مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
مقالات نقدية

حين نموت: قراءة أسلوبية – رمزية – هيرمينوطيقية – في البنى النفسية والوجودية لقصيدة سعيد إبراهيم زعلوك✍️عماد خالد رحمة – برلين

صورة لرجل ذو شعر رمادي وشارب، يرتدي بدلة رمادية مع قميص أبيض، يظهر مبتسمًا على خلفية مظلمة.



مقدمة

يحتلّ الشعر موقعًا متميّزًا في فضاء التعبير الإنساني، إذ يظلّ الأقدر على القبض على جوهر الوجود وملامسة أسئلته الكبرى. وإذا كانت الفلسفة قد سعت عبر العصور إلى تفسير الوجود، فإن الشعر، كما قال هايدغر، هو “المسكن الأصيل للكينونة”، حيث تتجلّى اللغة بوصفها حدثًا كونيًا يفتح أمام الإنسان أفق الحقيقة. في هذا السياق، تأتي قصيدة الشاعر المصري سعيد إبراهيم زعلوك “حين نموت” لتطرح سؤالاً وجوديًا عميقًا: كيف يُحفظ الإنسان من الفناء؟ وكيف تتحوّل التجربة الفردية إلى ذاكرة جماعية عصية على النسيان؟

إن اختيارنا لهذه القصيدة ينطلق من كونها نصاً ثرياً بالدلالات، يتجاوز التعبير العاطفي إلى بناء خطاب شعري قائم على الوعي بالفقد والغياب والبحث عن الخلود عبر الكلمة. ومن هنا فإن منهجنا في قراءتها يجمع بين:
1. المنهج الهيرمينوطيقي (التأويلي): من أجل الكشف عن المعاني الماورائية التي تنسرب من بين السطور.

2. المنهج الأسلوبي: لتحليل البنى التركيبية والإيقاعية والبلاغية التي تشكّل جسد النص.

3. المنهج الرمزي-النفسي: لفهم البنى اللاواعية التي تحرّك المخيال الشعري وتحوّل التجربة الفردية إلى رموز إنسانية عامة.

_ أولًا: البعد الهيرمينوطيقي (التأويلي):

تنهض القصيدة على ثنائية مركزية: الموت والنسيان في مقابل الذكرى والخلود. فالشاعر يبدأ بإعلان فناء الجسد واندثار الأثر، يقول :
“حينَ نموتُ…
وتنسى الرياحُ خُطانا،
وتُطفئُ بعد الرحيلِ السّنا”

هنا يدخل النص في دائرة ما يسميه بول ريكور بـ”هيرمينوطيقا الذاكرة والنسيان”، حيث يتساءل الإنسان: هل يندثر حقًا أم يبقى عبر أثرٍ ما؟ يتعمّق السؤال في المقطع التالي عبر التكرار الملحاح لعبارة “من ذا سيحكي؟ من ذا سيشهد؟ من ذا سيبكي؟”، وكأنّ الذات لا تبحث فقط عن بقاء بيولوجي، بل عن اعتراف سردي يخلّدها في ذاكرة الآخرين.

الهيرمينوطيقا تجعلنا نقرأ النص باعتباره محاولة لكتابة “وصية وجودية”: الشاعر لا يريد النجاة من الموت، بل النجاة من النسيان. وهذا ما يجعل الشعر ذاته فعلاً وجوديًا مضادًا للفناء، إذ يتحوّل النص إلى شاهد قبر رمزي: “من ذا سيكتبُ فوق الضريحِ: هنا مرّ إنسان…”.

_ ثانياً: التحليل الأسلوبي:
1. البنية التكرارية:
يتوزع النص على مقاطع تبدأ باستفهام “من ذا”، وهو تكرار يخلق إيقاعاً داخلياً يوحّد أجزاء القصيدة ويمنحها طابعاً إنشادياً أقرب إلى المراثي. التكرار هنا ليس زخرفاً بل تعبير عن مأزق وجودي: الإصرار على السؤال لأن الجواب مفقود.

2. الأسلوب الاستفهامي:

هيمنة الاستفهام تجعل النص قائمًا على الحوار المفقود: الشاعر يسأل ولا يجد مجيباً. هذا الأسلوب يعبّر عن “احتباس الكلام”، أي أزمة التواصل مع الآخر ومع الذاكرة الجماعية.
3. الإيقاع والانسجام الموسيقي:

الجمل القصيرة، التوازي التركيبي (“من يخبر النيل… من يخبر الشمس… من يخبر القمر”)، كلها عناصر أسلوبية تخلق إيقاعاً داخلياً، يجعل القصيدة قريبة من التلاوة الطقسية، وكأنها ترنيمة أخيرة قبل الرحيل.

4. الصور البلاغية:
تتنوع الصور بين الاستعارة (النيل كأسطورة عشق)، والكناية (الأم كرمز للجذر والحماية)، والتشخيص (الريح، الشمس، القمر ككائنات قادرة على الحكي والشهادة). هذه الصور تنقل النص من الواقعي إلى الرمزي.

_ثالثاً: البعد الرمزي – النفسي:

يمكن قراءة القصيدة عبر رموزها الأساسية التي تنفتح على مخيال فردي وجمعي في آن:
_ الأم: تمثّل الحماية المطلقة والحنان الأصلي، وهي في اللاوعي النفسي للشاعر تعادل “الوطن الأول”. عودته إليها بعد الموت هي عودة إلى الأصل.
_ النيل: رمز الحياة المتدفقة، الانتماء، والذاكرة الجمعية المصرية. السكر به كالعاشق هو اندماج في روح الوطن.
_ الأرض/الحقول/التراب: تعبير عن الانتماء العضوي، حيث الجسد يعود إلى الطين لكنه يتقدّس بقبلات الشاعر.
_ الشمس والقمر والنجوم: رموز كونية توازن بين الحب والخذلان، الأمل واليأس. إنها “مخاطَبات كونية” تكشف عن نفس قَلِقة تبحث عن اعتراف مطلق.

وفق مقاربة كارل يونغ، هذه الرموز هي “أركيتايب” (نماذج أولية) تنتمي للاوعي الجمعي، حيث الأم = الأم الكبرى، النيل = نهر الخلود، الشمس = المنقذ، القمر = سرّ الروح. بهذا يصبح النص تفريغًا لنفسيّة الشاعر سعيد إبراهيم زعلوك
عبر شبكة رمزية متوارثة.

رابعاً: الشعر بين الفردي والجمعي:

القصيدة، وإن بدت اعترافاً ذاتياً، إلا أنها تعكس وجداناً جمعياً: فالحب، الأم، النيل، الوطن، كلها رموز مشتركة. من هنا فإن النص يتجاوز “المرثية الفردية” ليصبح نشيداً جماعياً ضد النسيان. وهنا يلتقي مع ما قاله أمبرتو إيكو عن النص الأدبي: إنه “آلة تنتج تفسيرات لا تنتهي”، لأنه ينتمي للجماعة بقدر ما ينتمي للفرد.

-الخاتمة:

يمكن القول إن قصيدة “حين نموت” تمثّل لحظة وجودية صافية، تتشابك فيها اللغة بالرمز، والصوت الفردي بالصدى الجمعي. عبر المنهج التأويلي كشفنا عن إشكالية الموت والنسيان بوصفها جوهر النص؛ وبالتحليل الأسلوبي أدركنا كيف يخلق التكرار والاستفهام طقسية شعرية؛ ومن خلال الرمزية-النفسيّة رأينا كيف تتحوّل الأم والنيل والشمس والقمر إلى شواهد على القلق الوجودي للشاعر.
إن النص ليس رثاءً للذات بقدر ما هو صرخة ضد النسيان، واحتفاء بالشعر باعتباره الضمانة الوحيدة لخلود الإنسان. ولعل أعظم ما يتركه الشاعر للقارئ هو هذه الجملة الختامية:

“هنا مرّ إنسان… وكان الغناء يقيم به… كأنّه وطن لا يُهان.”

