مجلة رقمية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

صورة المرأة في في رواية «كيلوبترا الكنعانية»/ليندا عبيد العياصرة

2 1273

تتشكل رواية كليوباترا الكنعانية” محاولة لإعادة كتابة التاريخ، وهدم وجهة النظر الغربية التي حصرتها في إطار الغواية والجمال والتبعية لروما، إذ يعمد الكاتب هنا إلى خلق حالة من حالات الاسترداد الحضاري، والانتصار إلى الذات. فيؤكد على “كنعانية” الملكة، وهو توظيف أيديولوجي ذكي يهدف لربط الجغرافيا الفلسطينية/الشامية بعمقها التاريخي القديم، رداً على الادعاءات التي تحاول عزل المنطقة عن تاريخها

إن رواية كيلوبترا الكنعانية تشتبك مع صورة المرأة بوصفها كائناً تاريخياً وثقافياً وسياسياً، لا مجرد شخصية سردية هامشية. فالرواية لا تقدّم المرأة باعتبارها موضوعاً للحب أو الرغبة فحسب، بل تجعلها مركزاً للصراع الحضاري، ومرآةً لانكسارات المجتمع العربي وأسئلته الكبرى حول السلطة والجسد والهوية. ومن خلال شخصية “كيلوبترا” ذات الامتداد الرمزي الكنعاني، يفتح صبحي فحماوي أسئلته ليعيد مساءلة التاريخ الذكوري الذي حوّل الجسد الأنثوي عبر العصور إلى ساحة للصراع والاستحواذ.

تتشكل المرأة المتفردة / الملكة كيلوبترا في الرواية أنموذجا للمرأة الكنعانية المتجذرة الحاملة لثقافة المكان وحضارته ، فهي المرأة الحكيمة المثقفة /تجيد لغات المنطقة وفلسفاتها متمكنة من صنوف متعددة من العلم ، تتسم بالحنكة السياسية والتخطيط العسكري ، فطنة مبهرة. إنها ليست “أنثى روما” بل هي “عقل الشرق” الذي يحاول الحفاظ على استقلال الممالك الكنعانية والشرقية من التغول الروماني، تقن لغات متعددة ، وتتشكل من مرجعيات ثقافية وفلسفية عميقة.

ومادام لابد من الرواية المتكئة على التاريخ أن تقنع بمصداقيتها و حياديتها ، فيعلن فحماوي منذ البداية أنه يتخذ فيه وجهة نظره الروائية قراءته على مرجعين بوصفهما وثيقة تاريخية تضفيان مصداقية على وجهة نظره وتخليقه الفني: كتاب “جويس تلدسلي” كيلوبترا آخر ملكات مصر، وقد جاء فيه : “تعتبر كيلوبترا أميرة سورية كنعانية”.

وكتاب “الأوراق السرية للملكة زنوبيا بيرنار سيمينيوث، وقد ورد فيه” إن زنوبيا الزباء كما هي كيلوبترا من سلالة بطليموس السورية “.

في رواية كليوبترا الكنعانية تتجلّى العتبات النصية بوصفها مدخلًا دلاليًا يمهّد لفهم البعد التاريخي والحضاري للرواية؛ فالعنوان يتكون من جزئين حاملا لبعد رمزي يجمع بين الشخصية التاريخية ” كيلوبترا” والانتماء الكنعاني، بما يثير أسئلة الهوية والجذور والتاريخ المسكوت عنه.. أمّا التصدير، فيؤدي وظيفة فكرية وتوجيهية، إذ يضع القارئ منذ البداية أمام رؤية الكاتب التي تمزج بين السرد التاريخي والتخييل الروائي، وتؤكد استعادة الذاكرة الكنعانية وربطها بالواقع العربي المعاصر، مما يجعل التصدير مفتاحًا تأويليًا لفهم أبعاد الرواية الفكرية والتاريخية””:

لم تذعن روما للخوف من أية أمة أو شعب من زمانها إلا لاثنين من البشر: أحدهما هاني بعل، والثاني كيلوبترا. من كتاب كامبرج في التاريخ القديم”، ثم يقدم إهداءه ضمن وحدة تاريخية تمتزج بوجهة نظره الفكرية :” إلى التوأمين الحضارتين المصرية والكنعانية معا”

منذ العنوان، المكون من ثنائيتين، تتجلى المرأة بوصفها رمزاً مركباً؛ فاختيار اسم كيلوبترا لا يحيل فقط إلى الإغواء والجمال والسلطة، كما ترسّخت في المخيال التاريخي، بل يربطها الكاتب بالبعد الكنعاني، أي بالجذور الحضارية الأولى لفلسطين وبلاد الشام. وهنا تتحول المرأة إلى استعارة للوطن المغتصب، وإلى ذاكرة حضارية تواجه التزييف والطمس.

إن فحماوي لا يكتب عن امرأة محددة بقدر ما يكتب عن الأنثى، بوصفها كينونةً تاريخية تم انتهاكها كما انتُهكت الأرض، إذ يوظف التاريخ لينزاح به إلى الحاضر، ويعمد أثناء القص إلى توظيف كثير من الانزياحات والادخالات التي تضفي معاصرة، وتثري الحدث التاريخي وتقربه من الواقع، إذ يبدو كل واحد منهما صورة وانعكاسا للآخر، فصور السياسة والاقتتال على السلطة واحد، والشعوب العربية المتناحرة فيما بينما متشابهة في الزمنين، والمستعمر الطامع في كل شيء مشابه . والسلطة السياسية والدينية وأزمة المثقف الواعي معها واحدة . والصراع على العرش والمكائد مشابه، ومحاولة الثقافة الغربية والشرقية أن تتفوق إحداهما على الأخرى صراع أبدي.

ويعمد الروائي إلى استخدام تداخل الأجناس ليوحي بواقعية الحدث، فيستخدم الأمثال والأغاني المعاصرة والاكسسوارات السينمائية. في توظيف غير العاقل كالمجوهرات والخاتم الذي ارتشفت السم به ، والثياب والسفن وأدوات الصيد خدمة للحدث.

وحين يتحدث عن التوأمين: الحضارة الكنعانية والمصرية يقدم دلالة رمزية وتاريخية؛ إذ يشير إلى عمق العلاقة والتقارب بين الحضارتين من حيث الجذور الثقافية والتأثير الحضاري المتبادل. فالكنعانيون والمصريون القدماء عاشوا ضمن فضاء جغرافي متقارب، وتبادلوا التجارة واللغة والفنون والمعتقدات، مما جعل الحضارتين تبدوان وكأنهما توأمان نشآ معًا، وأسهم كلٌّ منهما في تشكيل تاريخ الشرق القديم.

وفي رواية كليوبترا الكنعانية يوظَّف هذا التعبير لإبراز فكرة الامتداد الحضاري بين كنعان ومصر، وللتأكيد على أن شخصية كليوبترا لا تُقرأ فقط بوصفها ملكة مصرية، بل ضمن سياق حضاري مشرقي أوسع يرتبط بالكنعانيين وثقافتهم.

اعتمد الروائي على تكنيك تقسيم الفصول إلى ليالٍ، بدءًا من الليلة السابعة حتى الثلاثين، ليعبر عن وظيفة فنية ودلالية في آن واحد، إذ يخرج بالبنية السردية من منطق الفصل التقليدي إلى منطق زمني تأملي، يقترب من الحكاية الشعبية والسرد الصوفي. فاختيار الليالي بدلاً من الفصول التقليدية يخلق إيقاعًا سرديًا قائمًا على التدرّج والانتظار والتراكم، وكأن كل ليلة تمثل طبقة جديدة من الكشف أو التجلي في مسار الحكاية.

أما البدء بالليلة السابعة تحديدًا، فيمنح النص بعدًا رمزيًا مضاعفًا، إذ يوحي هذا الرقم في المخيال الثقافي العربي والإسلامي بدلالة الاكتمال والعبور نحو مرحلة مختلفة من الفهم أو الانكشاف. وبهذا يصبح السرد وكأنه يبدأ من لحظة ما بعد التمهيد، أي من نقطة نضج الحدث لا من بدايته، مما يربك التسلسل الزمني التقليدي، ويعزز الطابع التأويلي للرواية. إذ تتداخل الحكاية بالأسطورة، فتغدو كل ليلة فضاءً مستقلًا يعيد إنتاج المعنى من زاوية جديدة. وهكذا يتحول البناء الفني إلى وسيلة لخلق إيقاع داخلي للرواية، يقوم على التدرج الرمزي لا على التسلسل الواقعي، بما يعكس رؤية الكاتب في تفكيك الزمن وإعادة تشكيله سرديًا وفكريًا.

يعتمد صبحي فحماوي في رواية كليوبترا الكنعانية على تكنيك سردي تخييلي لافت يتمثل في توظيف الطبق الفضائي الغريب بوصفه راويًا غير تقليدي، يطلّ على أهل الإسكندرية خلال شهر رمضان ليحكي لهم قصة كليوبترا. هذا الاختيار يخرق أفق التوقع السردي، ويمنح النص بعدًا غرائبيًا (فانتازيًا) يفتح التاريخ على احتمالات التأويل بدل تقديمه بوصفه حقيقة مغلقة. فالراوي الفضائي، بوصفه كيانًا خارج الزمن البشري، ويطل من مسافة بعيدة، يجعل إعادة سرد سيرة كليوبترا فعلًا حياديا يتجاوز المحلي والتاريخي نحو رؤية كونية للإنسان والحضارة. كما أن وضع السرد في فضاء رمضاني شعبي يخلق مفارقة جمالية بين اليومي والكوني، بين المقدس الشعبي والخيال العلمي، مما يعزز فكرة أن التاريخ ليس سردًا ثابتًا بل قصة قابلة لإعادة التشكيل من زوايا متعددة. وبذلك يتحول الطبق الفضائي إلى أداة لكسر مركزية الراوي التقليدي، وإعادة إنتاج الحكاية ضمن رؤية حداثية تمزج الأسطورة بالتاريخ والخيال بالواقع.

ويعلن الروائي إلى أنه كان موجودا وقت سرد الطبق للأحداث فسيعمد الى مساعدته بإعادة نقل الأحداث عبر ما يمكن تسميته حداثيا بالميتاقص إذ يجد مسوغا لإدخال صوته إلى الرواية ووجهات نظره.

وتبرز قوة الرواية في تفكيكها للعلاقة بين الرجل والمرأة ضمن بنية اجتماعية قائمة على الهيمنة. فالمرأة في الرواية محاصرة بنظرة ذكورية تجعل منها موضوعاً للامتلاك، سواء عبر السلطة السياسية أو الدينية أو الجنسية.

ويكشف الكاتب بجرأة أن المجتمع الشرقي، رغم ادعائه حماية المرأة، يمارس ضدها أشكالاً متعددة من القمع الرمزي والمادي. فالأنثى تُراد جميلة لكن مطيعة، مثقفة لكن غير متمرّدة، حاضرة بوصفها جسدا وغائبة بتعتبارها وعيا. ومن هنا تصبح المرأة في الرواية ضحية خطاب مزدوج يمنحها التقديس الظاهري ويصادر حريتها الفعلية. كما رأينا في موقف المجتمع حين اختارت الملكة على تفردها أن تحب يوليوس. غير أن فحماوي لا يقدّم المرأة بوصفها ضحية سلبية؛ بل يمنحها مساحة للمقاومة وإعادة تشكيل الذات منفتحا على حرية مبكرة في الحضارة العربية القديمةليقول في سرديته الجديدة أن الشرق سباا في ذلك، عكس أكاذيب الحضارة الغربية.

فالملكة كيلوبترا تمتلك وعياً حاداً بجسدها وبمكانتها، وتحاول أن تستعيد حقها في التعبير والاختيار. إنها امرأة تدرك أن السلطة الذكورية تخشى الأنثى الحرة، لذلك تسعى إلى ترويضها أو تشويهها. ولهذا تبدو الرواية منحازة إلى تحرير المرأة فكرياً قبل تحريرها اجتماعياً، ومن أبرز الجوانب الإشكالية في الرواية ربط الجسد الأنثوي بالسياسة. فالجسد عند فحماوي ليس مساحة بيولوجية فقط، بل خطاب ثقافي تتصارع داخله قوى المجتمع. ويكشف غبر صورة الكرأة النموذج ، وعبر غيرها من الوصيفات والعوام كنه النظرة الاجتماعية لها، وهي نظرة تدعمها السلطة الدينية والسياسية ضمن صراعات قائمة على الاستحواذ. إذ تُستثمر أحياناً كوسيلة للمتعة، وأحياناً كشعار للشرف، وفي الحالتين تُسلب إنسانيتها الحقيقييفالرواية تطرح سؤال المرأة العربية في سياق حضاري أوسع. فالأنثى في كيلوبترا الكنعانية تعيش اغتراباً مضاعفاً: اغتراباً عن ذاتها داخل مجتمع تقليدي، واغتراباً حضارياً داخل عالم يستهلك صورة المرأة الشرقية ويعيد إنتاجها بصورة نمطية. ولذلك تبدو الرواية حواراً مع التاريخ والاستعمار والعولمة في آن واحد؛ إذ تتحول المرأة إلى نقطة تقاطع بين القهر الداخلي والاستلاب الخارجي.

تتبدى الملكة ضمن ثلاثة زوايا للرؤية: الجسد الأنثوي المتفرد/ رمز الغواية ، التشكيل العلمي والثقافي والخبرة العسكرية، والحب والسياسة. تطل كيلوبترا في تشكيلها الأول مذ كانت طفلة ضمن أجواء تعكس صورة السلطة العارفة المثقفة الغارقة بالمتعة مقابل شعب جائع مستنزف بالجوع والضرائب،” بقيت الرعايا المصرية تعيش في أسفل الهرم الاجتماعي، وتشتغل أشغالا شاقة، بعضهم يعمل في بناء أرصفة الطرقات وتجريف أرضية الشوارع، وبعضهم صناعين ومزارعين يعملون في حدائق الأغنياء وقصورهم، بينما هم يسكنون بيوتا صغيرة من الطين حقيرة، ويجتمعون في القرى التي يفيض عليها النيل المقدس” “فالملك بطليموس الثاني عشر والد كيلوبترا غارق في حفلات راقصة، وطقوس جنسية تفيض بالخمرة والمتعة والنساء خارجا من القالب الرسمي للملك، مما خلق صراعات بينه وبين زوجته السورية ذات الأصول الملكية المنضبطة تؤدي إلى طلاقهما ، ثم تآمرها غليه ومحاولة الانقلاب عليه مما يتسبب باستعانتهب الرومان لاسترداد وحماية عرشه ، وتشهد الطفلة الملاصقة لأبيها كل ذلك، تستمع الى خبرته في السياسة وتتعلم منه رغم تفتح وعيها الأول ورؤيتها التي ترى الاستعانة بالعدو كمن يقرب الغزالة من المفترس الذي سيفتك بها لاحقا :”كان قد عودها على أن يصطحبها معه في تنقلاته، بهدف تثقيفها وتعريفها على قادة الجزر وعلى الناس والبلدان، ويحرص على أن ترافقها وصيفتها شارمال التي يثق بتفانيها في خدمة طفلته ورعايتها” ويطل وعي كيلوبترا المبكر ، إذ تقول: ” لماذا يا أبي تطلب حماية الرومان ألا ترى أن تلك الحماية تعطيهم فرصة لقرض هيمنتههم والسيطرة على مصرنا.. هذه الصداقة تشبه صداقة النمر مع الغزال فلا يمر الوقت حتى يتعشى القوي بالضعيف” و ويوظف الروائي الطفلة الملكة بوصفها صورة للمثقف الواعي والقائد المكتمل الطموخ المنافح عن الهوية ،لتقول وجهات نظرة الفكرية ، وليقربنا من الحاضر الذي يشغله أكثر من التاريخ، تقول : “لماذا يا أبي تعطي الرومان فرصة للسيطرة على أرضنا.. وكيف نعلن في كل عام عيدا لاستقلالنا بينما نحن مستعبدون لدولة أخرى “

والملك يعي قيمة الثقافة والعلم في تشكيل الملكة المستقبلية فكان بصحبها معه الى الميناء تستقبل السفن وتتعلم لغات متعددة فأبدت وعيا وطموحا متفردا “إن طموحي كبير يا أبي فلا تستهن بي إذا وقعت الواقعة” وقد عمدت الوصيفة الى تعليمها الخطابة وضرورة الانتماء إلى جذورها: “فتزرعي داخلي ضرورة توحيد الحضارتين الكنعانية والمصرية في بوتقة واحدة” إضافة الى المعلم مسحال الذي فتح لها أبواب والطب والأدب والفن مماساهم في تشكيل عقلها ووجهات نظرها:

“استمرت كيلوبترا تتثقف وتتنور وتنمو منذ ولادتها وحتى وصولها الى العرش .. وتعلمت من معلمها الكنعاني مسحال الدمشقي الذي اختاره أبوها قاصدا تثبيت أصولها في ثقافتها المصرية العريقة فأتقنت قبل سن الرشد المصرية والكنعانية والآرامية واللاتينية واليونانية.. وفي داخل نفسها كانت تحب أن تتحذ لها اسم ايزيس الجديدة” وتقول: “ليست قيمة الانسان بمقتنياته ومركزه في الحكم، ولكنها بقدر أحاسيسه ومشاعره الفنية” ونلحظ أن الروائي يحمل الشخصيات وجهات نظره وإن افتعل الحياد لكنه يظل متعذرا.

زلم يأت هذا التشكيل الا ليساعدم في تخليق رؤية الرواية في الجمع بين الحضارتين الكنعانية والمصرية، والملكة الجسد، والملكة الهوية والثقافة ” وقد هامت الملكة في عالم الأساطير تفتش عما يشبهها، إذ تحضر حكاية ايزيس وأوزاريس والإله ست، فتكبر الطفلة محبة لنموذج إيزيس تحاكيها بالعشق، والسياسة والمغرفة، ثم تتخذ من إنجابها لحورس بعد جمع اوصال أوزاريس طريقتها اللاحقة التي يعتمد السرد على استشرافها بالزواج من حبيبها قيصر لانجاب وريث يحمل دم مصر وروما تيمنا بحورس، قبل الوضول إلى مصيرها المأساوي

والى جانب التشكيل العلمي واللغوي والثقافي المتنوع، تكتسب الملكة الخبرة العسكرية والحنكة السياسية بمرافقة أبيها الى روما واستماعها الى مبررات السياسة ودهائها، و الجانب الآخر من الملكة الذي سيطل لاحقا عبر رؤية المرأة لجسدها وتفتح رغباتها وعلاقتها بالسياسة حين تقع في حب يوليوس قيصر، وإن كان جانبا منها خدمة لمملكتها لا كما خذلها التاريخ وجعلها حبيسة مؤطرة بفكرة الغواية والرغبة دون هدف. “أعدت لها هيلانه حوض استحمامها الملكي، المملوء بالحليب مع إضافة كوبين من العسل ودلكت كل أجزاء جسدها بليونة وقوة… وتأخذ شارميل بتمشيط شعرها الحريري الملمس، العسلي اللون الغامق المنسدل على جسدها.. كان شعرها الأسود يبرز جمالية بشرتها الحنطية الطفولية البضة وهي ترتدي ثيابا كنعانية مع شعارات مصرية.. امرأة طفولية الوجه، معتدلة الطول، وأسنانها كصف اللؤلؤ، ذقنها صغير ورقبتها مسحوبة الطول.. يقال إن لها سحر عشتروت ربة الجمال والجنس لدى الكنعانيين، وأنفها معقوف مختلفا بجماليته عن أنوف اليونانيات.. “ولعل هذا الوصف الجسدي المغرق في الفتنة واللذة والإغواء يجمع الى جانب ذلك ملامح الحضارتين المصرية والكنعانية لينطق لاحقا بهويتهما دون أن يغرق في صورة الغواية الخاوية. وتتكامل الصورة بحضور صوت متفرد مختلف، “كانت تسحر كل من يسمع ميوعة صوتها إنها غواية أنوثة صادرة من رقة حركات لسانها الاشبه بنغم الة وترية.. باختصار كانت ذات جمال لا يضاهى” وتخرج الملكة من إطارها الجسدي والإنساني المتفرد لتزداد اكتمالا بسمات إلهية ” لقد كانت كيلوبترا من أنصاف الالهة ، وفي عقلها ذكاء يفوق سنها، وذات شخصية قوية فجعلها مؤثرة أمام قيصر المحتاج للذهب والأسير لجمالها الفتان”

ويتكامل الجانب الجسدي ويصل الى ذروته في مشاهد جمالية تتحرك بين مصر والإسكندرية والنيل وروما، وتطل من خلالها عيون المستعمر الذي لا يتخفف من أطماعه، وترتسم من خلالها جمالية الحب، وتفرد الجسد وعواصفه دون أن يغرق الراوي قي الأيروتيك، فيقول قليلا ويلمح بكثير مضمر مما يشعل فتيل الخيال والسحر والاسطورة التي يتكامل بها الجسد بالروح والفكر والهوية وسخر الحضارة، ليقول وجهة نظره بأن العشق بين حضارتين مختلفتين سيتسبب بخراب كثير يأتي، كما أطل من نهايتهما المأساوية اللاحقة داخل خيط درامي شائق لم ينفلت السرد منه” “كانت تستعد للقاء يوليوس قيصر ترتدي ثيابا رسمية من الشيت الضيق الأبيض كالتي كانت ترتديها إيزيس.. وباروكة ثقيلة تزينها المجوهرات .. وشال مربوط بعقدة مميزة كرمز للقوة السحرية التي ترمز للآلهة .. وترتدي سنسالا في قاعه بؤرة على شكل تجويف يثير الشبق الجنسي لدى القائد الواقع بغرامها… مع رقة ذكاء وقدرة أنثوية على إثارة الشهوة” واللافت أن الكاتب يحمل الملكة وجهة نظر نسوية واعية مبكرة إذ تقول: “ليس التجميل من أجل إغواء أخي أو يوليوس وإنما لإسعاد نفسي بمشاهدة نفسي، فأنا لا يملأ عيني الزوج ولا العشيق إنما العرش” وفي أثناء تسريد الرواية للجوانب التي شكلت الملكة، وخيوط الحكاية التاريخية وانزياحاتها المعاصرة، قدم صورة منصفة تتواءم مع الحقيقة كما يرتئيها بنقل صورة للحياة الاجتماعية والثقافية في زمن الملكة وأبيها ضمن دهوة مضمرة لإعادة كتابة التاريخ، فرغم غرق الملك باللهو كان يعي بوصفه ممثلا للحضارتين المصرية والكنعانية دور العلم والثقافة في تشكيل هوية الأمم وقواها، فأنشأ مكتبة الإسكندرية الضخمة، وألحق بها صفة الملكية، ولأن العدو الطامع يعي أيضا بتفوقه قيمة الكتاب فعمد في مرحلة لاحقة من السرد إلى إحراقها، لأنها تمثل الوعي والحضارة. وتتجلى مصر في زمنه أرضا خصبة بها كنوز حضارية وضروحا أثرية، وقد جمع بين اللغات الهيروغليفية والكنعانية والآرامية والأثينية والفارسية ، وفتح حرية الأديان الى جانب عبادة الإله أمون ، وخلق انفتاحات حضاريا على الغرب، ونقل حضارته إلى اليونان، وجعلهم يؤمنون بتحنيط الجثث بدلا من حرقها.، ومزج الثقافات في عالم اليد العليا به لمصر. وطور عالم الصناعة والرخام والزجاج والملابس وصناعة البردية ، وصار للعمال جمعيات تحمي حقوقهم فنقبض على صورة حضارية متقدمة متفوقة سكت عنها كاتبو التاريخ المنتصرون لوجهة النظر الغربية غير الحيادية.

وتتكامل الصورة الحضارية بالحديث عن حرية المرأة، بالخروج للعمل ، ومنحها حرية للزواج عكس الحضارة اليونانية التي كانت ترى المرأة عاجزة عن الاعتماد على نفسها ، وسمح لهن بتقلد المناصب السياسية، وتملك البيوت واقتناء الأرض والعبيد” وقد بدا أن الملك يدعم التغيير، ويتصرف بحرية أكبر لخلق ثقافة ثرية تؤمن بحقوق الآخر في البيع والشراء: ونلمح هنا أن السرد لا ينفلت من لغة تقريرية تحمل صوت الكاتب العارف نفسه

وكان الملك بطليموس يشجع العلوم والفن والشعر، وأصبحت المرأة في عهده شاعرة وعازفة وفيلسوفة وطبيبة.

وظهرت طبقة من المثقفين المنفتحين المؤمنين بالحرية:” إن لنا الحق قي التحدث والكتابة باللغة التي نفهمها وباختيار الديانة التي نحبها ما دمنا لا ننشط ضد الاله أمون” وتدرك السلطة السياسية أثر الدين على العامة وسطوة السلطة الدينية ، لذلك راح بطليموس وكيلوبترا يقربون الكهنة ويعتنون برمزية أمون ومعابدهم . وكانت كيلوبترا مثل أبيها تحب شعبها ، وتحاول تخفيف معاناته والضرائب التي أصقلته فعمدت الى سابقة حضارية بتوريع أملاك الأغنياء عليهم وتقليل الفجوة بين الثري والفقير ضمن حركة اقتصادية واعية جعلت التجارة مقتصرة على الأسواق المصرية ومن يتمرد يقتل لتنقذ البلاد من أزماتها بعين الملكة الحكيمة المدركة العارفة

يوظّف صبحي فحماوي في رواية كليوبترا الكنعانية الثقافةَ الشعبية والتصوف بوصفهما عنصرين فنيين يسهمان في تعميق البنية الدلالية للنص وإغناء أبعاده الفكرية والرمزية. فالكاتب يستحضر الأمثال والحكايات والإشارات التراثية والطقوس الشعبية ليمنح الرواية روحاً قريبة من الذاكرة الجمعية العربية، ويجعل الشخصيات أكثر التصاقاً ببيئتها الثقافية والاجتماعية.
كما يتكئ على البعد الصوفي عبر لغة تأملية وإشارات رمزية تتجاوز المعنى المباشر، إذ يتحول الحب والجسد والبحث عن الهوية إلى نوع من الرحلة الوجودية الساعية إلى كشف الحقيقة الداخلية للإنسان. ومن خلال هذا التداخل بين الشعبي والصوفي، ينجح الروائي في خلق نص تتجاور فيه الواقعية مع البعد الروحي، فتغدو الرواية فضاءً للتأمل في أسئلة الحرية والوجود والهوية الحضارية، لا مجرد سرد للأحداث التاريخية أو الاجتماعية. ويوظف الأغنية / محمد مرعي وأم كلثوم ـ واللهجة العامية المصرية لنقترب من الواقع الاجتماعي أكثر.

كما تتداخل في الرواية الأزمنة والأمكنة، بما يمنح المرأة بعداً أسطورياً يتجاوز الفردي إلى الإنساني العام. وهذه التقنية تجعل القارئ أمام نص لا يكتفي بالسرد، بل يدفعه إلى مساءلة منظومته الفكرية تجاه المرأة.عبر نموذج متفرد يشكل معادلا موضوعيا للحضارة الكنعانية والمرأة الوطن.

لقد استطاع صبحي فحماوي أن يحوّل الأنثى من كائن هامشي إلى مركز دلالي تتقاطع عنده قضايا الوطن والتاريخ والجسد والحرية. ومن هنا تأتي أهمية الرواية؛ فهي لا تدافع عن المرأة بوصفها جنساً بيولوجياً، بل بوصفها وعياً إنسانياً يسعى إلى انتزاع حقه في الوجود الكامل داخل مجتمع ما زال يخشى حرية الأنثى أكثر مما يخشى استبداد السلطة

لا تقف رواية كيلوبترا الكنعانية عند حدود مساءلة صورة المرأة، بل تتجاوز ذلك إلى تفكيك البنية الحضارية العربية من خلال شخصية المثقف المأزوم الذي يبدو عاجزاً عن الفعل. فصبحي فحماوي لا يستدعي التاريخ بوصفه أرشيفاً للماضي، وإنما يحوّله إلى أداة معاصرة لفهم الحاضر العربي؛ ولذلك تتقاطع الأزمنة في الرواية حتى يبدو التاريخ وكأنه يعيد إنتاج نفسه بأقنعة مختلفة

إن الرواية تقوم على فكرة جوهرية مفادها أن الإنسان العربي يعيش دورة متكررة من الانكسار الحضاري، وأن ما تغيّر هو الأسماء والوقائع السطحية فقط، بينما بقيت بنية القهر ذاتها قائمة. ومن هنا يصبح الحاضر امتداداً مأساوياً للماضي، وتتحول الشخصيات إلى ظلال تاريخية تحمل إرث الهزيمة والتشظي. فالشخصية المثقفة في الرواية تمتلك وعياً حاداً بحجم الخراب، لكنها عاجزة عن تغييره؛ إنها ترى الحقيقة، لكنها لا تستطيع الفعل، ولذلك تعيش اغتراباً وجودياً خانقاً. ويتجلى ذلك عبر شخصيتي كيلوبترا والراوي. ويبرز هذا المأزق من خلال العلاقة المعقدة بين المثقف والسلطة. فالرواية تكشف أن السلطة عبر التاريخ لم تكن تخشى الجهل بقدر ما كانت تخشى الوعي؛ لذلك ظل المثقف العربي مطارداً أو مهمشاً أو محاصراً داخل دائرة العجز. وقد أطل ذلك عبر التساؤلات الشعبية في الحديث عن تشكيل الملكة الثقافي وعلاقتها بمعلمها الذي فتح لها آفاق العلم والفهم، فالمعرفة لا تمنح الخلاص بل تكشف حجم السقوط.

ومن الناحية الفنية، تعتمد الرواية على تقنية التداخل الزمني التي تلغي الحدود الفاصلة بين الماضي والحاضر. فالأحداث لا تسير وفق خط تاريخي مستقيم، بل تتشابك الأزمنة داخل بنية سردية دائرية، وكأن التاريخ يتحرك في حلقة مغلقة. وهذه التقنية تمنح الرواية بعداً فلسفياً؛ إذ يشعر القارئ أن الشخصيات المعاصرة تعيش المصير نفسه الذي عاشته الشخصيات القديمة، وأن الهزائم السياسية والثقافية ليست طارئة بل متجذرة في بنية الوعي العربي

كما يوظف فحماوي الأنسنة التاريخية بطريقة لافتة؛ فهو لا يقدم الشخصيات التاريخية بوصفها رموزا جامدة أو أصنام بطولية، بل ينزع عنها القداسة ويعيدها إلى بعدها الإنساني بكل تناقضاته وضعفه ورغباته. وهنا تكمن قوة الرواية؛ إذ تتحول الشخصيات التاريخية إلى كائنات قلقة، تخطئ وتتردد وتنهزم، تماماً كما يفعل إنسان الحاضر. وبذلك يرفض الكاتب النظرة التمجيدية للتاريخ، ويستبدلها برؤية نقدية تعتبر أن التاريخ ليس بطولة خالصة بل سلسلة من الصراعات البشرية المعقدة.
تتجلى في رواية كليوبترا الكنعانية لـ صبحي فحماوي هيمنة واضحة لوجهة نظر الكاتب الأيديولوجية، التي تنطلق من هاجس استعادة التاريخ الكنعاني وإعادة قراءة الحاضر العربي في ضوء صراعات الهوية والسلطة. هذا التوجّه الفكري ينعكس على البناء الفني للسرد، إذ لا يبدو النص محايدًا تمامًا، بل أقرب إلى خطاب روائي يحمل رؤية تفسيرية للعالم أكثر من كونه عرضًا موضوعيًا للأحداث. فالكاتب يوظف الشخصيات والأحداث التاريخية بوصفها أدوات لإبراز موقفه من قضايا القهر، والهيمنة، وتشويه الهوية، ما يجعل السرد مشبعًا بدلالات فكرية تتجاوز الحكاية إلى الرسالة. ومع ذلك، فإن هذا الانحياز الأيديولوجي لا يلغي القيمة الفنية للرواية، بل يمنحها كثافة دلالية ورؤية نقدية واضحة، حتى وإن حدّ جزئيًا من حيادية السرد. فالتداخل بين التاريخي والرمزي، وبين الواقعي والتأويلي، يجعل النص أقرب إلى الرواية-الفكرة التي تسعى إلى تفكيك الواقع وإعادة بنائه من منظور فكري محدد.

وهنا تصبح الحيادية نسبية، لأن السرد يتحرك داخل رؤية مؤدلجة لكنها واعية بذاتها، تسعى إلى مساءلة التاريخ لا تسجيله فقط. ومن الفنيات البارزة أيضاً اعتماد الرواية على الرمز والأسطورة. فـ كيلوبترا ليست شخصية فردية بقدر ما هي رمز حضاري وثقافي، والكنعانية هنا ليست مجرد انتماء تاريخي بل دلالة على الجذور الأولى للهوية العربية في مواجهة التزييف والاستلاب.

482030016 9225766090812007 8975313815814201619 n 2

ويستخدم الكاتب هذا البعد الرمزي ليؤكد أن الصراع المعاصر ليس منفصلاً عن الماضي، بل هو استمرار لصراع طويل على الأرض والهوية والمعنى. أما اللغة الروائية، فتتسم بالتوتر الفكري والكثافة إذ تتداخل الجمل التأملية بالفلسفة والسخرية والبعد الأيروتيكي أحياناً. وهذه اللغة ليست ترفاً أسلوبياً، بل أداة لكشف تشظي الإنسان العربي؛ إذ تبدو اللغة نفسها قلقة ومتكسرة، ولذلك يبدو المثقف عند فحماوي أشبه بشاهد على الانهيار لا فاعلاً في تغييره. إنه يحمل عبء الوعي في مجتمع يرفض الأسئلة ويفضل الطاعة والاستسلام. ومن هنا تتحول الرواية إلى نقد مرير للواقع الثقافي العربي الذي حوّل المثقف إلى كائن مهزوم داخل منظومة الاستبداد والتخلف.

ويأتي المشهد الأخير المحمل بدراما شائقة حين ينهزم يوليوس وكيلوبترا، فتقدم على ارتشاف السم لتترك لحضارتها صورتها المشرفة دون ان يمسها الرومان بسوء يدنس حضارتها لتبدو منتصرة متفوقة حتى بنهايتها. ثم يتبعها قيصر بغرس السيف قي جسده.

فالرواية تخلق قصة حب درامية مؤثرة تطل من التاريخ لكنها تحمل رمزية حضارتين مختلفتين يمثل أحدهما المستعمر الطامع بالبلاد المشوه للحضارة المعتدة بهويتها عبر سردية تاريخية غير حيادية تعمد إلى طمس المشرق في التاريخ لهذه الحضارة المتفوقة قبل أن تغرب شمسها لتعلن الرواية وجود أرض كنعان قبل ان يستهدفها الاسكندر المقدوني ويقتل شعبها الذي يتصدى له حتى يهلك ،ليبدو اليوم صورة للأمس، زةالأمس صورة مشابهة للواقع السياسي العربي بانكساراته وهزائمه، ولتقول الرواية إأن علاقة الحب عقيمة بين القاتل الطامع والمقتول، فقد أنجبت الملكة من الطامع بأرضها المستهدف لجسدها وحضارتها لكن أولادها قتلوا، وانتحرت ايزيس/ الملكة ثم تبعتها وصيفتها ضمن مشهدية سردية خالدة مؤثرة بقيت حية الى اليوم شاهدة على حكاية الملكة كيلوبترا الكنعانية المصرية، والملكة المغوية المتفردة جسدا وعقلا وكفاحا ورؤية وبصيرة

.. إن كيلوبترا رواية تعيد قراءة التاريخ، وتكشف المسكوت عنه، بوصفه صراعا مستمرا للإنسان والمثقف والسلطة.

لقد استطاع صبحي فحماوي أن يجعل من الماضي مرآةً للحاضر، ومن المرأة والتاريخ والمثقف أدواتٍ لكشف المأزق الحضاري العربي، إذ تتكرر الهزائم لأن البنية الذهنية المنتجة للهزيمة ما تزال قائمة. ومن هنا تنبع القيمة الحقيقية للرواية؛ فهي لا تستعيد التاريخ لتبكيه، بل لتفضح استمرار حضوره داخل واقع عربي ما يزال يعيش مأساته القديمة بأسماء جديدة

ماتت كيلوبترا لكن الحضارة العظيمة تكمن بذورها بالتربة، و لاتموت وحين تشهد شمسا وتربة خصبة تنمو وتمتد من جديد، كما جمعت إيزيس أشلاء أوزاريس، وأنجبت منه وبعثته من جديد.

ليندا عبيد العياصرة

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

متابعة القراءة