الحقيقة الفلسفية بين الطرح المثالي العقلاني والاتجاه الحسي التجريبي-رحموني عبد الكريم باحث من الجزائر

الحقيقة والفلسفة ثنائية معرفية شغلت الفكر الإنساني منذ الحضارات الغابرة والتفكير الفلسفي في الحضارة الإغريقية مهد التأمل والتفكير، النظر والتفسير، الكتابة والحكمة وشتى العلوم والفنون ، وحيرت عقل الفيلسوف كيفما اتجه ، حتى في انزوائه الصامت من هنا تنبثق هذه المشكلة ، فالفضيلة الأولى التي ترجى محبة الحكمة اللوغوسية، هي وفاؤه للوجود وإخلاصه للحقائق، فجبل الفيلسوف أصلا على وضوح البصيرة، وقوة الحدس، والاستنباط بتطبيق خطوات التحليل والتركيب والمراجعة، أنه يحب الحقائق أينما وجدت، لدى تتبوأ الحقيقة مكاناً مرموقاً عند فلاسفة اليونان، لا يدانيها إلاّ المعرفة التي شغلت بال الفيلسوف الذي بدأ يتضح ويتنظم، أي يتعقل ويتفلسف طالباً للمعرفة والحقيقة، إذ حاول الفلاسفة في كل عصر من العصور أن يبينوا الطرق المختلفة التي يتبعها العقل الإنساني لمعالجة هذه المشكلة، فالفيلسوف يبدأ تفكيره التأملي بالاستفسار عن طبيعة الحقيقة، ألا انه ساد الاعتقاد لدى الفلاسفة التجريبيين في العصر الحديث أن الحقائق الفلسفية مطابقة للواقع لا تحيد عنه، فظهرت إلى الوجود فكرة أخرى تناقضها يرى أصحابها الحقيقة تتجاوز الواقع الخارجي تسمو عليه.
فإذا كانت أطروحة أفلاطون القائلة: «الحقيقة يجسدها عالم المُّثل» صحيحة وصادقة. فكيف يمكن لنا إثباتها ؟ وما هي جملة الأدلة والبراهين التي نعتمدها لتبرير صحتها أمام منطق خصوم الاتجاه التجريبي؟
تقوم الحقيقة عند العارفين بها من فلاسفة الطرح المثالي في الحضارة اليونانية بقيادة الفيلسوف أفلاطون والمذهب العقلاني بزعامة أبو الفلسفة الحديثة، الفيلسوف الرياضي الفرنسي رونيه ديكارت، ومن سار على ضربه أمثال نقولا مالبرانش والفيلسوفان الألمانيان فريديريك هيجل وليبنتز أن الحقيقة فوق الواقع الحسي تسمو عليه، تُحَلِّقُ عَالِيًا ،تدركها عقول الحكماء، ترفض الواقع الحسي باعتباره عَالَمَ المتغِّيرِ، لكن للحكم العقلي الكلمة الفصل بين ما هو حقيقي وما هو غير حقيقي، كما يستند هؤلاء إلى مسلمة دامغة مفادها الحقيقة في اتفاق معارفنا مع الوقائع فوق الحسية لا يبلغها إلاّ العقل في عالم المثل عند أفلاطون والأفكار القبلية البديهية لدى ديكارت. ولأهمية الدفاع عن صدق الحقيقة تسمو عن الوقع التجريبي تتجسد في عالم المثل يمكن القول : هناك الكثير من الفلاسفة في الطرح الكلاسيكي المثالي والطرح الحديث العقلاني تعددت الآراء حول سمو الحقيقة عن الواقع، فهذا فيلسوف المثالية اليوناني أفلاطون يميز بين عالمين: عالم المحسوسات وعالم الُمثل، أما الأول مادي، محسوس، متغير، زائف، ناقص لا حقائق له، موجوداته بمثابة ظلال وأشباح لموجودات عالم المثل والثاني عالم معقول، ثابت، كامل فيه توجد النماذج العليا لكل الموجودات والعلاقة بين العالمين هي علاقة حقيقة بخيال فالحقيقة يجسدها عالم المثل يقول أفلاطون اليوناني: « الواقع الذي نراه ليس هو الحقيقة، بل هو ظل الحقيقة، عن طريق العقل يجب أن تذهب إلى الحقيقة بكل روحك. »[1]، ومن هنا، فللحقيقة قيمة فكرية وعلمية ومعرفية. لدى، يَرِدُ عند أفلاطون، « في (محاورة جورجياس) على لسان سقراط، أن الحقيقة اليقينية هي التي نعتمد فيها على الحوار العقلاني البناء والجدل المنطقي والمناظرة الحجاجية الهادفة، بدون اللجوء إلى استخدام الأكاذيب، وبلاغة المغالطة، وسفسطة الشك والمراوغة. «[2] ويعني هذا أن الحقيقة يجب أن تكون موضوعية، تقال لذاتها، وتتسم بالحرية والنزاهة والحياد والاستقلالية أثناء إبداء المواقف والآراء والمعتقدات، دون إكراه أو ضغط أو جبر، فالتفسير الأقرب هو « أن أفلاطون أراد من المُثل أن تكون أنموذجاً من الثبات والأزلية يحتذيه العقل في فهمه للواقع المتغير ولا جدال في أن لفكرة الثبات ارتباطات قوية في ذهن أفلاطون.»[3]
فالحقيقة بالنسبة للفيلسوف الفرنسي ديكارت هي عقلية فوق الواقع لا تعطى بالحواس الخمس، وضرب لذلك مثل الشمع عند إذابته بالنار، يفقد خواصه الحسية ولكنه يبقى شمعاً وفقاً للعقل يقول الفيلسوف ديكارت: « الحقيقة هي كل فكرة واضحة ومتميزة (واضحة بذاتها) لا تدع مجالاً للشك.»
إن اصطدام العقل بمعارف مختلفة ومتميزة جعل الوصول إلى الحقيقة حسب ديكارت يتطلب الاعتماد على طريقتين:
الأولى: الحدس ويعتمد في المعارف البسيطة المباشرة والتي يقوم صدقها على وضوحها وتميزها أمام الذهن.
والثانية: الاستنباط يعتمد في معرفة الأشياء المركبة والاستدلالية التي يتم فيها تطبيق ثلاث خطوات وهي التحليل والتركيب والمراجعة، وصدقها يتوقف على انسجام مراحلها.
للأطروحة السابقة خصوم وهم فلاسفة الاتجاه الحسي التجريبي بقيادة أبو الفلسفة التجريبية الانجليزي فرنسيس بيكون ومن واصل منهجه بدءاً من جون لوك ودافيد هيوم وصولا إلى جون ستيوارت مل أن الحقيقة عاكسة للواقع، فالمعارف التجريبية يتوقف صدقها على العالم الخارجي، فإذا تطابقت معه صارت حقيقية وإذا لم تتطابق مع الواقع الملموس فهي غير حقيقية، فالحقيقة عند التجريبيين إحساسات وانطباعات حسية وانتهوا من تحليلاتهم إلى التأكيد على الواقع كأصل للتصورات والأفكار، وجعلوا من الاعتقاد بديلا لليقين في معرفة الأشياء. يقول جون لوك: « ليس في العقل شيء جديد إلا وقد سبق وجوده في الحس أولا.»
إن إدراك الحقيقة عاكسة للواقع لا يتم إلاّ عن طريق نوافذ نطل بها على هذا الواقع فالحواس لا تنقل سوى انطباعات جزئية، ولا تستطيع وحدها بناء معرفة يقينية شاملة، والاعتماد الكلي عليها كمصدر للحقيقة يواجه الانخداع، حيث الحواس قد تخدع الإنسان، يقول ديكارت: « كل ما تلقيته حتى اليوم وآمنت بأنه أصدق الأشياء وأوثقها قد اكتسبته من الحواس أو بواسطة الحواس غير أني جربت هذه الحواس في بعض الأحيان فوجدتها خداعة؛ ومن الحكمة أن لا نطمئن كل الاطمئنان إلى من خدعونا ولو مرة واحدة.»[4]
ما نقوله أن «الحقيقة يجسدها عالم المُّثل» أطروحة أمامنا صحيحة وسليمة تقبل الدفاع والتبني والقبول لان مشروعية الحقيقة فوق الواقع، فهي إدراك الماهيات المجردة أي إدراك المثل وهذا هو العلم الذي به ننتقل من النسبي إلى المطلق، ومن الناقص إلى الكامل وهدفه تطهير النفس من ضلالات الحس والظن.
قائمة المصادر والمراجع:
- أفلاطون: الجمهورية، ترجمة: فؤاد زكريا، دار الكتاب العربي، مصر، طبعة 1968 م.
- رينيه ديكارت: التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتقديم وتعليق: عثمان أمين، تصدير: مصطفى لبيب، المركز القومي للترجمة، القاهرة.
[1] أفلاطون: الجمهورية، ترجمة: فؤاد زكريا، ص:150.
[2] أفلاطون: الجمهورية، ترجمة: فؤاد زكريا ، ص:151.
[3] المصدر السابق، ص:150.
[4] رينيه ديكارت: التأملات في الفلسفة الأولى، ترجمة وتقديم وتعليق: عثمان أمين،ص:99.





