الأديب المعتزل – تماضر كريم
أسباب كثيرة تدفع بعض الأدباء للإبتعاد عن الوسط الأدبي. يبدو للوهلة قراراً شخصياً، أملته رؤية ما، يتعلق ربما بميلٍ الأديب للعزلة، فضلاً عن شخصية الأديب وسماته النفسية الخاصة، لكن الأمر ليس بهذه الدرجة من البساطة، إنه في أحيان كثيرة يأتي عن قناعة راسخة وتصميم ثابت، في العزوف عن الجلسات والمهرجانات، وسباق الجوائز واللقاءات، وبالمجمل العزوف عن أيّ نشاط داخل المؤسسات الثقافية وخارجها.
لا يمكن معرفة تلك الأسباب على وجه الدقة دون المرور على مجريات الثقافة، وكيف تتم ادارة المشهد الثقافي. إن نظرة سريعة إلى ذاك الحِراك، تكشف لنا بوضوح نشاطاً ملحوظاً، وعملاً ثقافياً دائباً، تشرف عليه مؤسسات ثقافية بارزة، أهمها الاتحاد العام للأدباء والكتاب في بغداد والمحافظات، فضلاً عن جمعيات ومنتديات أخرى كثيرة على طول مساحة البلاد.
تُقام تلك النشاطات الكثيرة دائما تحت شعاراتٍ يُفهم منها حرص القائمين عليها، على إشاعة الثقافة ورفع مستوى الوعي العام، لكن ما يبدو واضحاً أنها لا تستقطبُ سوى المشتغلين في المجال الأدبي، فهم يحضرون ليلبّوا دعوات بعضهم البعض، ويتبادلون الكتب فيما بينهم، يقرأون لبعضهم ويتبادلون الدراسات النقدية أيضاً، وعندما ينفتح حديث الهموم الأدبية، يفضفضون لبعضهم عن قلّة القراء، وهموم النشر. في المقاهي أو أرجاء شارع المتنبي. إنه المشهد الثقافي بكلّ ثقلهِ وبأحسن حالاته، يتكلّل باكتفاء جيل كامل من الكتاب بطباعة خمسين نسخة أو حتى خمسة وعشرين، وربما عشرة فقط من كتبهم، لأنهم غير معنيين كثيرا بأن تكون كتبهم تلك مقروءة، أو ربما يكونوا فقدوا الأمل بذلك. وبين هذا اللغط الحاصل والفوضى الباردة غير المنتجة، يقف بعيداً، الأديب الممانِع، الأديب الذي اختار العزلة، كطريقةٍ للتعبير عن رفضهِ للمشهد الثقافي. لكن ماذا يريد الأديب الممانِع؟ وما دورهُ في التغيير؟
استطعتُ أن أُميز نوعين من الأدباء الذين اختاروا العزلة ، الأول هو الممانِع السلبي، ويكونُ رافضاً وهجومياً ومنتقِداً وحانقاً، يعبّر عن رفضه العلني لكلِ نشاطٍ ثقافيٍ يُقام ومن كلّ شخصيةٍ لافتة، إنه حاضر بقوة في المشهد دون أن يشعر، فهو متابع ومهتم وإن كان رافضاً وغير راض، فهو على تلك الحال جزء من المشهد الثقافي. على الجهة الأخرى هناك الممانِع غير المعني، وهو المنشغل بموهبته وفنّه وتطوير أدواته، مُضمِراً عدم إعجابه بالعملية الأدبية، مكتفياً بعالمه وعوالم أخرى خارج الوسط المحلّي، إنه نوع كثير العمل ويطمح في التحليق بعيداً، باحثاً عن أجواء أخرى. فتراه صامتاً إلّا من انتاج أدبي متواصل.
لو سلّمنا بصحّة الأدب الممانِع، من جهة ما، كونه يوفر مساحةً من الإنسلاخ اليقظ عن نمطية السائد البليد، فهل سيكون من المنطقي ذهاب الجميع نحو الإنفصال عن المشهد الثقافي؟
إن ديمومة الحِراك ونشاطه الدائب، ومهما انطوى على شوائب وسلبيات، أمر لازم لازدهار الثقافة.
مع ديمومة الحراك التي تفرزُ أديباً ممانِعاً مدركاً واعياً، تنشأ الفرص لتصحيح المسار.
زُهد الأديب المغتزل أوالممانِع في المغانم الثقافية تجعلهُ هو الأكثر قدرةً على التأثير، والأكثر حريةً وشجاعة، أشياء لازمة ليكون المشهد الثقافي أشدُّ نصوعاً وأعلى قيمةً وإن حصلت بعض التجاذبات، لكنها في كلّ الأحوال خير من الركون التام للنسق الثقافي العام واجترار أخطاءه.