بهذا يصبح الشعر هو “الوطن الأخير”، والقصيدة هي “ضريح رمزي” يُنقذ الكينونة من العدم.

نص القصيدة:

حين نَمُوتُ
سعيد إبراهيم زعلوك

حينَ نموتُ…
وتنسى الرياحُ خُطانا،
وتُطفئُ بعد الرحيلِ السّنا
وتذوي الظلالُ التي عانقتنا
كأنّا لم نُخلقِ في الأرضِ يوما،
كأنّا خيالٌ تلاشى وَفنا

من ذا سيحكي عن الحبِّ فينا؟
عن الحلمِ، عن دفءِ قلبٍ رعاهُ الحنينْ
من ذا سيذكرُ أنَّا عشقنا الحياةَ
وأنّا مشينا على شوكِها واثقينْ؟

من ذا سيشهدُ أنَّا غنّينا؟
بصوتٍ شجيٍّ كنهرِ الخلودْ
وأنّ البلابلَ كانت تُصغي
لنا حين نرسمُ لحنَ الوجودْ؟
من ذا سيبكي على ذكرياتٍ
سكبنا بها الفرحَ… وسطَ السُّهودْ؟

من يُخبرُ الأرضَ أنّا عشقنا
ترابَ البلادِ كأنّهُ أمُّنا؟
وأنّا خُلقنا لنرعى الحقولَ
نضمُّ السهولَ، نُصلّي الثّنا؟
وأنّا قبّلنا ثغرَ النخيلِ
وعمّدنا الطينَ نورًا لنا؟

من يُخبرُ النيلَ أنَّا سكرنا
بموجِ هواهُ كعُشّاقِه؟
وأنّا سكبنا على ضفتَيهِ
دعاءَ القلوبِ ودمعَ الحكايةِ؟
وأنّا إذا ما تنفّسَ صبحٌ
نُهديه منّا رقيقَ النّوايا؟

من يُحدّثُ عنّي أمي الحنونَ؟
إذا ما غفوتُ على صدرِها…
بأنّي حملتُ لها الحبَّ طفلًا
وعشتُ على طُهرِها وعطاها
وأنّي إذا ما نمتُّ بعيدًا
فإني أعودُ بدعواها ومداها

من يُخبِرُ عنّي رفاقَ الدّروبِ؟
بأنّي وفيتُ لكلِّ الذين
مضوا من حروفي، وناموا بقلبي
ولم يغفُ منّي الحنينْ

من يُخبِرُ شمسًا أضاءت جراحي
بأنّي عشقتها رغم لهبي؟
وأنّي كتبتُ لها في المساءِ
رسائلَ نارٍ وماءٍ وشهبِ؟

من يُخبِرُ قمرًا جلستُ إليهِ
أبوحُ لهُ سرَّ روحي وحبي؟
ومن يُحدّثُ نجمَ السماءِ
عنّي، وعن فرحٍ ماتَ بقلبي؟

من ذا يُعيدُ الحكاياتِ لي؟
إذا ما رحلتُ بلا موطِنِ؟
ومن يزرعُ الضوءَ فوقَ الضلوعِ
إذا الريحُ مرّتْ ولم تسكنِ؟

من بعد موتي سيُعلِنُ أني
سقيتُ الزهورَ، وغنّيتُها؟
وأنّي إذا مُتُّ، متُّ أمينًا
لأمي، لوطني، لبسمتِها؟

من ذا سيقرأُ فيَّ القصيدةْ
ويعرفُ أني نَسجتُ الزمانْ؟
من ذا سيكتبُ فوق الضريحِ:
“هنا مرَّ إنسانْ…
وكانَ الغناءُ يُقيمُ بهِ…
كأنَّهُ وطنٌ لا يُهانْ.”

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading