حكايتان عن رحيل زورا . الدمية الروسية و السباق✍أ.مالك بن فرحات

الدمية الروسية
ريحان ، إني على حافة الانهيار ، نسيت طعم النوم منذ تركتني كأنك أخذته معك في حقيبتك ، لو رأيتِ الصواعق الحمراء على بياض عيني تتفرع كأغصان الخريف العارية لأشفقت علي ، و لو حملت رأسي على عنقك لقلت إن داخله صخرة عظيمة لا مضغة ، و لو وعيت قلبي في صدرك لقلت إن إبر دبابير العالم و مخالب قطط الدنيا تطعنه دون توقف ، إني شقي قبل أن ترحلي ، فكيف أنا و قد رحلتِ ؟ عودي ، بحق الذي أسكن في جمالك الذي ينير بيتنا تلك الروح التي إن هجرت البيت هجرت جسمي روحي . اصفحي عني ، لا تؤاخذيني على ما كان من حماقتي ، فمثلي لا يؤاخذ ، و من حاله كحالي لا يُغضب من أفعالهم كما لا يُغْضب من أفعال المجانين ، أنت التي تحملت حماقاتي يومَ كان عقلي متينا ، أفتؤاخذينني و قد تفتت عقلي من أهوال الحرب و ذاب أكثره و سال مع جراحي التي فجرها الرصاص و دموعي التي فجرها موت أحبابي المقاتلين ، يقول الناس عني إنه محظوظ لأنه عاد من الحرب حيا و مات رفاقه ، و لكني شقي لأن الحرب حكمت على رأسي بأن تسكنه كوابيسها و أهوالها إلى يوم فنائي ، أعلم أني اقترفت ذنبا عظيما حين كسرت دميتك الروسية و حولتها إلى فُتات بمطرقتي لأنها هدية جدتك الراحلة الوحيدة ، و لكنك لو شعرت بما أشعر به من رعب حينَ أرى هذه الدمية لعذرتني ، إنها تذكرني بأشد الكوابيس التي رأيتها في الحرب إرعابا ، كنت تضعين رأسي على حجرك و أحدثك بكوابيس الحرب التي عاينتها كي أتخفف منها ، و لكني كتمت عنك سيد هذه الكوابيس ، و اخترت أن أحدثك عنه في رسالتي هذه علّك ترجعين عن الهجر الذي سيقضي عليّ إن لم ترجعي عنه . تعلمين أن ” إسكندر” صديق عمري راح ضحية الحرب ، و لا تعلمين سوى أنه صديقي و أنه قتل و أني أتقطع لرحيله لأني أحببته بصدق ، و لا تعلمين سرّه العجيب الذي لم يعد يعلمه في الناس غيري ، أنا الذي أحببته حبا لم أهبه لصديق في حياتي للطبع الذي جعلني أحبّك يا ريحانتي دون نساء العالم ، إنّ فيه براءة الأطفال و طباع سكّان يوتوبيا ، و لقد وثق بي دون الناس لأنه رأى في عينيّ تقديرا و إجلالا لبراءة روحه و تجرأ على أن يصارحني بأدق أسراره التي يخجل المرء أن يصارح بها نفسه ، و لقد كنت شاهدا على طبعه الطفولي و هو يحتضر تدريجيا حتى محته الحرب . بدأت روح الطفل فيه يخفت بريقها حين فُجِعَ في أمّه ، كنت ليلةَ احتضارها بجانبه أواسيه و نحيبه لا ينقطع ، و أنّاته تتصاعد خافتة رقيقة كأنّات الطفل حتى كدت أقسم أنّ ذاك الصوت ليس صوته المجهور الرجولي الذي يزعزع قلوب الرجال في الصدور ، و حين بلغت روح أمه التراقي و أطلقت الزفرة الأخيرة رأيته يهمّ بالارتماء عليها و هو يصرخ بأعلى صوته ” لا لا لا ” فأمسكته عنها و هو يتخبط بين يدي و يصرخ و ينتحب و يمد يده كأنه يريد أن يصد شيئا لا يستطيع صده ، و أرعبني أن رأيت عينيه انقلبتا و ذهب السواد الذي يتوسطهما و ابيضتا و انهار بين يديَّ متخبطا حتى حسبت أنه سيلحق بأمه الراحلة ، و جهدت مع أهله في إيقاظه و أسقيناه ما هدّأ نوبته الشديدة حتى أرخيناه على الفراش و هو يهذي ، ثم استيقظ في الصباح و قد هدأت نفسه ، و استقبل المعزّين و ودّع أمّه و دفنها في مرارة رأيته يجهد نفسه في أن يخفيَها وراء الرضا و التسليم للقدر ، و تجالسنا ليلة الدفن طويلا و حدثني بأمر غريب ، حدثني بأنه خيِّلَ له في اللحظة التي لفظت فيها أمُّه آخرَ أنفاسِها و هوى فيها مُبيض العينين أنّ صدره انشق و خرج منه رضيع يبكي بصوت صاخب و يمد يده نحو أطياف خيّل له أنها تحيط بأمه ، فأشار أحد هذه الأطياف إلى الرضيع ببنانه فنام و عاد إلى صدره و انغلق صدره ، و لم يذكر شيئا بعد تلك الرؤيا سوى أنه صحا و وجد نفسه مسبلا على الفراش ، و كان يقسم لي في يقين شديد أنّه كان صاحيا حينَ رأى ما رآه رغم أني حاولت إقناعه بأنّ رؤياه رؤيا منام و أنّ النائم يشعر و هو يرى الرؤيا بأنه صاحٍ . و مذ دفن إسكندر أمّه دفن معها روحه المرحة و ضحكة الطفل التي يصفو لها الزمان الكئيب ، و وجدت صاحبي قد صار طفلا حزينا كئيبا مرتخيَ الحاجبين و الشفاه ، لا يبسم إلا نادرا بسمة خفيفة حذرة سرعان ما تنطفئ على الوجه الكئيب كقدح البرق في الظلمات ، و انفض عنه الجميع بحجة أنه ثقيل الروح تحبط مخالطته النفس و تجعلها تكتئب ، و لو أني لم ألزمه لزوم الخل الوفي لبقيَ وحيدا و لما وجد من يبوح له بأسراره الغريبة ، و من هذه الأسرار الخيالات و الرؤى التي لزمته منذ الحادثة الأليمة ، فقد باح لي بأنه ظلّ يرى كلّ ليلة و هو على مشارف النوم رؤيا غريبةً و هو يقظان ، إذ كان يسمع عويلَ رضيع ينبعث من صدره ثم يرى صدره منشقا و يرى الرضيع خارجا منه و هو يبكي و يصرخ ” أمي ! أمي ، ثم يرى أنه يحضن ذلك الرضيع ليسكته و ينيمه و يعيده إلى صدره نائما ثم يظل هو على الفراش ساهدا لا يستطيع النوم خشية أن يصحوَ ذلك الرضيع ، و ظلت هذه الرؤيا تزوره كلّ ليلة ، و كان يقسم لي أنه يرى ما يراه و هو يقظان ، و جهدت مرارا في طمأنته بإقناعه بأنها رؤيا منام أو رؤيا من الرؤى التي يراها المرء و هو بين المنام و الصحو ، و في الحالين يشعر المرء بأنه يرى ما يرى و هو يقظان ، و لكني لم أكن أرى منه اقتناعا بكلامي ، و أقلقه تكرار هذه الرؤيا و جعله يفزع من حلول الظلام ، فأخذت بيده إلى طبيب من أطبّاء النفس ليقص عليه رؤياه ، ففسّر الطبيب الرؤيا بأنها تعبير عن حنين طفولي إلى الأم يكبته صديقي عمّن حوله لكي لا يفضح ضعف الأطفال الذي فيه ، و أرشده إلى أن يجد وسيلة فنية يعبر بها عن هذا الحنين كالكتابة أو الرسم و يتجاوز الحادث الأليم و ينشغل بحياته ، و لكني رأيته غير عابئ بكلام الطبيب و على وجهه نظرة المخذول الذي يخفي شيئا لم يجد من يفهمه ، و لم تغير زيارة الطبيب شيئا ، و ظل صديقي على ضلاله و كآبته حتى خشيت أن أفقد فيه ذلك الطفل السعيد إلى يوم الفناء ، و لكن لحسن الحظ – و أولى أن أقول لسوء الحظ و بشاعته- أن أُعلِنَتِ الحربُ ، ففي اللحظة التي أعلن فيها سيادة الرئيس الحرب على أولئك الشياطين الذين ما انفكوا عن سحق أبناء البلد الشقيق المجاور و لم يستحوا من سحق النساء و الأطفال و الشيوخ رأيتُ إسكندر مُلْتَهِبا حماسا دامع العينين من السعادة ذا ملامح لا يصدق من يراها أن صاحبها يمكن أن يكتئب ، و حينَ قال الرئيس : إني على يقين بأن شبّان وطننا الأبطال لن يقعدوا عن نصرة أشقائهم المنكوبين راح يهزني بيديه كأنه يحفزني على ألا نضيّع الفرصة ، و أنا لم أقلّ عنه حماسا . و اجتمعنا و زُوّدنا بما يزوّد به المحاربون ، يوْمَ عانقتني عناقا حارا يا ريحانتي و أنت تنتحبين انتحاب الأطفال عند تشييعي قبل ركوب القطار الذي سيأخذنا إلى الجحيم ، و أنا أجهد لأن أبدوَ أمامك قويا و أخفي تمزقي و مشارفتي على الانهيار كالثلج الذي يفقد صلابته، ليلة ذلك اليوم قضيتها باديَ الإحباط بين حماس أصحابي المتقد حتى كنت بينهم كنجمة خافتة بين شموس ملتهبة ، و لم أستعد حماسي إلا بالقصيدة كتبتها يا ريحان فيك ، قصيدة جعلتني أوقد من صورتك و أنت تبكين و تتمسكين بي نار نقمة في صدري ، تذكرينها إنها التي قلت فيها :
يا ذات وحْمٍ على الخدّيْنِ قد طُبعا
أ ذا محُيّاكِ أم ذا البَدْرُ قد طلعا
شواك حاكى ثلوجا بيْد أنّه من
دفءٍ لمَلْمَسِه بالبرْدِ ما لسعا
حسن النساء قفا في الحسنِ سنّته
و كان حسنك بين الحُسنِ مبتدعا
يحذرون رجال الحي من بِدع
به إذا ما همُ قد أشهِدوا الجُمَعا
هذا الذي كان لي حتى إذا فرحت
به العيون خبا كالبرقِ إذ لمَعا
إني سمِعْت نفير الحرب فالتهبت
نفسي به و رأيتُ الجيشَ قد جُمِعا
قضى عليّ الذي يقضي بهجرِكِ يا
نعيم قلبي إلى الخطْبِ الذي وقعا
و إن هجرك قبل الحرب يصرعُني
فكيف يصرَعُ في الحرب الذي صُرِعا
يا ملبسي قبل أن أمضي الحديد به
ما غاص سيفُ عدوّي بي و ما قطعا
هلا لففت على قلبي الحديد فلا
يدمى بهجر حبيبي إن هو ادّرعا
ما حدّ سيف عدوي منْك آلَم يا
طرفا لها احمرّ من هجري و قد دمعا
و ما القنابل إذ تهوي بأفجع من
نحيبها من فراقي حينما ارتفعا
و ما اللهيب الذي توري قنابلهم
أحر من منعها هجري و ما مُنِعا
بحدّ أظفارها الحمراء قد قبضت
على لباسي و من أظفارها رُقعا
تقول إما عن الزحْفِ الرجوع و إمّا
أن أكون إلى حيث الوغى تبَعا
فقلت : لا ذا و لا هذا بل اقتربي
و أذهبي ظمأي و اسقينيَ الجًرَعا
و لا تعيني على قلبي مواجعَهُ
فليس يقوى على ما زاده وجعا
أعظم به من عذاب إذ أودّعها
و قد ثنتني كالطفْلِ الذي ودُعا
خسئت يا حرب كانت منك فرقتُنا
و يا عدّوي و كنّا ناعِمَينِ معا
لأنسفنك نسفا يا عدويّ أن
فرقتنا و ستلفي في الوغى سبُعا
لأشبعنّك قتلا بعد أن حُرمتْ
نفسي بكرِّك من معشوقتي شبعا
لأصدعنّكمُ حتى أفرّقكم
تفريقكم شملنا من بعد ما اجتمعا
، و مشينا كتائب كتائب ننشد أناشيد نتوعد فيها العدو بالإبادة و كان صاحبي ينشد في حماس و سعادة كأنه لم يذق قط حزْنا ، و لقينا العدو عند الحدّ الذي بين بلدنا و البلد الشقيق ، فاستبسلوا في إرجاعنا و استبسلنا في كسرهم و كسر الحد بين البلدين ، و رأيت إسكندر ثانيا غير إسكندر الذي كنت أعرفه ، إذ كان يسقط القتلى برشاشه تباعا في شراسة الأسد الضاري منتشيا برؤية دمائهم مفجرة من أجسامهم ، و انتصرنا في تلك المعركة نصرا جعلنا نقضي الليل محتفلين احتفالا أنسانا أنّ أمامنا معارك أخرى علينا أن نحسمها ، و رسخ في نفسي يقين بأن إسكندر الذي معي في الكتيبة غير إسكندر البريء الذي عرفته لما عاينته من تصرفاته في تلك الليلة ، إذ كان يحادث الرجال بصوته الجهوري القاصم كصوت رشاشه بأحاديث قذرة عن الجنس و يطلق في وجوههم بثقة ألفاظا قبيحة و يمازحهم مزاحا ثقيلا و يقهقهون معا ، و هي تصرفات لم ألحظها منه منذ عرفته ، و ملئت الموائد بالطعام و الشراب ، و كان على المائدة طبق مميز جُهّز جائزة لأشرس جندي في المعركة التي انتصرنا فيها و يضم الطبق رأس كبش مشويا ، و نوديَ إسكندر باسمه مصحوبا بلقب بطل المعركة الافتتاحية ليلتهم الطبق ، فنهض في سعادة من سيقلدُ الذهب فنهضت إثره محاولا منعه عن هذه الخطوة المتهوّرة لأني أعلمه حذرا في انتقاء أطعمته لا يقوى على الأطباق الثقيلة التي تجهد معدته ، و كانت وجباته غاية في الخفة و اللين و البساطة ، و حين حاولت صدّه أرجعني في تجاهل و انكب على الرأس ينهشه حتى لم يكد يترك إلا العظام و القرون ، و هتف له الرفاق في حماسة و هو يحييهم بوجه يعسر أن تفهم من ملامحه ما يشعر به ، إذ كانت ملامحه باردة جامدة كملامح الدمى لا ملامح الأطفال التي كانت تكشف لي ما يشعر به ، و لزمنا أسرّتنا في تلك الليلة ، و بعيْد أن خطفني النعاس أيقظني صوت صديقي و هو يئن أنين المتألم فانتفضت من الفراش و أسرعت إليه فوجدته ممسكا بطنه الذي كان منتفخا انتفاخا مقلقا و يتجشأ تجشّؤ من يريد القيء ثم نهض و أسرع إلى المرحاض فتبعته فزِعا و راح يتقيأ ما أكله حتى إذا فرغ ساعدته على النهوض قائلا ” حاولت منعك من أكل ذاك الرأس و لكنك أبيت ” ، و عاينت قيأه فأرعبني أن رأيتُه قد تقيأ عينا مفتوحة شاخصة كشخوص عين جثة الآدمي ، و سألت في رُعْب شديد : ما هذا فأجابني صديقي المسكين بصعوبة : عين الكبش
