مقالات نقدية

«مدينة منكوبة في جيب المعطف» قراءة عاشقة في نص ” بلل لا يراه أحد ” لثورية الكور – مراد اللحياني- تونس

  في هذا النص، تقف الشاعرة ثورية الكور عند حافة البوح، حيث الجملة الصغيرة «أنا بخير» تتكشّف كقناعٍ متشقق، يلمع للحظة أمام الحياة ليخفي مدنًا من الخراب. العبارة، في بساطتها، ليست سوى خدعة دفاعية نمارسها جميعًا، لكنها هنا تُسحب من سياقها اليومي لتصبح مفتاحًا وجوديًا: نحن نمارس الكذب الطريّ على ذواتنا كي نستطيع المضي، بينما يتراكم في الداخل حطام لا يُقال. إن بداية النص وحدها كافية لتشير إلى مأساةٍ أوسع، لأن «بصوت مكسور» يكشف أن حتى الكذب يحتاج إلى عكاز ليسنده.

الصورة التالية، «تمشي على عكاز الوقت»، تستحضر بذكاء هشاشة الإنسان أمام الزمن: لسنا نسير واثقين في هذا العالم، بل نتوكأ على زمنٍ قد لا يرحمنا. هذه الاستعارة لا تصف الحركة فحسب، بل تشير إلى أن الزمن نفسه هو الجسر المتهالك الذي يسمح لنا بالاستمرار. في عبارة «وبقلب في جيب المعاطف»، يتضاعف الإيحاء: القلب، رمز الحياة والمشاعر، يُخبأ كما يُخبأ شيء هشّ يخاف البرد أو الضياع. هذه الصورة تحوّل المعطف إلى بيتٍ بديل، والجيب إلى تابوتٍ صغير، في إيماءةٍ عميقة إلى الخوف من كشف الألم.

حين تقول الشاعرة ثورية الكور: «كأن الألم سلّم كهربائي»، فهي تخلخل الاستعارات المعتادة عن الألم. عادةً ما يُرى الألم كعائق أو هاوية، لكنها تحوّله إلى آلة صعود، وكأن كل ألم يحمل في داخله وعدًا بالعلوّ. لكن النص لا يترك لنا الوهم كاملاً: الألم لا يصعدك وحده، بل أنت الذي يقف عليه مترددًا، معرضًا للسقوط. أما «الوجع ظرف بريدي» فصورة مذهلة، إذ تضع الحزن في هيئة رسالة. هنا يتكشف سرّ آخر: نحن لا نتلقى الرسائل الطيبة دائمًا، فالحياة تبعث أحيانًا طيّ فرحٍ منسيّ ورائحة نعنع، كأنها تعتذر عن قسوتها عبر هدايا صغيرة عابرة. رائحة النعنع تحديدًا تفتح بابًا حسّيًا: إنها الرائحة التي ترتبط بالبيت، بالشفاء، وبالأمسيات الدافئة، فتأتي لتخفف من صرامة الرسالة.

المقطع الأعمق والأكثر كشفًا في النص هو: «ما لا نعرفه، أن في داخل كل منا مدينة منكوبة تتظاهر كل صباح أن الحياة عادية، أن الخبز ساخن، والقهوة جاهزة، وأن كل شيء سيمضي». هنا تكمن براعة الشاعرة ثورية الكور في توظيف التفاصيل اليومية: الخبز والقهوة، رموز الاستقرار والروتين، تصبح شواهد على التمثيل الكبير. المدينة المنكوبة ليست صورة خارجية، بل استعارة عن أرواحنا المثقلة. هذه المدينة تتقن فنّ التنكّر: تُشعل الأفران وتُعدّ القهوة كي توحي أن العالم لم ينهدم، بينما في الحقيقة الخراب مستمر.

ثم تأتي الجملة التي تحفر في الذاكرة: «أن لا شيء يمضي، بل نحن الذين نُسحب كقطعة قماش تحت مطر غزير». هنا تبلغ الصورة ذروة الشفافية: لسنا سادة حركتنا، لسنا نمضي بإرادتنا، بل تُسحب أرواحنا بلا حول. المطر الغزير يضاعف الإحساس بالبلل، بالثقل، بالعجز. والختام: «ولا أحد يرى البلل» هو ذروة العزلة، إذ لا أحد يلحظ ثقل البلل الذي يكاد يمزق القماش. إنها استعارة للخذلان الاجتماعي، لعجز الآخرين عن رؤية مآسينا الداخلية.

من الناحية الأسلوبية، النص يتنفس بانسيابٍ بطيء يشبه السير تحت المطر. لا نجد فيه فواصل خطابية أو صراخًا عاطفيًا، بل همسات متقطعة توحي أكثر مما تُصرّح. الجمل القصيرة الموزونة («بصوت مكسور»، «بنبرة خافتة»، «بقلب في جيب المعاطف») تخلق إيقاعًا متتالياً يُشبه دقاتٍ مكتومة في صدر النص. هذا الإيقاع الداخلي هو ما يجعل القراءة تبدو كطقسٍ حميمي، لا كعرضٍ خارجي.

إحدى جماليات النص تكمن في ثنائية الإخفاء والكشف. الشاعرة ثورية الكور تُظهر أشياء وتخفي أخرى. تقول لنا «أنا بخير» لكنها تُريك العكاز. تعطيك النعنع لكنها تُبقي المدينة منكوبة. هذا اللعب بين النقيضين يمنح النص عمقًا فلسفيًا: نحن نعيش تناقضاتٍ دائمة، نتظاهر بالتماسك بينما نتهاوى داخليًا، نتلقى الفرح مختلطًا بالحزن.

ومن زاوية رمزية، المعطف ذاته يرمز إلى الحماية المؤقتة، إلى محاولة الاحتماء بالعالم الخارجي. لكن وضع القلب في الجيب يوحي بانكماش العاطفة، ربما لأن القلب أصبح عبئًا أو لأنه يحتاج إلى التدفئة بعيدًا عن العيون. المطر، على الجانب الآخر، ليس فقط رمزًا للحزن، بل هو أيضًا للتطهير والولادة. هكذا يتحول النص إلى جدلية بين الغرق والتطهّر: نحن نُسحب تحت المطر، لكن المطر نفسه قد يكون بداية حياة جديدة.

تتجلى حساسية الكور اللغوية في اقتصارها على عناصر ملموسة: الخبز، القهوة، النعنع، المطر، المعطف. هذه التفاصيل المألوفة تُعطي للنص ملمسًا واقعيًا يجعل القارئ يتماهى معه، لكنها في الوقت نفسه تتحول إلى رموز عميقة تفتح باب التأويل. إنها كتابة تتقن الاقتصاد في الزخرفة، وتراهن على قوة الصورة لا على الزينة البلاغية.

كما أن اختيارها لعبارة «ولا أحد يرى البلل» كخاتمة يعكس وعيًا إيقاعيًا ودلاليًا. هذه النهاية الموجزة، المفاجئة، تجعل النص يترك أثرًا طويلًا في الذاكرة، وكأن البلل بقي عالقًا بالقارئ نفسه.

الشاعرة ثورية الكور، في هذا النص، تكشف سرّ الكتابة بوصفها مقاومة صامتة: ليست محاولة لقول الحقيقة كاملة، بل لالتقاط ظلالها. ليست رغبة في الشرح، بل رغبة في النجاة. النص يُشعر القارئ أنه ليس وحده في تظاهره: كلنا مدن منكوبة، نمارس حيل البقاء، نضع قلوبنا في الجيوب، ونخفي بللنا عن العيون.

هذا النص لا يمكن قراءته كفكرة واحدة أو استعارة منفردة، بل يجب التعامل معه كنسيجٍ تتقاطع فيه الصور والهمسات. إنه نصّ يذكّرنا أن الألم ليس دوماً صارخًا؛ أحيانًا يكون هامسًا، يتدلى من حافة معطف، يتخفى في رائحة نعنع، ويقف في طوابير الخبز الساخن.

بهذه البراعة، تجعل الكور من «أنا بخير» مرآةً لخرابٍ أكبر، وتمنحنا من خلال فوضاها المكتوبة لحظة صفاء: أن نتوقف عن الكذب على الحياة للحظة، ونرى بللنا. هذا النص، بتواضعه الظاهر وعمقه الخفي، يثبت أن الشعر الحقيقي لا يحتاج إلى صخب ليترك ندبة، وأن فوضى الكتابة قد تكون الطريق الأكثر صدقًا إلى ترتيب أرواحنا المبللة.

النص :

“بللٌ لا يراه أحد”

ثورية الكور

أنا بخير،

تلك كذبتنا في وجه الحياة

التي نقولها،

بصوت مكسور

أنا بخير،

جملة بلا أطراف،

تمشي على عكاز الوقت،

بنبرة خافتة،

وبقلب في جيب المعاطف

لا عليك… أنت بخير،

ستتخطى الأمر وستكون بخير

كأن الألم سلم كهربائي،

يصعدك للأعلى ما إن تقف عليه،

حتى تصل….

والوجع ظرف بريدي،

تفتحه فتجد فيه فرحة منسية

مرفقة برائحة النعنع،

ما لا نعرفه،

أن في داخل كل منا مدينة منكوبة

تتظاهر كل صباح أن الحياة عادية،

أن الخبز ساخن،

والقهوة جاهزة،

وأن كل شيء سيمضي..

لكن الحقيقة…؟

أن لا شيء يمضي،

بل نحن الذين نُسحب

كقطعة قماش تحت مطر غزير،

ولا أحد يرى البلل……

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading