سياحة الغوص البحري في مواجهة الآثار السلبية للتلوث و التغيرات المناخية✍️بنيامين يوخنا دانيال

عرف الإنسان الغوص منذ الأزمنة القديمة , و كان ذلك بدافع الصيد و استخراج الموجودات الثمينة و الكنوز من القيعان , و لاسباب عسكرية أو علمية بحتة فيما بعد و غيرها . أما ممارسة الغوص من أجل مشاهدة و معاينة الكائنات البحرية ( المرجان , حصان البحر , الأسماك الملونة , نجم البحر , الاسفنج .. الخ ) و التشكيلات و الظواهر الطبيعية ( الكهوف الكلسية , فوارات المياه الكلسية , عيون المياه العذبة.. الخ ) و التمتع بالمناظر الجميلة الآسرة و الغنية بالتنوع الحيوي ( الأيكولوجي ) و تصويرها فقد برزت و تنامت بخطى واسعة بعد الستينيات من القرن الماضي , إثر تنامي وعي الناس عموما بالبيئة و التغييرات الحاصلة في ميول و رغبات السياح في خوض مغامرات جديدة و فريدة تحت الماء , و الفوز برؤية عوالم رائعة و نادرة لا تفارق الذاكرة بعد مشاهدتها , و بوجود أجهزة تصوير و توثيق عديدة و متطورة تخدم هذا الجانب , و في ظل التطورات الحاصلة في صناعة و تصميم الأجهزة و الأدوات الآمنة المستخدمة في هذه الهواية التي تتوسع قاعدتها يوما بعد يوم , لتفضي إلى نشاطات و فعاليات و ممارسات شاملة و واسعة و منظمة إلى حد كبير , و التي أسست لنمط سياحي معروف ( سياحة الغوص ) مرتبط ب ( منتوج سياحي جديد ) نسبيا , له أهميته النوعية و الكمية في صناعة السياحة والسفر في الكثير من الدول و على النطاق الدولي , و وفقا ل ( الأنكتاد ) تعزز هذه السياحة ( الاقتصادات الزرقاء ) للعديد من الدول الجزرية و توفر فرص العمل المناسبة فيها موسمية كانت أو دائمية , و تدعم الناتج المحلي الإجمالي على نحو جلي . و تكون كل الأنشطة المرتبطة بها تحت مظلة منظمات وطنية و دولية تعنى بهذه النشاطات على نحو مستدام , مثل ( الاتحاد الدولي للأنشطة تحت المائية ) ( سي ام أي اس ) و ( مدارس الغوص الدولية ) ( اس اس أي ) و ( اتحاد مدربي الغوص المحترفين ) المعروف اختصارا ب ( بادي ) و المؤسس في عام 1966 و ( المنظمة القومية للمدربين تحت الماء ) المعروفة اختصارا ب ( ناوي ) و ( أندية الغوص البريطانية ) ( بي أي اس أي سي ) و ( الاتحاد الدولي لمعلمي الغوص ) آي دي أي أي ) و غيرها كثيرة , و هي منظوية تحت لواء ( المجلس العالمي لتدريب الغوص الترفيهي ) ( آر اس تي ) . كما وضعت معايير و مواصفات دولية لها . ومن الدول التي تنتشر فيها سياحة الغوص البحري ماليزيا التي روجت لهذا المنتوج السياحي منذ الثمانينيات من القرن الماضي و باتت تستقطب الآن العديد من السواح من هواة هذه الرياضة المائية ( 500 ألف سائح سنويا ) من أجل الغوص قي المياه الصافية الآمنة الزاخرة بالحياة النباتية و الحيوانية , مثل الشعاب المرجانية المعروفة كوسيط بيولوجي متنوع , و بوجود ( 83 ) موقعا للغوص في جزيرة ( تينغول ) ( بعرض 2 كم و طول 3 كم ) على ساحل ولاية ( ترينغاتو ) ( 17 ) كم عن ( كوالادونغون ) , و جزيرة ( لايانج لايانج ) ( بعرض 1 كم و طول 7 كم تقريبا ) في شمال غرب ( كوتاكينا بالو ) عاصمة ولاية صباح , بالإضافة إلى جزر ( مانتاناتي ) و ( سيباتان ) و ( كابالاني ) و ( نيقا ) و في جزيرة ( سيبوني ) و جزيرة ( أورو ) في ولاية ( جوهر ) , و جزر ( تاتقول ) و ( كاباس ) و ( ريدانج ) و ( بيرهينتان ) و ( تينقاه ) في ولاية ( ترنقانو ) . و جزيرة ( نيومان ) في ولاية ( باهاج ) التي يشكل الغوص فيها ( 60 – 90 % ) من مجمل النشاطات السياحية , و غيرها كثيرة . و أيضا حالة ( سانيا ) في مقاطعة ( هاينان ) الصينية التي شهدت نموا ملحوظا لسياحة الغوص البحري المستدامة نتيجة لحملات الترويج المنظمة التي تتبناها السلطات السياحية في المنطقة , و للتغلب على المشاكل و المعوقات المتعلقة ب ( السلامة السياحية ) و استراتيجيات التسوق و الإدارة , و بوجود خطة شاملة و فعالة لهذه السياحة بتصميم ( مسارات الغوص ) أولا , و تحسين جودة مرافق و خدمات الغوص ثانيا , و تعزيز فوائدها الاقتصادية و الاجتماعية المرجوة بالنسبة لسكان المنطقة ثالثا . أما في تونس التي يبلغ طول سواحلها على البحر الأبيض المتوسط نحو 1300 كيلومتر فقد جرى الاهتمام بسياحة الغوص منذالثمانينيات من القرن الماضي , و هناك نحو ( 20 ) جهة ترعاها و تدير شؤونها و تحت اشراف أكثر من ( 65 ) مدربا محترفا. و تنتشر في مرسى قنطاوي و ماتلين و بن عروس و قريص و جربة و سيدي يو سعيد و نابل و هرقلة و غيرها . وهناك مهرجان دولي سنوي للغوص ( كوراليس ) تنظمه ( الجامعة التونسية لانشطة الغوص ) بالاشتراك مع ( الديوان التونسي للسياحة ) و منذ عام 1995 و هو يستقطب الكثير من هواة الغوص من مختلف بلدان العالم . أما في جمهورية مصر العربية فقد حققت سياحة الغوص إيرادات بقيمة ( 9 ) مليارات جنيه مصري تقريبا في عام 2010 الذي سجلت فيه نسبة نمو ( 22 ) بالمائة رغم ( أزمة القرش ) , مقابل ( 0,5 ) مليار يورو في عام 2007 أنفقها ( 1,5 ) مليون سائخ دولي , زار مصر لغرض ممارسة سياحة الغوص و بخاصة من روسيا و المملكة المتحدة ( 90% ) . و قد ارتفع الرقم إلى ( 2,3 ) مليون سائح , إي بزيادة ( 18 ) بالمائة في حجم السياحة الواردة قبل الأزمة السياسية و الأمنية الأخيرة . و بلغ عدد مراكز الغوص المسجلة فيها نحو ( 340 ) مركزا في العام المذكور مقابل ( 176 ) مركزا في عام 2006 . . و تعمل هذه المراكز تحت مظلة ( غرفة الغوص و الأنشطة البحرية ) التي أنشأت بالقرار ( 266 ) لعام 2007 الصادر عن وزارة السياحة استنادا إلى القانون ( 85 ) لسنة 1968 القاضي بانشاء غرف سياحية و تنظيم اتحاد لها المعدل بالقانون ( 124 ) لعام 1981 و القانون ( 128 ) لسنة 1981 . و قد حصلت في عام 2011 على جائزة ( المقصد السياحي الأول ) للغواصين الانجليز في هامش معرض ( لندن انترناشيونال ديف شو ) و للمرة الثالثة . كما تستقطب الجزر الإندونيسية الكثير من السواح من هواة الغوص و السباحة و ركوب الأمواج الذين ينزلون إلى الأعماق في رحلات استكشاف شيقة و قد تملكهم حب الاستطلاع و هاجس الكشف عن خبايا و أسرار , مثل بيداداري , كوكودو , لومبوك , بنتارا , كول كول كونوك , بوتري , و سيبا التي تتوفر فيها مختلف الخدات المتعلقة بهذه الرياضات بالإضافة إلى خدمات الايواء و الاطعام و الشراب و الترفيه .. الخ . و تعد مقاطعة ( نوسا بينيدا ) من أشهر وجهات سياحة الغوص في إندونيسا وجنوب شرق آسيا . و من وجهات الغوص المهمة أيضا حديقة توباتاها ريفز الطبيعية في الفلبين و جزر سيميلان و كوه تاو في تايلاند و جزر ديراوان و سيبادان في بورنيو و أرخبيل ميرغي في ميانمار جزر كيراما في اليابان . أما في تركيا فهناك ( 73 ) موقعا لممارسة هواية الغوص , و هي موزعة على ساحل ساحر بطول 8000 كم تقريبا , و منها ( كاش ) و خليج ( أكواريوم ) و ( بودروم ) و ( جاليبولي ) و ( أيفاليك ) و ( سيفريادا ) و ( ديليكلي ) . و تمارس سياحة الغوص في البرازيل على نطاق واسع , و تقع أفضل مواقع الغوص فيها في الشمال الشرقي من البلاد و أيضا بين ساو باولو و ريو دي جانيرو , و تعد ( أرايال دو كابو ) و جزيرة ( ألها غراندي ) و ( بونيتو ) جدا مناسبة لهذا الغرض . إن سياحة الغوص البحري تواجه عدة تحديات و مشاكل في الوقت الراهن , و منها ( التلوث ) بمفهومه الواسع و ( التغيرات المناخية ) التي أثرت سلبا على الحياة النباتية و الحيوانية و النظم الايكولوجية و التنوع البيولوجي الذي تتمتع به البيئة البحرية و الساحلية , و التي أفضت إلى تضرر و اختفاء و تراجع أعداد كثيرة من الكائنات البحرية التي تجذب السياح و تشوقهن و تدفعهم للغوص في الأعماق من أجل مشاهدتها و معاينتها و تصويرها , و منها الشعاب المرجانية التي تدر سنويا مليارات الدولارات الأمريكية على نطاق العالم , و ذلك من خلال الأنشطة السياحية و الصيد بحسب ( جماعة نيتشر كونسير فانسي ) البيئية . و قد تضررت و تراجعت مساحاتها للأسباب المذكورة أعلاه و غيرها من السباب المتعلقة ببعض السلوكيات الخاطئة المتعارضة مع شروط و أسس الاستدامة المعروفة . كما حدث في ( سانت مارتن ) في البنغال و أرخبيل ( بالاو ) الأمريكي في أوقيانيا و جزر ( المالديف ) في الجنوب الغربي من سريلانكا و منطقة ( كانكون ) في المكسيك و شواطئ محافظة جنوب سيناء المصرية و المنطقة الواقعة بين ( نيومان ) و ( ريدانغ ) في ماليزيا , الأمر الذي دفع للتفكير بجدية من أجل معالجة و إعادة تأهيل هذه الشعاب و مراجعة كيفية استخدامها و توظيفها في الأنشطة السياحية . و هناك تجارب رائدة في هذا المجال , ففي الأردن مثلا هناك مشروع استزراع المرجان ( ارابيسك ) الذي بوشر به في عام 2008 بتمويل من مؤسسة ( مبرك ) الأمريكية , و ذلك بهدف تأهيل الشعاب المرجانية المتضررة في خليج عقبة . و مشروع استزراع ( 35 ) نوعا من المرجان في ( 300000 ) مستوطنة موزعة في الأرخبيل الإندونيسي و تحت اشراف شركة ( امبلار ) . و مشروع انشاء حيد اصطناعي للمرجان في محيط جزيرة ( الياسات ) في أبو ظبي – الامارات العربية المتحدة الذي بوشر به في عام 2006 . و مشروع استزراع المرجان من نوع ( اكروبورا ) و ( ابوسليوبورا ) في ( المرقة ) ب ( خورفكان ) في الشارقة . و مشروع انشاء مستعمرة مرجانية حول جزيرة ( اروة ) الكويتية في عام 2011 تحت اشراف ( الجمعية الكويتية لحماية البيئة ) . و هناك مشروع مماثل حول جزيرة ( أم المرادم ) . و مشروع استزراع المرجان ( بوفونا , اكروبورا , ستيلوافورا , بوسلوبورا ) في أم القيوين و تحت اشراف ( مركز أبحاث الأحياء البحرية ) بالتعاون مع ( مركز دبا للبحث البحري ) 2008 . و كل هذا من أجل تدارك بعض التأثيرات السلبية للتغيرات المناخية على الشعاب المرجانية التي تعد من أكثر النظم البيئية تعرضا للخطر على وجه الأرض وهي تدعم مجتمعة أكثر من ربع الأنواع البحرية المعروفة وفقا للعلماء . و لا يقتصر تأثير الاحتباس الحراري السلبي على مواقع الغوص التي كانت بكرا في الماضي و باتت الآن زاخرة بالطحالب الضارة و قناديل البحر و غيرها , الأمر الذي سيؤدي حتما إلى تراجع الاقبال عليها من قبل هواة الغوص البحري بل قد يشكل خطرا على حياة هؤلاء أيضا و ذلك بسبب التوترات و العواصف و لأعاصير التي تشكل ظروفا خطرة تحت و فوق الماء مع احتمال ارتفاع الإجهاد الحراري و الجفاف و عدم الإحساس بالراحة بالنسبة لهؤلاء .





