كن شاهدا/ماري جيكتسيل-ترجمة : د.محمد عبدالحليم غنيم
شَهِدَت خطيبة المغتصب قبل الغداء. حين دخلت القاعة، تبادلت مويرا وآنا نظرة صامتة مليئة بالدهشة. كانت امرأة جذابة في منتصف الثلاثينيات تقريباً، بشعر أنيق وساقين طويلين، كانت ترتدي فستانًا أنيقًا وحذاءً بكعب عالٍ ، وتتصرف بوقار وهدوء. كان سؤال عينيها واضحاً: هل تصدقين أن هذا الوحش لديه صديقة طبيعية؟
سألها المدعي العام عن مدة علاقتها بصديقها وكيف تعرفت عليه. ردت: “منذ ثلاث سنوات في حفلة”. ثم سألها إن كانت تعرف المرأة التي اغتصبها خطيبها، أو إن كان قد ذكرها أمامها قط، فأجابت بالنفي. سألها عن مكان خطيبها أثناء وقوع الجريمة، فقالت إنها ظنته عند صديقه جاك. ثم سألها عما وجدته في سلة المهملات مساء ذلك اليوم، فأجابت: “سروال داخلي مثير عليه آثار لزجة”. وعندما سألها إن كان خطيبها يطلب منها ارتداء ملابس داخلية “مثيرة”، أجابت بنعم، وكأنها تكتشف – في ذلٍّ وحيرة – أنها مخطوبة لرجل اعتدى على عجوز.
أثناء توجههما لتناول الغداء في المقهى، لوحت مويرا وآنا خفيةً لـ”سيكسي جي”. شعرتا بالشفقة على خطيبة المغتصب، وتساءلتا: كيف كان يعاملها؟ وكيف تتخطى معرفتها أن الرجل الذي خطبها أجبر عجوزاً على ارتداء سروال مفتوح، اغتصبها، ثم عاد ليلقي الأدلة في سلة مهملاتها لتكتشفها؟
قالت مويرا:
– الأرجح أنه لم يفكر حتى في احتمال رؤيتها لها .
أجابت آنا:
– لا بد أنه غبي حقاً .
أحست مويرا أن آنا شعرت بالارتياح لأنها لم تبرر فعل المغتصب هذه المرة – لم تقل مثلاً أن المعلمة المتقاعدة والعاهرة ربما كانا يلعبان لعبة عنيفة. تحول هذا الارتياح بسهولة إلى حديث عن بنات أخت مويرا ومسلسل رعب أثار ضجة.
لكن بينما كانتا تتناولان السندويشات وتتصفحان هواتفهما، كانت مويرا تفكر فيما سيقوله إيدي. نعم ، ربما تكون الخطيبة جميلة، لكن إن كانت في أواخر الثلاثينيات أو حتى في الأربعين، فإن “قيمتها في سوق الجنس” (كما يسميه البعض) قد انخفضت بشدة، وعليها أن تقبل بما يتاح لها. والسؤال الأهم: لماذا يلاحق هذا الرجل عجوزاً ذابلة وهو قادر على الحصول على شيء أفضل؟ لم يكن إيدي ليتحدث بهذه الفجاجة معها عادة، لكنها سمعته يتحدث بهذه اللغة مع رود، ورأت مقالات مشابهة على حاسوبه – يالصدفة – تصنف النساء: “تحت العشرين = الأفضل، الثلاثينات والأربعينات = نساء من الدرجة الثانية، فوق الأربعين = انتهى عمرها”.
على الرغم من اعتراضها السطحي (“ما هذا الهراء الذي تقرأه؟”)، فإنها في العمق تدرك واقعية هذه الأفكار. كان يقول إنه لا يأخذها بجدية، لكنها “مثيرة للاهتمام”. وأضاف: “الحياة أكثر تعقيداً، فيها الحب. يبدو أن بعض هؤلاء الرجال لا يفهمون ذلك”. جلسا بهدوء لبرهة طويلة، وانتبهت مويرا لحفيف الأصوات الآتية من الخارج، والروائح الخافتة الداكنة، والعطر العميق لزهور الليلك. كان ذلك يمنحها شعورًا بالانسجام، بإحساس أنها تتقبل ما تعجز نساء أخريات عن تقبله: غرائز الحياة القاسية. مد إيدي يده من كرسيه وأمسك بيدها، فشعرت بألفة اللمسة ذاتها بعد كل هذه السنوات.
**************
أسوأ ما حدث في الصف لم يكن بفعل مارك. لكنه جعلني أشعر بشيء ما تجاهه مرة أخرى، شعوراً ظل عالقاً في نفسي وربما أثر عليّ عندما سألني والدي عنه.
كنت قد كلفتهم بواجب يتطلب منهم الانقسام إلى أزواج وإجراء مقابلات مع بعضهم البعض، ولم أسمح لـ”تايرون” أن يكون زميلاً لمارك لأن آخر مرة فعلا ذلك كانت كارثية. غضب تايرون وشعر بالإحراج لأنه لم يرد أحد أن يكون شريكه. بدأ يصرخ أمام الفصل، وعندما طلبت منه الذهاب إلى مكتب المدير، تقدم نحوي بطريقة تهديدية لدرجة أنني رفعت يديّ وكأنني سأقاتله. كان ذلك رد فعل غريزيًا ولم يكن ذكياً؛ فقد جعله ذلك يندفع نحوي بقوة أكبر.
انفجر الصف كله في ضجة خائفة، لكن ما سمعته بوضوح كان صوت مارك، مرتفعاً وناعماً كما كان حين كان صغيراً، يقول: “تايرون، لا!” لكن تايرون استمر في التقدم؛ دفعني بقوة بجسده. حاولت ضربه، لا أتذكر حتى إن كنت أصبته. ثم انقض عليه ولدان وسحباه بعيداً عني، وانتهى الأمر. لم يكن مارك أحد هذين الولدين. لكنه هو، صوته، هو ما أتذكره أكثر من أي شيء آخر.
تحدثت مع معلم آخر عن الحادث، وقال لي شيئاً بقي عالقاً في ذهني أيضاً. لا أستطيع أن أنقل كلماته بالضبط، لكنه كان شيئاً مثل: “أولاد مثل مارك لديهم القدرة على أن يصبحوا أسوأ بكثير من شخص مثل تايرون. تايرون ليس معقداً؛ كل شيء فيه على السطح. أنتِ محقة بشأن مارك؛ في داخله طيف. إذا شعر أن لا بأس في أن يكون هكذا، سينفصل عن جوهره. سيفعل ذلك ليبقى على قيد الحياة. لكنه سيكون ضائعاً، بلا مركز، بلا خريطة. سيسير في طريق سيء حقاً.”
لا أعرف لماذا ما زلت أسترجع هذا الماضي. وفي الحقيقة، أنا لا أفكر بذلك. هذه الأشياء تومض في ذهني فجأة. ربما أحاول أن أفسر الأمر لنفسي. أو أحاول أن أشعر بتحسن، بتذكره كطفل صغير. لكن ذلك لا يجدي نفعاً.
**********
بعد الغداء، أدلى جاك، صديق المغتصب، بشهادته. كان رجلاً حسن المظهر في الأربعينات من عمره، ويبدو أنه كان مدركًا لذلك تمامًا: دخل إلى قاعة المحكمة مرتديًا بنطال جينز أسود ضيقًا وسترة جلدية سوداء، متبخترًا بخفة وبابتسامة صبيانية. كان هو الشخص الذي تولى إدارة المتجر بعد وفاة والد الضحية، والذي أعاد لاحقًا توظيف مارك كارتر، واصفًا إياه بأنه “رجل عظيم”.
سأله المدعي العام عمّا إذا كان السيد كارتر قد زاره فعلًا مساء يوم السبت الذي تعرّضت فيه الآنسة بيتريسنسكي للهجوم. تظاهر جاك بالتفكير وقال: “ربما نعم، ربما لا، أنا لا أفكر جيدًا في مساء السبت”، وابتسم ابتسامة عريضة ناظرًا إلى هيئة المحلفين عند قوله ذلك.
سأله المدعي العام عمّا إذا كان هو ومارك على علاقة طيبة مع الآنسة بيتريسنسكي — هل كانت العلاقة ودية؟ هز جاك كتفيه وقال: ” أكيد، باستثناء أنها كانت أحيانًا تتذمر من السيارات التي تسد مدخل سيارتها”. وأضاف أن صراخها على قطتها كان يزعجهما أحيانًا، وكذلك صوت التلفاز المرتفع إلى درجة أنه كان يعرف ما يجري في برنامج “ذا باتشلور” من دون أن يراه — ونظر مجددًا إلى هيئة المحلفين بابتسامة خبيثة وكأنه يتشارك معهم مزحة معروفة.
سأله المدعي عمّا إذا كان على علم بأي تاريخ سابق أو عداء بين مارك كارتر والآنسة بيتريسنسكي. أجاب: ” قليل من نعم، وقليل من لا”. قال إن مارك ذكر ذات مرة أنها كانت معلمته، لكن ذلك كان “منذ مئة سنة”، ولم يتحدثا في الأمر.
ثم سأله: هل كان يعلم إن كان مارك كارتر يمتلك قناع كلب من مادة النيوبرين؟ أجاب ضاحكًا: ” نعم، مارك كان عنده قناع كلب، وكان مرعبًا بحق! لونه أسود بالكامل وشكله رائع. أحيانًا، بعد إغلاق المتجر، كنا نشرب ونستمع إلى موسيقى ديث ميتال، وكان مارك يرتدي القناع ويطاردني في المتجر وهو ينبح!”ابتسم مجددًا، وعيناه الماكرة تجولان على هيئة المحلفين.
أطلق “سيكسي جي” صوتًا خافتًا من الذهول وعدم التصديق.
**********
بعد وفاة والدنا، تدهورت صحتي. كنت في التاسعة والخمسين من عمري، أعاني من السكري والألم العضلي الليفي ومتلازمة شوجرين وآلام العمود الفقري، وكلها تفاقمت ذلك العام. تقاعدت بإعاقة، لكن المعاش لم يكن كافياً. كانت أختي تعيش في الشقة فوق محل والدي منذ أن فقدت وظيفتها في شركة “باير”، وكان يكتفي بتحصيل الإيجار بما يكفي لتغطية فواتير الماء والخدمات، وهذا كان جيداً لأنها لم تجد عملاً سوى كعاملة تعبئة بضائع في متجر بقالة. عندما توفي والدي، تولى إدارة المحل أحد أصدقائه أولاً، فلم يرفع الإيجار كثيراً عما كانت تدفعه، لكنها مع ذلك كانت سعيدة بانضمامي للعيش معها. خاصةً أن مشاركتي في الإيجار مكنتها في النهاية من شراء حاسوب رخيص للبحث عن رجال عبر الإنترنت – وكان عمرها خمسة وخمسين عاماً! كانت تقضي وقتاً طويلاً على ذلك الجهاز، وكنت أظنها تثير سخرية الآخرين، لكنها نجحت في النهاية: اختارت من رأت أنهم يستحقون المحاولة، ثم قضت بعد الظهر في “ستاربكس” لإجراء مقابلات معهم. أخيراً، وجدت رجلاً لطيفاً يدعى ميك، وانتقلت للعيش في منزله في ميلفيل. بعد ذلك بفترة، تقاعد صديق والدي وتولى ابن أخيه جاك إدارة المحل. أقنعه والده بعدم رفع الإيجار، وظل الأمر كذلك لفترة طويلة. ثم عاد مارك للظهور، وارتفع الإيجار خمسين دولاراً. فكرت في الانتقال، لكنني لم أجد شيئاً في متناول يدي.
الآن أنا أعيش مع أختي في ميلفيل، أنام على سرير صغير قابل للطي في غرفة المرافق؛ لدى قطتي زيلفا وعاء طعامها وصندوق فضلاتها في الزاوية. تنام معي تحت البطانية كل ليلة، تخرخر بعصبية وتدلكني بمخالبها. بقيت في ميلفيل لمدة أسبوع قبل أن أتمكن حتى من العودة لجلب أغراضي. ذهبت مع أختي وصديقها. اخترنا يوم الجمعة لأن الحادث وقع يوم السبت. كنت أعرف أن جاك سيكون هناك، لكنني لم أتخيل مدى صعوبة رؤيته. ربما لم أفكر في الأمر لأنني عادةً ما كنت أتجنب رؤيته أيام الجمعة – فهو يكون مشغولاً بالعمل داخل المحل.
لكن عندما وصلنا، خرج فجأة. ظهر عند الباب بينما كنا نصعد الدرج. قال مخاطباً صديق أختي وكأنه لم يرني :
– هل يمكنني مساعدتكم؟
ثم قال:
– أوه، مرحباً، الآنسة بي، هل عدتِ؟
بدأت أرتعش. ابتسم كطفل مؤذٍ. لم يفهم ميك الموقف بعد، فقال:
– اعذرنا.
وواصلنا الصعود، لكن ارتعاشي كان شديداً لدرجة أن أختي اضطرت لمساعدتي. قالت:
– ساعدها يا ميك.
فأمسك بذراعي.
*********
قلت لجاك أنها كانت معلمتي، وأنني كنت أتلصص على ما تحت تنورتها وهي تقرأ. ضحك حتى كاد يسقط من شدة الضحك، وأصبحت هذه القصة موضوعاً نتندر به، خاصة عندما كنا نشعر بالملل ونقتل الوقت بعد إغلاق المحل، بينما كان صوت برنامج “ذا باخيلور” يخترق السقف من الشقة العلوية. كان يسخر مني لأنني أنجذب للنساء الأكبر سناً، ويقول إن صديقتي المثيرة أصغر مني بكثير. كنا نتحدث عن مدى قذارة النظر تحت تنورتها الآن، وكان يقول لي: “هيا، تعرف أنك تريد ذلك، أتحداك أن تصعد وتضاجعها!” كان الأمر مجرد مزحة!
لكن الحقيقة أنني بدأت أفكر في الآنسة بيترسينسكي عندما كنت مع ليندي. لا أقصد أن أتخيل نفسي أفعلها بها، لكنني كنت أتخيلها واقفة في الزاوية مرتدية ملابس داخلية مثيرة، تتعمد إثارتي. أحياناً كنت أتخيلها كما كانت تبدو في الماضي. وأحياناً أخرى كنت أتخيلها كما هي الآن.
***********
ما إن دخلنا شقتي حتى شعرت بالحاجة إلى دخول الحمام. حاولت أختي أن ترافقني إلى الداخل، لكنني أبعدتها قبل أن نصل إلى غرفة النوم. كان الباب المضروب لا يزال مخلوعًا من أحد مفاصله، وبقايا من شريط الشرطة الأصفر كانت عالقة في الخشب. استخدمت المرحاض دون أي شعور بالخصوصية. غسلت يديّ وتذكّرت قبضته وهي تخترق الباب. نظرت إلى المغسلة وفكرت أنني لن أستعمل فرشاة أسناني هنا مرة أخرى، ولن أغسل وجهي وأطفئ النور وأذهب إلى النوم في سريري القديم.
كنت أضع جهاز السمع، فسمعت ما كانوا يقولونه في الغرفة الأخرى. قال ميك:
– أعتقد أنني سأذهب لأخبر ذلك اللعين في الطابق السفلي أن يبقى في جحره عندما ننزل مرة أخرى.
وأضاف:
– لو كنت أصغر سنًا، لكنت ضربته حتى سال دمه.
تلك كانت كلمات أبي. هذا ما كان أبي سيفعله.
تخيلت أبي واقفًا هناك، يشيح بوجهه، مدركًا أن هذا حدث في بيته، وأن لا شيء بوسعه فعله.عندها شعرت بالغضب.
*************
وأخيرًا، أدلت المرأة العجوز بشهادتها. كانت تبدو مسنّة حقًا، أكبر من ثلاثة وستين عامًا—لعل مويرا كانت ستُخمِّن أنها أكبر بعشر سنوات على الأقل. كان ظهرها منحنياً، وكانت تتعثر أكثر مما تمشي. لكن وجهها كان صلبًا؛ كانت تصبغ شعرها بلون بني داكن وتصفّفه بطريقة قصة “الصبي” الكلاسيكية. كان ذقنها مدبباً ومربعاً في آنٍ واحد، أشبه بصخرة. وصوتها كان صلباً. لقد تأثرت مويرا بصلابتها.
قالت العجوز إنها لم يخطر ببالها للحظة أن الرجل الذي اقتحم بابها كان هناك ليغتصبها؛ ظنت أنه جاء ليسرق مالها. أخبرته بمكان حقيبتها، وفي تلك اللحظة أخرج قطعًا من الملابس الداخلية المكرمشة. حدّقت فيها بدهشة؛ لم تصدق أنه كان يلمّح بيديه أنها يجب أن ترتديها. لأن القناع المرعب كان يغطي رأسه بالكامل ولأنه لم ينطق بكلمة، لم تتعرف عليه.
سألها المدعي العام:
– هل تعرفين من هو الآن؟ هل يمكنكِ ذكر اسمه؟
اعتدلت العجوز في جلستها، ودوّى صوتها في القاعة عندما قالت: “مارك كارتر”، وانعقدت شفتاها بازدراء وهي تنطق الاسم.
– اسمه مارك كارتر، وقد اغتصبني على أرض أبي.
آخر من ظهر كان مارك كارتر نفسه. لم يحضر شخصياً. المحقق الذي استجوبه أحضر تسجيلاً صوتياً لاعترافه وعرضه عليهم. كان التسجيل ردئ الجودة، لكن الصوت كان واضحاً جداً. بدا ودوداً ومرحاً. بدا أصغر بكثير من عمره الحقيقي (الخمسين). بدا كمراهق.لم يعرض المحقق التسجيل كاملاً، فقط الجزء الأخير. سمعت هيئة المحلفين المحقق يسأل مارك:
– أريد فقط أن أتأكد أن الجميع يعرف. عاملناكَ بشكل جيد، أليس كذلك؟ لم نُجبرك على قول أي شيء أو حتى نضغط عليك، صحيح؟
أجاب مارك بحماس:
– لا، لا. كنتم لطيفين جداً معي.
– كنت جائعاً، فأحضرنا لكَ بيتزا….
– نعم، وكوكاكولا!
– حتى أننا سمحنا لكَ بالخروج لتدخين سيجارة، أليس كذلك؟
– نعم، كنتم رائعين !
– إذاً أنت تتحدث الآن لأنك تريد ذلك .
– نعم. نعم، أريد ذلك.
– كانت معلمتك، أليس كذلك؟
– نعم، كانت كذلك. أخفقت كثيراً في صفها. وأخفقت أكثر الآن. يا رجل، أنا آسف.
-أعلم أنك آسف. وأعلم أنك تريد إصلاح الأمر. من أجلها. من أجل الآنسة بيترسينسكي.
– نعم. هذا ما أريد فعله. من أجلها. من أجل جيني.
الطريقة التي نطق بها اسمها—بحنان. جعلت جلد مويرا يقشعر. لأن الأمر كان غير منطقي. وكان واضحاً لا لبس فيه.
*********
تحدثت آنا ومويرا عن الأمر قليلاً فقط في طريق العودة إلى المنزل. قالت آنا:
– من أين يأتي هؤلاء الناس؟ “
فأجابت مويرا:
– لا أريد أن أعرف حتى.
قالت آنا:
– كان غبياً لدرجة أنك شعرت بالشفقة تجاهه.
فقالت مويرا بحدة:
– لم أشعر بالشفقة. إنه حيوان منحرف.
قالت آنا بسرعة:
– أعرف، أعرف… لكن… لا أدري. أتفق معك.
سادت لحظة من الصمت ثم بدأتا تتحدثان عن أشياء أخرى:عن كم كانت مس بوتشي ممتعة في السابق؛ عن تلك الليلة التي التقت فيها مويرا بإدي هناك؛ عن الفروق في التوقعات الاجتماعية بين الرجال والنساء في ذلك الوقت. تناولتا الحديث عن “سيكسي جي”، الذي – بحسب ما لم تعد مويرا تتذكر إن كانت عرفته من قبل – اسمه الحقيقي كان جوناثان. رأت آنا أنه غير مستقر نفسيًا؛ لم يتزوج قط، لكنه أنجب طفلين من امرأتين مختلفتين.
قالت:
– أعتقد أنه من النوع الذي يدخل في شجارات دائمة مع جيرانه.
عندما عادت مويرا إلى المنزل، كان لديها متسع من الوقت لإعداد العشاء، لكن المكونات كانت محدودة: سباجيتي، وعلبة صلصة طماطم، ولحسن الحظ بصلة جيدة وبعض النقانق في الفريزر، بالإضافة إلى جبن بارميزان. وأخيرًا، بعض الريحان من الحديقة. شعرت أن إدي كان راضيًا. تناولا طعامهما وهما يتنقلان بين القنوات، بالكاد يتبادلان الحديث. كانت تعرف تقلبات مزاجه، وتلك النظرة المركزة في عينيه عندما يكون غارقًا في شعور قوي لا يريد الحديث عنه. الرجل الذي يعمل لديه قد يكون وغدًا، رغم أنه كان صديقًا قديمًا.
انتظرت حتى الفاصل الإعلاني لتحدثه عن قضية الآنسة بيتريسينسكي ومارك كارتر. لم تكن تنوي الحديث عنها، ليس فقط بسبب القاعدة التي تمنع ذلك، بل لأنها ظنت أنه سيعلّق تعليقًا ساخرًا عن “عجوز مثيرة”. لكنه لم يفعل. عندما أعادت عليه كلمات المرأة:
“لقد اغتصبني على أرض أبي”
ظل صامتًا، لكن تعبير وجهه تغيّر، وشعرت أنه تأثّر بكرامة العبارة. قال أخيرًا:
– سفاح مريض… يفعل ذلك بعجوز!
قالت:
– نعم… لكن كان هناك شيء آخر أيضًا. شعرتُ أن بينهما ماضٍ، شيء مظلم يعود إلى سنين بعيدة. كانا يعرفان بعضهما. كان واضحًا من طريقة حديثهما، من الطريقة التي نطق بها اسمها.
ثم أعادت على مسامعه الطريقة التي نطق بها مارك كارتر اسم المرأة، بلهجة مفعمة بالمودّة. قال إيدي:
– اللعنة! إنها قصة حب! تلك العجوز منحته أفضل جنس في حياته، يستحق كل دقيقة يقضيها في السجن! هذا الوغد المريض!
ثم عاد البرنامج التلفزيوني للظهور، واستمرت الليلة. لم تعترض مويرا على كلماته في تلك اللحظة. حتى أنها شعرت بحقيقة غريبة فيها، شيء معقّد وقوي برق للحظة ثم اختلط مع نسيج الحياة اليومي. لكن لاحقاً، عندما كانا في السرير، أعادت فتح الحديث. قالت:
– ما قلته ليس صحيحًا، بخصوص القضية اليوم. هي لم تُعطه شيئًا. هو انتزع ذلك منها عنوة.
في البداية لم يعرف إدي عما تتحدث. ثم قال:
– أعرف. كانت مجرد طريقة في الكلام. لا تدققي في كلماتي.
ثم التفت كل منهما إلى جهته لينام.
لكن مويرا بقيت مستيقظة. أخيراً، في الثالثة صباحاً، ارتدت رداءها ونزلت إلى الطابق السفلي. رغم البرد، خرجت إلى الشرفة المسيجة وجلست هناك، تسمع صوت مارك كارتر الطفولي الغريب يقابل ازدراء العجوز المهيب، كلماتها الملحمية. جسدها الممزق. قصة حب. شعرت بموجة من شيء لا يمكن تحديده، يتصاعد داخلها بقوة مخيفة. مرة أخرى عادت إليها رائحة الليل: ريحانها الشهي، ليلكها المتقد، وتعقيد الأشياء غير المرئية.لكن هذه الأشياء لم تهدئها. وفجأة، تذكرت تانيا، طفلتها الصغيرة، إحساس جسدها، يديها الصغيرتين وأظافرها الدقيقة. تذكرت فرح حبها وخوفها القاتل من هشاشة الطفلة. قفزت الدموع إلى عينيها وانحدرت على وجهها. حب عاجز، وخوف نبوئي؛ وفي انعطافة حادة، اختلط هذان الشعوران بغضب جارف، دفعها إلى الوقوف فجأة، والدم يندفع في عروقها أرادت أن تحطم شيئًا أو أحدًا. لكن من؟ من تستهدف؟ تخيلت نفسها تضرب المغتصب على وجهه وجسده، لكنها لم تشعر بالرضا. كلا، لم تكن تريد أن تحطم ذلك الرجل الحزين الغبي. إذاً من؟ ماذا؟ جلست في البرد، تتنفس بعمق وتنتظر أن يزول هذا الشعور. بقيت جالسة لفترة طويلة.
(النهاية )
——————
الكاتبة : ماري جيتسكيل / Mary Gaitskill روائية وكاتبة مقالات وقصص قصيرة حائزة على جوائز مرموقة. رُشِّحت أعمالها لجائزة الكتاب الوطني، وجائزة دائرة نقّاد الكتاب الوطني، وجائزة بين/فوكنر. وقد نُشرت كتاباتها في مجلات بارزة مثل النيويوركر، وهاربرس، وإسكواير، بالإضافة إلى سلسلتي أفضل القصص القصيرة الأمريكية وقصص جائزة أو. هنري.