و حاولت أن أحمله و نغادر المكان بسرعة كي أبتعد عن ذلك المنظر البشع . و لم تبرحه آلام البطن و ما زال انتفاخه حتى عجز عن النوم ، فلزمت جنبه تلك الليلة و سهرنا خارج الحجرة و حدثني عن رؤيا غريبة رآها قبل أن توقظه آلامه و هي غير بعيدة عما كان يرى : إذ رأى أن بطنه انشق و خرج منه الرضيع ملطخا بدماء كانت تحرقه كما تحرق النار و صاح هذا الرضيع في وجه صاحبي: دماؤك جحيم إني أحترق إني أتعذب ! و حدثني بأنه رأى رؤيا أخرى إثر رؤياه الأولى : فرأى نفسه نائما حتى أفزعه اقتحام مجموعة من رجال الشرطة حجرته و أيقظه ، و شق رجال الشرطة صدره و أخرجوا منه جثة رضيع و نظروا إليه نظرات مرعبة و اتهموه بقتله و قبضوا عليه و هو يصرخ . و أنا الذي حسبت أن هذه الرؤى غادرته دون عودة و حسبت كابوس الحرب الذي نحن فيه قد شغله عنها لأني لا أرى إلا هذا الكابوس في منامي و في يقظتي ، من يرَ هذا الكابوس تهُن عليه أبشعُ الرؤى . و شعرنا بالنعاس بعد سهر فلزمنا فراشينا و نمنا . و لم نزل نائمين حتى أيقظونا على حدث جلل و فتحنا أعيننا لنرى الزملاء يلبسون بدلاتهم و يأخذون أسلحتهم في عجلة شديدة و نحن نفعل كما يفعلون جاهلين السبب ، و تبين لنا في ما بعد أنه هجوم غادر من الأعداء سبقوا به الفجر إلينا ، و لزمنا مواقعنا لصدّهم . و راحت قذائف مدافعهم تهوي علينا و تزلزل مواقعنا و نحن نجهد في الاحتماء و ننتهز الفرص لنرد عليهم ، و حولت القذائف الكثير منا إلى أشلاء ، و ظللنا على تلك الحال حتى بزغت الشمس و لونت السماء بزرقة بالية ، و انشرح صدري بأن رأيت إسكندر في موقعه حيا و خففت قبضة الرعب على صدري ، و هدأت القذائف و ظهرت مع إسكندر و من بقوا أحياء من الزملاء من مواقعنا بحيث لو رآنا العدو لكنا له هدفا سهلا مغترين بهدوء المدافع ، و ليتنا لم نفعل ، فلم تمض لحظات على مغادرة مواقعنا حتى تهاطلت علينا القذائف مرة أخرى و لم أدر كيف انسحبت بسرعة إلى موقعي لأنجوَ منها . و لم ينج من القذائف زملائي ، و صدمت صدمة عمري حين رأيتها تعصف بحياة صديقي ، صدمة حسبت آنذاك أنها ستكون الأعنف في حياتي ، حتى كذب ظني و أعقبتها صدمة ثانية ، فقد رأيت جثة إسكندر و قد شقت القذيقة بطنه و رأيت جثة رضيع خارجة منه مطلخة بالدماء و عين الرضيع اليسرى مفقودة و عينه اليمنى شاخصة كتلك التي رأيتها في المرحاض حين تقيأ.
السباق
ظلّ صديقايَ بعْدَ انتصاف الليل يجهَدانِ مُدَّةَ نِصْفِ ساعةٍ في إقناعي بأن نتسابقَ نحنُ الثلاثة عَبْرَ مقْبَرةِ الحيِّ الواسعة فننطلق من بابها الذي لا يغلقُ و لا يكفّ عن استقبال الزائرينَ نهارا و ليلا لنصل إلى جدارها الخلفي الذي به شرْخٌ إذا خرجنا منه بلغْنا أراضيَ فلاحية لا نهاية لها من وساعتها ، و ظللتُ أعاندهما و أتمنّع محتجا بظلمة المقبرة التي لا يخففّها ضوء القَمَرِ إلاّ يسيرا و لا نستطيع بها أن نميز موطئ أقدامنا إذ نجري فلا نأمن العثرات و الإصابات ، و كنت بهذا الاحتجاج الداحض الواهي أخفي ارتعابي من الفكرة المجنونة و هلاوسي من إمكان أن نوقظ الموتى بوقع أقدامنا فينتقموا منا إذا أزعجناهم ، و لكني استسلمت سريعا لاستفزازاتهما و تشكيكهما في شجاعة قلبي و خوفي من اكتشافهما ما أخفيه ، فلزمنا مدخل الباب الذي اتخذناه خطّ انطلاق على مستوى واحد ، و انطلقنا بعد الإشارة ، و سبقني صديقاي منذ انطلقنا حتى لم أعد أراهما ، فقد ثقل جسمي من ارتعاب قلبي و سرعة خفقانه ، و لو كانت سرعتي كسرعة خفقانه لجاوزتهما ، و اشتد أمام عيني الظلام حتى لم أعد أميز موضعي أو أرى ما ينتثر حولي ، و من حسن حظي أني لم أبتعد عن باب المقبرة كثيرا فعدت أدراجي و خرجت من الباب عازما على أن ألتفّ على المقبرة و أستقبل صديقيَّ من الجهة الخلفية التي بها الشرخ دون أن أعبرها ، و لكني لم أجد لهما أثرا ، و ظللت أنتظرهما زمنا طويلا حذوَ الشرْخِ تارةً و حِذْوَ باب المقبرة أخرى ، و لما يئست من إيجادهما عدت إلى بيتي و في نفسي يقين بأنّ اختفاءهما مقلْبٌ سخيف مُفْتَعلٌ من مقالبهما التي طالما أتعباني بها . و قصدت بيتيْهِما نهارا فلم ينفتح لي باباهما و لم يجبني منهما أحد رغم طرقي المتكرر ، و ما زادني ذلك إلا يقينا بأنه مقلب من مقالبهما شاركتهما فيه عائلتاهما اللتان طالما شاركتاهما في السخرية مني و ممازحتي مزاحا ثقيلا . و ظلا مختفيين عني شهرا و أنا أرقبُ أنهما سيفاجئانني ثم يضحكان مني ، و لكني فوجئت بفاجعة أخرى حكمت على روحي بالعذاب الدائم ،فقد رحلت المرأة التي ولدتني رحيلا مفاجئا و خلفتني على شبابي عالعجوز الأشيب ، و لم يُغفلني حزني الشديد يوْمَ جنازتها عن أن أنتبه لغياب صديقيَّ عن تعزيتي و مواساتي حتى امتزج حزني بنقمة جارحة ، و مضينا إلى المقبرة لندفنها ، حتى إذا سوينا عليها التراب انتبهت إلى قبرينِ متجاورين حذوَ مدفنها الذي كان قرب شرخ الجدار ، و جثوت من صدمتي و جنوني إذ رأيت اسمي صديقيَّ على شاهدهما و تاريخ وفاتهما الموافق لتاريخ الليلة التي تسابقنا فيها و هذه العبارة ” لقد سبقناك أيها الجبان ههه





