مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

في مركز أمانة ثانوية أبي حامد الغزالي كان اللقاء-رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر

صورة لرجل بملامح جادة، يرتدي بدلة وقميصاً مع ربطة عنق، مع خلفية ملونة مائية.

في البدء كان اللقاء وفي الختام كان الاحتفال، وبين بدء اللقاء ونهاية الاحتفال خضنا تجربة أمانة شهادة بكالوريا شهر يونيو من سنة ألفين وستة وعشرين مع أناس في ولاية بشار لا نعرفهم، لكن أرواح هؤلاء الأساتذة مجندة ألفناهم وألفونا وفي الألفة شعرنا بمحبتهم الصادقة تغمرنا وطيبتهم القوية تنساب على قلوبنا، متجلية بالوفاء والإخلاص، فهي صفات عديدة في أساتذة عروس الساورة بشار قاطبة، نابعة من الفلسفة اللوغوسية والحكمة الفلسفية، ففيتاغورس اليوناني كان محبا للبشر، محبا للحكمة، وهذا الشيخ الطبيب الرئيس ابن سينا تغلب عليه الحكمة بدل الضلال ويتحكم فيه العقل بدل الهوى، والرازي أبو بكر يحاول بجهد صادق، وضع العقل موضع الحاكم الأول على الأشياء جميعاً، ويورجين هابرماس فيلسوف القرن العشرين، فلسفته متحررة من التسلط والهيمنة والبيروقراطية والرأسمالية ووضع قواعد للفكر تقوم على الحوار الحر واللغة بين الأفراد وهي أسرع وسيلة للتفاهم وأسرع وسيلة لتواصل.
وصلنا نحن الثلاث مركز أمانة ثانوية أبي حامد الغزالي على الساعة السادسة والنصف صباحاً: الشيخ الطيب موسى طاهوري، وأستاذ علم التجريد باجي لحسن؛ أستاذ الرياضيات التي تتمتع بجاذبية خاصة وسحر أخّاذ وصلتنا نحو عشرين مقالة ورسالة رياضية لعالم البصريات الحسن بن الهيثم في الهندسة المستوية والمُجسَّمة وخواص القطوع المخروطية والحساب والعدد وكاتب المقال رحموني عبد الكريم الذي يعتبر الكتابة ميكانيزم الحياة، ونبض الكاتب في لحظات التجلي الإبداعية أستاذ مادة الفلسفة، التي تم تعريفها في كتابنا الموسوم ب “مقالات في الفكر والفلسفة والأدب”: « للتفكير الفلسفي علامات يقفوها الفطن ويهتدي إليها الذكي، يحوكها العالم وينسج على منوالها، يعشقها الفيلسوف، ويتشبث بها كل محب للحكمة الفلسفية والباحث عن الحقيقة المعرفية.
هذه العلامات صفاء في الفكر، واستقامة في التأمل، وإثارة للسؤال المنقب في حيثيات الموضوع بغية إشباع الفضول، و خلخلة للمفاهيم الجاهزة بغية إصلاح الذات المفكرة.
تلك وظيفة الفلسفة التي أتى عليها حين من الدهر لم تكن مذكورة، أو كما أرادها الدهماء ألا تذكر أبدا، لأنها قطعت ردحا من الزمن تبهرهم بإشكالاتها وتقلقهم بتساؤلاتها، وتجعلهم في مرية وحيرة.»
دخلنا مركز ثانوية أبي حامد الغزالي الشيخ الإمام البحر، عالم مسلم صوفي شافعي، يعد جهبذا من جهابذة علماء المسلمين، خاض بحر العرفان لا ساحل له، فالعارفون بالله هم القائمون بسلامة سرائرهم على فهم السنة، العاكفون عليها بقلوبهم؛ والعكوف يعني« الدخول في كل خلق سُنِّي والخروج من كل خلق دنئ» ، مادامت السنة العطرة لرسولنا الكريم عليه أفضل صلاة وأزكى تسليم، منبع لا ينضب، ونهر ماء غير آسن من طعمه زكت نفسه واستقامت أخلاقه، ومن غرف غرفة من النهر برئ من الوجع والسقم، فالدخول في مشيئة الخلق السني، وولوج النهر، الصاف، العذاب، المستساغ الشرب لمن أراد أن يَطعَمهُ أو على الأقل يغَترَف العارف غرفَة، توصله إلى الحقيقة، فهي عبارة عن تجربة في العالم يخوضها الصوفي انطلاقا من النص القرآني، ومشكاة النبوة فإما أن يتكشف له عن طريق الإلهام، أو يكتشف هو بنفسه عن طريق الإيجاد، وهذا ما حدث للغزالي بعدما تكشف له في شك أوشك أن يفقده عقله يقول أبو حامد: « كان قد ظهر عندي أنه لا مطمع لي في سعادة الآخرة إلا بالتقوى، وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله، قطع علاقة القلب عن الدنيا، بالتجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكنه الهمة على الله تعالى، وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب من الشواغل والعلائق ثم لاحظت أحوالي، فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي -وأحسنها التدريس والتعليم- فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة، ولا نافعة في طريق الآخرة. ثم تفكرت في نيتي في التدريس، فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت، فتيقنت أني على شفا جرف هار، وأني قد أشفيت على النار، إن لم أشتغل بتلافي الأحوال.»
