خانني الرفاق وطال الطريق – محمود درويش
لم يفُتني القطارُ وحده
بل فاتتني المحطةُ وضَّلني الطريق
وخانني رفاق السفروأَنا أَنا، لا شيء آخَرَ….
لَسْتُ من أَتباع روما الساهرينَ
على دروب الملحِ. لكنِّي أسَدِّدُ نِسْبَةً
مئويَّةً من ملح خبزي مُرْغَماً، وأَقول
للتاريخ: زَيِّنْ شاحناتِكَ بالعبيد وبالملوك الصاغرينَ، ومُرَّ….لا أَحَدٌ يقول
الآن: لاوأَنا أَنا، لا شيء آخر
واحدٌ من أَهل هذا الليل. أَحلُمُ
بالصعود على حصاني فَوْقَ، فَوْقَ…
لأَتبع اليُنْبُوعَ خلف التلِّ
فاصمُدْ يا حصاني. لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ
………..
أَنتَ فُتُوَّتي وأَنا خيالُكَ. فانتصِبْ
أَلِفاً، وصُكَّ البرقَ. حُكَّ بحافر
الشهوات أَوعيةَ الصَدَى. واصعَدْ،
تَجَدَّدْ، وانتصبْ أَلفاً، توتَّرْ يا
حصاني وانتصبْ ألفاً، ولا تسقُطْ
عن السفح الأَخير كرايةٍ مهجورةٍ في
الأَبجديَّة. لم نَعُدْ في الريح مُخْتَلِفَيْنِ،
أَنت تَعِلَّتي وأَنا مجازُكَ خارج الركب
المُرَوَّضِ كالمصائرِ. فاندفِعْ واحفُرْ زماني
في مكاني يا حصاني. فالمكانُ هُوَ
الطريق، ولا طريقَ على الطريق سواكَ
تنتعلُ الرياحَ. أضئْ نُجوماً في السراب!
أَضئْ غيوماً في الغياب، وكُنْ أَخي
ودليلَ برقي يا حصاني. لا تَمُتْ
قبلي ولا بعدي عَلى السفح الأخير
ولا معي.





