قراءة نقدية لقصيدة (النزاري الأخير)للشاعر محمد جلال الصائغ✍أكرم توفيق

تنهض هذه القصيدة على حوار داخلي بين صورتين للذات .. ذات ماضية متخمة بالفتنة الحسية والانتصارات العاطفية وذات حاضرة خرجت من تجربة حب قاسية وقد فقدت يقينها القديم.
ومن هذا التوتر يتشكل البناء الدرامي للنص ليبدو وكأنه اعتراف طويل يراجع فيه الشاعر سيرته الوجدانية.
منذ العنوان (النزاري الأخير) يحيل النص بوضوح إلى عالم الشاعر نزار فباني ليس بوصفه تقليدا أو محاكاة بل بوصفه رمزاً للشاعر العاشق الذي جعل المرأة محورا للكون الشعري. فالمتكلم يرى نفسه امتدادا لذلك الإرث لكنه امتداد متعب ومجروح وكأن (النزاري الأخير) هو آخر المؤمنين بديانة الحب قبل أن تهزمه الخيبة.
يفتتح الشاعر قصيدته بصورة وجدانية مؤثرة
دمعٌ يليقُ بكلِّ الحزنِ في صدري
منذ التقينا بروحي لم يزل يجري
حيث يتحول الدمع إلى نهر مستمر في إشارة إلى أن الحب لم يكن حدثا عابرا بل قدرٌ وجودي رافق الروح منذ لحظة اللقاء.
وفي المقطع الأوسط تتجلى النزعة النزاريّة بأوضح صورها إذ يستدعي الشاعر قاموس الجسد والأنوثة والافتتان فتتوالى صور النهد والنهر والخصر والثغر والغواني في رسم شخصية شاعر كان يرى نفسه أميرا لمملكة العشق
أميرُ عصري… يدي تمتدُّ في شبقٍ
إلى الغواني فيهمي الليلُ بالسُّكرِ
لكن هذا المجد العاطفي المزعوم يتحول فجأة إلى سؤال وجودي حاد
فكيفَ في ساعة حمقاءَ مجدبة
تركتُ مجدَ الندى سعياً إلى القفرِ؟
وهنا يبلغ النص نقطة التحول الأساسية إذ ينتقل من الفخر بالتجربة إلى محاكمة الذات فالقفر ليس المكان بل الخيبة والجدب ليس في الحبيبة وحدها بل في المصير الذي انتهى إليه العاشق.
ومن أجمل ما في القصيدة هذا التحول الصوفي المفاجئ
ودرتُ في جُبَّةِ الدرويشِ منجذباً
أصيحُ يا غوثَ روحي ساعةَ الذكرِ
فالعاشق الذي كان يحتفي بالجسد يجد نفسه لاحقا في مقام الدرويش الباحث عن الخلاص.
وهنا تتجاور مفردات العشق الحسي مع مفردات التصوف والذكر والوجد بما يمنح النص عمقا دلاليا يتجاوز قصة حب فردية.
أما المقطع الأخير فيمثل لحظة الانكسار الكاملة
أضعتُ عمرا على أبوابِ ضحكتها
وما وجدتُ سوى النكرانِ والغدرِ
إذ ينكشف الوهم الذي عاشه الشاعر وتظهر المرأة لا بوصفها معشوقة أسطورية بل إنسانة عادية لا تبادله مقدار ذلك الولع. ومن هذه الصدمة يولد قرار التمرد
الآن أتركُ إيماني بها..
واللافت أن الشاعر يستخدم لفظة (إيماني) لا (حبي ) وكأن الحب كان عقيدة كاملة انهارت فجأة.
غير أن النهاية لا تستقر على اليأس بل تعود إلى الروح النزاريّة الأولى حين يعلن فتح قلبه مجددا للحب وللشعر
وكلُّ من راودتني سوف أمنحها
حباً عظيما وبستانا من الشعرِ
وهي خاتمة تحمل شيئا من التحدي أكثر مما تحمل من التعافي فكأن الشاعر يريد أن يقنع نفسه بأن خيبة واحدة لن تقتل فيه قدرة العشق.
فنيا تتميز القصيدة بسلامة موسيقية واضحة وتدفق عاطفي متماسك وكثافة في الصور الحسية والصوفية كما نجح الشاعر في بناء قوس درامي يبدأ بالافتتان ويمر بالانكسار وينتهي بمحاولة استعادة الذات.
إنها قصيدة عن سقوط عاشق كان يظن نفسه سيد الحب فاكتشف أن القلب مهما بلغ من الخبرة يبقى قابلا للهزيمة أمام امرأة واحدة.
ولذلك تبدو (النزاري الأخير) سيرة وجدانية لشاعر يتأرجح بين نزار العاشق والحلاج المتصوف وبين نشوة الامتلاك ومرارة الفقد
القصيدة