استقبلنا رئيس المركز مبتسما، السيد المدير بوحركات بوشويحة الأستاذ الذي لا يُعرف أسمه من لقبه على حد تعبيره، والأستاذ بوحركات طيب القلب، هادئ الطبع، شديد الكرم وهي صفات أهل مدريسة تشكلت في أساسها من بدو رحل جاؤو من الجنوب يعرفون باسم زغبة والذين ينحدرون أساسا من القبيلة الكبرى لبني هلال في ولاية تيارت؛ تيهرت سابقا عاصمة الدولة الرستمية بقيادة عبد الرحمن بن رستم مؤسس مدينة تاهرت (بالجزائر) وأول من ملك من الرستميين وكان من فقهاء الإباضية بإفريقية، معروفاً بالزهد والتواضع، وله كتاب في (التفسير).وجاء الملاحظ من أقصى مدينة معسكر، دائرة تغنيف يسعى، هذه المدينة أم عسكر من أهم المدن بالغرب الجزائري ومن أقدمها جعلها صاحب كتاب المواقف إمارة وعاصمتها الأولى معسكر لمحاربة الإستدمار الفرنسي الغاشم، أُنَاسها مثلهم مثل البحر يعطي الكثير دون مقابل من الغير، حال الأخ العزيز داود بن ويس، والأخ الأستاذ شريط سيدي أحمد يتميز بطيبة القلب وخفة الروح وسماحة الوجه، أضفى على المركز أجواء رائعة، يبتسم للمُمْتَحَنين ويتفقد أحوالهم ويساعد العمال في توزيع قارورات الماء البارد عليهم، أقول في حقه هذا البيت من الشعر:
فقد أصبح الخير لا يفارقه۞۞ وأضحى الكرم باسطا له يداه.
والأستاذة حورية السيدة الناظرة للنظام تحبذ وللعمل تعشق، فتجدها مثل النحلة الدؤوب مثابرة، مداومة والأستاذة قلفوت عمل جاد، مستمر بجدٍ واجتهاد دون انقطاع.
كانت أجواء التأطير في المركز ممتعة والأساتذة في غاية الروعة، يعقوبي نور الدين الوسيم، الجميل، يحمل جهاز كشف المعادن، يتهافت المُمْتَحَنون عليه كتهافت الجراد على الخضرة، وجاء بن علال خالد يسعى من قصور الشمال بدائرة لحمر، يحمل كل يوم دلو الماء العذب غير آسن، بارد وشراب، سقية لأعضاء الأمانة بكري نور الدين أستاذ التربية البدنية التي قال عنها الخليفة الفاروق عمر بن الخطاب: « علموا أبناؤكم السباحة والرماية وركوب الخيل.» والأستاذ مطراني الحسين مستشار التربية الخلوق، كالطود الشامخ في وجه أدارة مديرية التربية لولاية بشار الظالمة له، السالبة لحقه واقفًا كالإعصار يقتلع جذور الفساد يذود عن حقه، فصدق الشاعر زهير بن أبي سلمى قائلاً: وَمَنْ لَمْ يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلاحِهِ يُهَدَّمْ وَمَنْ لا يَظْلِمْ النَّاسَ يُظْلَمِ
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسَبْ عَدُواً صَدِيقَهُ وَمَنْ لَم يُكَرِّمْ نَفْسَهُ لَم يُكَرَّمِ.
بحزم ونشاط دأب يعملون الشباب الأستاذ حمزة فلوس الرائع، الكريم وسرية محمد الأمين أستاذنا الطامح الحالم بالمستقبل الواعد في أرض المليون ونصف المليون شهيد التي قال عنها العربي بن مهيدي: « إنّنا سننتصر لأنّنا نمثل قوة المستقبل الزاهر، وأنتم ستهزمون لأنكم تريدون وقف عجلة التاريخ…لئن مت فإن هناك آلاف الجزائريين سيأتون بعدي لمواصلة الكفاح من أجل عقيدتنا.»
والأساتذة في استلام الأوراق يدققون خشية الخطأ من طرف الحراس وبين الفينة والفينة يخفف عنا أستاذ الحكمة اللوغوسية وطأة العمل بنكتة أو طُرفة تجعل من في القاعة يقهقه من شدة الضحك.
في البدء كان اللقاء ثم انتهى هذا هو الحال؛ حال الدنيا تجمعنا ثم تفرقنا على احتفال بهيج، إذ كانت امتحانات شهادة البكالوريا هذه السنة في الجزائر ناجحة إلى ابعد الحدود، والفضل يعود للسيد الوزير محمد الصغير سعداوي الذي اثبت نجاعة التسيير وقدرته على تحقيق الأهداف المطلوبة للنجاح رغم أقلام المثبطين، الناقمين والشامتين.
قائمة المصادر والمراجع:

  1. أبو حامد الغزالي: المنقذ من الضلال، تحقيق: عبد الحليم محمود، دار النصر للطباعة والنشر، الطبعة السابعة، سنة 1973.
  2. رحموني عبد الكريم: مقالات في الفكر والفلسفة والأدب،أدلس بلزمة،سنة2021، باتنة، الجزائر.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading