافى والنخبوية الفكرية، ومع كل هذا، سقطوا ونجوم في السماء تنظر ولا تسعف في شرنقة المصالح الذاتية الضيقة، فضاع فيهم في آخر المطاف المثقف الكاريزمي الذي طالما كنا نعتز به في زمن الثقافة الحقيقية المشتهاة، فأصبح بين عشية وضحاها دوره الوظيفي سلبيا عوض الدور التنويري. فإذا كان نداؤنا اليوم يتجلى في البحث عن كيفية إعادة تربية المثقف، وهو أمر لا يمكن استساغته نظرا لماهية هذا المثقف عبر الزمان والمكان، فإننا اضطررنا اضطرارا الى قبول هذا النداء، ضاربين القيم والمبادئ التي شب عليها هذا الكائن خلافا لباقي الأنام؛ علما أن كثيرا من مثقفي اليوم لا يشبهون في شيء مثقفي الأمس، فباتوا يوهمون أنفسهم أن عليهم أن يبحثوا عن الأبراج العاجية، يعيشون فيها متناسين أنهم يمثلون المجتمع، ولهذا فمن العيب أن يعيشوا في حل من مجتمعاتهم؛ وفي آخر المطاف كيف يقبل من هؤلاء أن يتحولوا إلى ما هم عليه اليوم وفي انفصال تام عن واقع الناس، ونبضهم، ومعاناتهم التي غدت تشبه السرطان المستشري في جسم من يمثلونه.. ولعل هذا الصنف من مثقفي اليوم، عادة ما يعتقدون أنهم الحقيقة المطلقة، تلك التي تخول لهم إبداء نوع من الأنانية الفكرية التي يجب أن تميزهم عن باقي أفراد المجتمع الذي يمثلونه، وهذه مأساة المثقف في زمن التفاهة، وهم بكل تأكيد يعتبرون جزءا من هذه التفاهة، وهي سابقة في عالم الثقافة. ومن سخرية القدر أنهم أصبحوا في عجز تام على الحوار، ولا حتى قبول النقد الذي طالما تبنوه طواعية، والحال أن هذا ما جعلهم يوما يمتازون ويتميزون عن السياسيين وباقي عباد الله. فهل ثمة أشياء جديدة ترمم فكرهم، وتعيد لهم ثقافة حداثية تنبني على التواضع المعرفي، والاعتراف بمحدودية الذات مهما بدت لهم بلا حدود تذكر على اعتبار أنهم الحقيقة المطلقة…!

وعود على بدء، فإن على مثقف اليوم أن يتصالح أولا مع الذات، وثانيا الانفتاح على الآخر وما لديه من تجارب قد تضيف له الكثير؛ ألم يتبنى سقراط وبكل تواضع حكمة: أنه كان يولد الأفكار من الجميع مثلما كانت أمه تولد النساء؟ ولعل إعادة التربية التي ذهبنا إلى النداء بها، تقتضي من المثقف أن ينفتح على جميع التجارب الإنسانية كائنا من كانت، والانفتاح على باقي الأصوات النابعة من المجتمع بتشكلاته وأطيافه البشرية ومللهم ونحلهم؛ وهذه الميتا -انفتاحيه قد تعيد للمثقف أولا وقبل كل شيء إنسانيته التي بدت تتلاشى بشكل مهول، والعملية التصحيحية هذه قد تكسبه عمقا معرفيا لا يمكن أن يتحقق فيمن اختار سيرة حي بن يقظان الانعزالية بديلا.

والعودة إلى الذات والتصالح مع المجتمع حقيقة تجعل المثقف ينخرط حقا في محيطه ولا يوليه الأدبار، والسعي إلى إعادة الاندماج مع أفراد المجتمع بدون اقصاء ولا تفكير في التعالي الذي لا يليق به وبميثاق بصم عليه بالعشرة حين قبل الانخراط في ماهية الثقافة. ومن المشين حقا أن يسقط المثقف في ايديولوجيات تقيد وتققن حريته التحررية، وتنزع عنه غشاوة أصبحت تحجب عنه الرؤية التي طالما تمتع بها حين لم يكن قد تزوج بعد الأيديولوجيا عدوة المثقف بامتياز.

ولعل قراءتنا هذه للمثقف بين الأمس واليوم، نعتبرها مجرد وجهة نظر قابلة لقراءات عديدة والحال أن السؤال على حد قول أولمبيو ايكو يبقى مفتوحا على أكثر من قراءة، وأكثر من وجهات نظر، وليس عيبا أن نطالب اليوم بإعادة تربية الانسان المثقف، ونحن طبعا فردا من أفراد نفس البيت، ودعوتنا هذه لا تمثل أي وصاية لا على المثقف ولا على الفكر بصفة عامة، بل غيرة على محاولة إمكانية التفكير في الإنقاذ إن بقي وقت للإنقاذ، فقط طفح الكيل إلى حد لا يقبل تضييع الوقت، فالثقافة كما درسناها وأدركنا ماهيتها، لا تعتبر كما يعتقد البعض أنها غاية في ذاتها، بل وسيلة لفهم وإدراك الذات والآخر على حد سواء..

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading