مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
النثر الفني

كتاب كامل: صلاح عبدالعزيز – من أعلى كمطر ومن جانب البحر… (إحتفاء مؤقت)

⭕️
..
6
..
الجموح فى البرية مع غراب أبيض
مستحيل
مثل الجموح فى جمع عالم ممزق بإبرة ..
لكن جموحى واقعى تماما
وكنا على وشك أن نلتقى لولا الخيانات ،
لولا قذارة يناير فى كل عام ..
يناير الذى لا تنجح فيه الأشياء بل تتيبس ..
نجرب سنين عديدة
وفى كل مرة يعود يناير القاسى
ونفشل مرات ومرات
ويتكرر مرات ومرات ..
ذلك الجموح مع غراب أبيض فى البرية
يعنى أننا على وشك أن نلتقى ..
..
مبارك تلك السماء التى أنجبتنى
ومبارك شعبى حين ميلاد موت أو ميلاد حياة ..
ومبارك لكل تجار الخديعة والنساء
ومبارك لكل الخمور الرديئة والكؤوس المحطمة
للفقراء فى برد الشتاء
وساكنى الخيام
وأصحاب المذابح
مبارك لذلك المطر الدموى
من أسفل إلى السماء السابعة ..
..
لا قطع يدك يجدى ولا احتواء الفقر
يجدى
⭕️
..
7
..
ولا يجدى انفرادك فى البرية
أنت صياد خائب فريسة للفرائس
مطارد بثقل الإنسانية
الأمهات والأطفال والشيوخ وبكاء البيوت
وامتلاء الأنهار بطوفان صراخ دائم
كم تحتمل
ساعات ، أيام ، أسابيع
بل سنوات عمرك المضنى
وتاريخ عدو لا يرحم
ولا يريد لك الهروب
يختار لك الوقت حيث أنك لا تريد أيضا الهروب
كيف تهرب وأنت بلا عدو لا شئ
..
الأوقات المناسبة للقتل
كل الأوقات
جاؤوا من أعلى كمطر
ومن جانب البحر كسلاحف
ومن البرية ككلاب وضباع وذئاب
تغولوا بأسنانهم لروح عالقة تنتظر
أخوة أرواحهم عالقة ينتظرون موتا جماعيا
أصبح كلنا عالقون سنوات وسنوات
لا راحة ولا رحمة
بذلك العبث انتقلنا تحت التراب
فيما كان العدو يرقص فوقنا تماما
..
داس أحدهم على إصبعى فاستيقظتُ بورم
كان شاهدا
ربما يأتى طفل من أطفالنا
يستظل ببقايا التاريخ والذكرى
وجغرافية قديمة
ربما ينقش مراهق ما كتبه عن حبيبته
الأكبر سنا والمعوقة بفعل قذيفة
عن أمانيه بالشفاء
ربما يأتى رجل ويبحث عن إخوة من زمن قديم
كانوا فى ذلك المكان الذى ربما كان حديقة
نلعب بها ونختبئ
..
نحن ما وصلنا إلى نهاية الطريق
كل أمانينا
محاولة العيش
محاولة العثور على لقمة لعيالنا
كيس دقيق حتى ولو تناثر بالرمال
حطب نستدفئ به
لا يليق بى أن أبكى كحل سريع لاستقبال فاجعة
كل الفواجع مرت من هنا
وعلى صليبى نظرت حديقة الشوك
تخرج من أجساد الأجنة
..
ويتناثر الثلج على كوكب القرود
نحن مصلوبون فى البرد
على أخشاب صنعها البشر الموتورون
ومصابون بانفصام
ولا أطباء
ولا مشفى
وكلنا بشر
بعضنا طيب
بعضنا ردئ
⭕️


..


8
..
من أدمن توفير الوقت لغيره يخطئ باستبدال عمره
بوقت ميت
غابت الأصابع فى الشجن بآلة خرساء
وغبت عن الروح فى النشاز
من يستطيع أن يبادلك
ومن يرى حياته فى لحظة منهارة
كمن يعيد بناء وهميا
ليس للجنون حد
إذا كنت تدركين ما معنى أن
يختلط الهزل بماء مستنقع
فى علاقة غياب قصرى
ومحدد سلفا
أن تظلين بلا هوية
كآخر الحروب
لست واثقا أن يهمكِ ما أنا فيه ،
تخضعين لمن لا خضوع له وتغرقين فى الصمت ،
كنبتة على الباب عطشى ،
أو
كمدرج طائر لا يود الهبوط ،
أو
كشجرة فى أول مفترق تهوى
كما لم تلدك أمك ولادة عادية ،
وتظلين كما أردأ الأعوام
بلا مسؤولية
تجاه من لا اتجاه له
..
عرضنا أجسادنا على الغرباء
مجرد هياكل
كأنما العتمات منة
وكأنما الجوع منة
ولحومنا مشوية فى الهجير
تلك ولادة ليست عادية
أن تأكلنا الضفادع ومن ليس بشرا
وأنت
كجنين ميت قبل أن يولد
مثل فاتورة غير مجدية
للدفع
وتظلين جرحا لا يندمل
⭕️
..
9
..
وكل الجراح هكذا
وما يهمنا غير انبعاث فى الأرض الجدباء
مررنا على سكان المدينة فى ظل قابض الأرواح
شبكت يدى بيديك وأصابعى بأصابعك
ووسط الحشد تهنا
ظل قابض الأرواح ممسكا بيدى
وما بين موتين كطائر مذبوح عشت
لكنك بأى أرض أو بأى كهف تنتظرين
الضياع فى تلك المدينة أمر هين
أقصى ما يكون من المرء أن يبحث
ويظل متوهما بيد يمسكها
كمن يخدع نفسه بقشة على ماء
رأسه بأسفل ويده عالقة بالهواء
الفقد مثل ذلك الوهم
والنداء بحنجرة ميت لا يسمعه القريب
وحتى الموتى منشغلين
وأنا وأنت ولا ثالث
كلهم ماتوا
حتى من رقصن على قبرى
لم يسعفهن الوقت للفرح
وربما أجد لك قبرا ألقى عليه كلمة مواساة
كنت هنا مرة حيث مدينة عامرة
أبحث بين سكانها عنك
كنت هنا مرة وتهت
حيث لا أعرف لك وجها
ولا مقرا
ولا صوتا يحدد ملامحك بين الناس
الناسِ المتشابهى الوجوه
لا خط فى الوجه لا علامة
هل تخيلتِ يوما أن نتواجه كمرآتين
فنجد شخصين متشابهين فى الأنين
وفى المصير
وفى الموت
⭕️
..
10
..
نعم
أعمارنا بيد الله
لكن أن تعيش ميتا وبلا عمر فى الموت
مثل القهر تماما
الرجال المقهورون بفضل نساء مقهورات
يعرفون أن القهر ذبحة قلبية
بطيئة بطء الزمن
أو سريعة سرعة الزمن
ما بين السرعة والبطء
حسب ما يتوقف على السعادة والألم
يمر الزمن أو لا يمر
تلك مشكلتنا ( أنا و أنت )
أنا بطئ الزمن
وأنت سريعة الزمن
كيف يلتقى الزمنان
أقف على شاهد قبرى كل يوم :
“يا من فى الداخل هل تقوم الساعة دون أن تلقاها أو تلقاك “
فأجيب :
“نعم يا من بالخارج ويا من ليس لك وجه ولا صوت”
وطوال الحوار هكذا
أروى نباتاتى وأمضى
مشفقا على نفسى
من وحدتى بين القبور المتراصة
وشواهدها أمضى
كمن لا يمضى مطلقا ..
⭕️
..
11
..
ومن أجل شهوة تتجسد بها الحياة
أصبحنا فى اللاحياة
ما يهمنا أنا أصبحنا بلا تجسد
بعد تلك الشهوة مباشرة وانقطعت سبل التواصل
أعرف : لا فرار من الموت
لكنه فاجأنا قبل السقوط بكثير
كنا فى أوج عنفواننا نطيح بسفينة الرغبة
فى موج يلبس زى وجود إلهى
ارتفع الموج المدمر وافترقنا
القدر أحيانا يا عزيزتى يلبس قناع اللقيا
فيلقينا بعيدا بيننا جبال وأودية ووحوش
فى غابة أرق ثم غابة أرق ثم غابة أرق
يستنزفنا ولا مطلع للفجر
ولا أحصنة تقود الروح
ومن أجل شهوة كنتِ
كما خلق بلا راع أكلهم الذئب
وحين أدخل بيتى ينتابنى إحساس بأن روحك
فى مرآة حولها أمشاط الشعر وعلبة التلك وأحمر الشفاه
وأحب أن أضع مكياجا لك بيدى
فلا أجد غير وجهى يواجهنى
أتلعثم فى غابة الأرق
ولا مطلع لفجر ولا روح تقودها أحصنة العلب المتناثرة
كجبال وأودية ووحوش
⭕️
..
12
..
لا تتلاعب بى مرة ثانية اليوم تبحث الروح عنى وأهرب لا أستطيع أن ألمها مع جسدى وأهرب من لقيا مستحيلة الحائط بينى وبينى لا يمكن استبداله لا يمكن أن يعم السلام بينى وبينى أنا اقتلعتنى من ترابى وغرستنى فى ترابى وما بين الترابين بلاد ماكرة وشعوب مسترقة وأنا بينى وبينى مجزأ كفتات خبز فى فم طائر وطائر وطائر (١) أطير وكل الأرض ليست تحتى تحتى نيران تأكلنى (٢) أطير وكل الأرض تحتى تحتى قارات بلا بحار وبلا شعوب (٣) أطير وكل الأرض بينى وبينى لكنها عامرة بشياطين إنس بلا أنبياء ، وكلما لعبت تلك اللعبة الخائبة أقع كفتات خبز من فم طائر ..
وككل الطيور الخليطة لا تقر ، ما بين الدعاء والكروان ليل طويل ولست كروانا يؤذن مثل ديك الفجر ، الطيور الخليطة ما كانت لتجمعها غيرها وما كانت لتفرقها غيرها وعندما اختفت اختفيت منى ، أبحث عن لعبة أخرى وأكره من يتلاعب بى وأبحث عنها لكنها أيضا كفتات خبز فى فم طائر وطائر وطائر (١) تطير وأنا وراءها فى ذهول (٢) تطير وأنا أمامها فى فرح (٣) تطير وأنا بين بين لا حزن ولا فرح ، فلا أعرف روحى من روحها ولا جسدى من جسدها ومع ذلك أبحث
⭕️
..

الصفحة السابقة 1 2 3 4الصفحة التالية
زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading