مجلة الكترونية مستقلة تعنى بشؤون الفكر والثقافة والأدب والفنون - رئيس التحرير: د.ازهر سليمان

منتدى كتّاب المنار الثقافية الدولية
كتابات حرة

العيون: مرايا السحر وجلال الصورة في الأدب العربي   ✍️عماد خالد رحمة – برلين

صورة لوجه امرأة شابة، تتميز بعينين زرقاوين وبشرة ناعمة، وشعر أشقر مع خطوط فاتحة، تعبير وجهها يحمل ملامح جاذبة.

لطالما كانت العيون في الشعر العربي منهل الوصف ومهوى الخيال، فقد استقرت في الوجدان العربي كرمزٍ للجمال المطلق، ومسرحٍ للسحر الغامض، ومجلىً للروح بما تحمل من أسرار وومضات. فهي ليست مجرّد عضوٍ يُرى، بل كونٌ يُقرأ، وصفحة من كتاب القلب تُروى بمداد الشعراء وعطر القصائد.

فالعيون في الثقافة العربية لم تكن محض ملامح وجه، بل نوافذ على النفس، ولغةً خاصة تنبض بالحب والدلال، وتقول ما تعجز عنه الألسن. ولذلك، كان لها حضور طاغٍ في الأدب العربي، قديماً وحديثاً، حيث لا يكاد يخلو ديوان شاعرٍ من إشاراتٍ إلى العيون، ألوانها، لمحاتها، سحرها، ووقعها.

 “تبسم عن واضحٍ ذي أثر، وتنظر من فاترٍ ذي حور”

— البحتري

هكذا يصف البحتري العيون، كمصدرٍ للحيرة والسحر والفتنة، تبسم وتنظر، وتفتن وتُربك، وهي في كل حالٍ، ركن من أركان الجمال، وأداة من أدوات الهيام، ومفتاحٌ من مفاتيح العشق الأول.

_ العيون في الشعر العربي: من الغزل إلى الفلسفة:

لقد اختزن الشعر العربي أجمل ما قيل في وصف العيون، منذ الجاهلية وحتى الحداثة، إذ تغنى الشعراء بالعيون الحوراء والسوداء والكحيلة والفاترة والعسلية والزرقاء. وكان لكل لونٍ وملمحٍ إيحاء خاص، ودلالة فنية ونفسية غنية.

بل إن الشاعر العربي لم يكن يصف العيون وصفاً سطحياً، بل كان يغوص في ما تعنيه من إغواءٍ، من حيرةٍ، من وعدٍ ووعيد. لقد قرأ الشعراء في العيون كتب الهوى، وكتبوا فيها المعلقات والمطولات، وفي ذلك يقول جرير:

 إن العيون التي في طرفها حورٌ

قتلننا ثم لم يحيين قتلانا

يصرعن ذا اللبّ حتى لا حراك به

وهنّ أضعف خلق الله أركانا

ما أعذب هذه المفارقة! تلك العيون التي لا تبدو أقوى من النسيم، قادرة على أن تفتك بأعتى الرجال، وتتركهم أسرى سكونها ووميضها.

_ أنواع العيون كما رآها الشعراء

1. العيون الفاترة:

تلك العيون الذابلة التي توحي بالمرض والسقم، لكنها في حقيقتها ليست إلا دلالاً وغنجاً مطعّماً بالحياء. يرى فيها الشاعر انكساراً ساحراً، لا ضعفاً، غموضاً لا ذبولاً.

قال ابن الرومي:

 يسبي العقول بمقلةٍ مكحولةٍ

بفتورِ غنجٍ لا فتورِ نعاسِ

ويزيد بن معاوية حين افتتن بجارية ذات عيون فاترة قال:

 على أني أُجيب إذا دعتني

ذوات الدلِّ والحدقِ المراضِ

فالفتور هنا صوت ناعم يهمس ولا يصرخ، يطلب ولا يأمر.

2. العيون الكحيلة:

عيونٌ لا مسّ فيها للكحل، ومع ذلك يبدو كأن المرود قد خطّها بإتقان. في العيون الكحلاء تكمن مهابة وسحر بريء فطري لا تكلّف فيه.

قال ابن هانئ الأندلسي:

 حسبوا التّكحل في جفونك حليةً

تالله ما بأكفهم كحلوك

أما محمد بن أبي العباس فقال، كأنها سهم في غمده، يُصيب ولا يُرى:

 رمتني بسهمٍ راشه الكحل بالردى

وأقتل ألحاظ الملاح كحيلها

— العيون الحوراء:

هي عيون المها، العيون ذات السواد الشديد في المقلة البيضاء الواسعة، وقد كانت أيقونة الجمال العربي، لا ينافسها وصف.

قال ناصيف اليازجي:

 ويلاه من زيغها داءٌ نطيب به

فلا شفينا بعتقٍ من دياجيها

وقبله قال عمر بن ربيعة:

 لن أنسى بخيفٍ مني تسارق زينب النظرا

إليّ بمقلتي ريمٍ ترى في طرفها حورا

هي العيون التي تفتك، لا بفعلٍ، بل بنظرةٍ فقط!

— العيون السوداء:

هي مرآة العاطفة الجياشة، كأنها ليلٌ انسكب في محاجر النساء، فصار لون العاطفة سواداً يُفتن ويربك. وصفها خليل اليازجي بأنها تقتل دون سيف:

 بيضُ الصوارمِ تفدي الأعينَ السودا

فتلك لا تبتغي للضرب تجريدا

أما إيليا أبو ماضي فقال:

 ليت الذي خلق العيون السودا

خلق القلوب الخافقات حديدا

فهي أشد الأسلحة فتكاً، إن سُلّ رمشها، ولامس سناها قلب العاشق.

— العيون الزرقاء:

في نظرة العرب القديمة، اقترنت الزرقة بالغربة، وربما بالريبة، إذ ارتبطت بأهل العجم. لكن الشعر لم يتوقف عند هذه الصورة، بل تطوّر بعد الفتوحات الإسلامية ليتغنّى بجمالها الهادئ الساحر.

قال عمر بن ربيعة:

 سحرتني الزرقاء من مارون

إنما السحر عند زرقاء العيون

ونزار قباني كتب بحبّ:

 في مرفأ عينيكِ الأزرق

أركض كطفلٍ على الصخرِ

— العيون العسلية:

رقيقةٌ هي العيون العسلية، تختصر ضوء الشمس وظل العسل ودفء الأرض. محمود درويش سجّل ولاءه لها في أشهر قصائده:

 بين ريتا وعيوني بندقية

والذي يعرف ريتا ينحني

ويصلي لإلهٍ في العيون العسلية

–العيون: رمزٌ يتجاوز الجمال:

ومع تطور الشعر العربي في العصر الحديث، لم تعد العيون مجرد أوصاف في قصيدة غزل، بل أصبحت مرمزاً فلسفياً، نافذةً لوعي الشاعر، وهمزة وصل بينه وبين ذاته. فالعيون أصبحت مرآةً للحقيقة، ومعبراً عن الحنين، ومرفأً للهاربين من ضجيج العالم.

قال نزار قباني:

 ذاتَ العينينِ الصاحيتينْ الممطرتينْ

لا أطلبُ أبداً من ربي إلا شيئينْ

أن يحفظ هاتين العينين

ويزيدَ بأيامي يومين

– خاتمة

في كل ثقافة للعشق رموز، وفي الثقافة العربية، تبقى العيون أكثر تلك الرموز حضوراً وسحراً وخلوداً. كيف لا، وهي التي تُبكي وتُضحك، تُمرض وتُداوي، تُغني عن الكلام وتزيده، وهي التي تقود القصائد كما تقود القلوب.

العيون ليست مجرّد ألوان ونظرات، بل مجرّة متكاملة من الإيحاءات، لا ينتهي سحرها مهما تغيّر الزمان، ومهما اختلفت طرائق الشعراء في رسمها بالكلمات.

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading