الأدب العربي بين المحليَّة والعالمية/محمد عناني
فإذا عدنا إلى قصيدة الرثاء استطعنا أنْ نجد أنَّ تغييرَ المصطلح على أيدي الرومانسيِّين قد أتى بحُريةٍ في التصوُّر وحريةٍ في «الحركة الشعرية» داخل الصور إلى الحدِّ الذي يتخطَّى بها الزمانَ والمكان، ويهَبُها القدرةَ على أن تفرض نفسَها على المؤسسة الأدبية — خذ مثلًا قصيدةَ «أدونيس» للشاعر الإنجليزي شلي — إنها نموذجٌ صادق للمصطلَح الشِّعري الجديد الذي يجعلُ التأمُّل عنصرًا أساسيًّا من عناصر «الحَدْس الشعري» — وقد ترجمها الدكتور لويس عوض، فأبدعَ في إخراج هذا المصطلَح إلى العربية. ويكفي في هذا المجال تقديمُ مرثيَّة صُغرى من مراثي وردزورث، تُبين الجانبَ الآخر للمصطلح الشعري في الرِّثاء وهو مَزْج التأمُّل بالنَّزْعة الوِجدانية:
ختَم الناس على روحي وغيبها
ومَحا مخاوف البشر
فبدَت لعيني فتاةٌ ليس تلمَسُها
يدُ السِّنين والقدَر
فالآن قد سكَنَت والقوةُ اندَثَرَت
ومضى زمانُ السمع والبصَر
وغدَت تدور ببطنِ الأرض دورتَها
كالصَّخر والأحجارِ والشجَر!
تُرى هل نستطيع أن نُترجم أدبنا العربي — من هذا اللون — إلى الإنجليزيةِ أو الفرنسية مثلًا، فنؤكِّد انتماءنا لعالم اليوم؟
الإحالة إلى الماضي
بعد تقديم عددٍ من قصائد شعرائنا المعاصرين بالإنجليزية في الإذاعة؛ استولَت الدهشةُ علينا لمئات الخطابات التي تلقَّيناها من أمريكا وكندا وأوروبا تطلب المزيدَ وتَعجبُ لمستوى «حداثة» الشعر لدينا، فاقترح الشاعر صلاح عبد الصبور، وكان رئيسًا لهيئة الكتاب آنذاك، أن أصحَبَ معي في جولتي بالولايات المتحدة (ضمن بَرنامَج مصر اليوم) عددًا من القصائد التي تُمثِّل الشعر الحديث في مصر بحيث يطَّلع الجمهور الأمريكيُّ على الشعر الحي — أي على الشعرِ المسموع لا المقروء فحَسْب. وحطَطْنا الرِّحال أولَ الأمر في واشنطن، وكان أول لقاء مع الجمهور الأمريكي في مؤسسة «سميثونيان»، والربيع قد بدأ يكسو أشجارَ الشتاء بأوراقٍ خُضْر صغيرة نضرة، وكان الصباح في الحديقة التي تُطِل عليها نوافذُ القاعة بهيجًا مشرقًا وَضَّاءً.
وتولى الدكتور جورج عطية تقديمَ الضيوف ثم انطلَقْنا نقرأُ الشعر ونتقبَّل أصداء الاستحسان بدهشةٍ لا تقلُّ عن دهشتنا بتلقِّي خطابات القرَّاء، ولكن الدهشة الحقيقية كانت عندما حُدِّد لنا موعدٌ آخر مع جمهورٍ آخر في مساء نفس اليوم؛ إذ تردَّد في الأوساط الأدبية والفنية خبرُ وصول الوفد، وقرر الدكتور عطية تنظيمَ لقاء مسائي تُسجله الإذاعة (أو الإذاعات؛ فهي كثيرةٌ في أمريكا). وفي ذلك اللقاء لم يقتصر الاستحسانُ على طلب الاستزادة، بل اتخَذ صورةَ ندوةٍ ناقَشْنا فيها الجمهورَ مناقشةً مستفيضة، وتولى الردَّ من الوفد المصري بصفةٍ أساسية الدكتور سمير سرحان والدكتور مرسي سعد الدين. وبعد أن تكرَّرَت اللقاءات في عدة مراكزَ ثقافية في أمريكا من المحيط إلى المحيط كما يقولون، ومن الشمال إلى الجنوب، كان السؤال الذي يُلِحُّ على أذهاننا جميعًا هو: إذا كان لدينا مثلُ هذا الشعر العظيم فلماذا لا يقرؤه الناسُ في كل مكانٍ في العالم حتى اليوم؟
في جامعة بنسلفانيا بمدينة فيلادلفيا كان ردُّ أحد كبار المستشرقين وهو «روجر ألن» أن الشعر العربي لم يُترجَم الترجمةَ الصادقة حتى الآن، وفي جامعة تكساس بمدينة أوستن كان ردُّ «جودمان» مديرِ النشر والشاعر دافيد أن الشعر العربي مليءٌ بالصحراء والجِمال، وهو ما لا يفهمه الجمهورُ الأمريكي، بل إن ذلك الشاعر أعربَ بصورةٍ مباشرة عن شكِّه في أن يكون الشعرُ الذي سمعه عربيُّ الأصل! وقال في دهشةٍ أمريكية صادقة: «ولكن أين الجِمالُ والخِيام؟»
وفي جامعة نيويورك كان الاستقبالُ حافلًا بفضل الإعداد الذي تولَّتْه الدكتورة منى نجيب ميخائيل — ولكن السؤال الذي لم يكن منه مَهرَبٌ هو أيضًا لماذا لم تُقدِّم الشعر حتى الآن كما ينبغي — وتكرَّرَت القصة في لوس أنجيليس في جامعة كاليفورنيا؛ حيث احتَفَت بنا الدكتورة عفاف لطفي السيد أيَّما احتفاء. ولم يُفلِح التشاؤمُ الذي كان مُلازمًا للدكتور لويس عوض في الإقلال من بهجةِ استمتاع الجمهور بالشِّعر والمناقشات الساخنة التي شاركَت فيها الدكتورة سهير القلَماوي مشاركةً فعالة.
وعند عودتنا إلى مصر كنا قد عقَدْنا العزم (سمير سرحان وأنا) على أن نفعل شيئًا؛ كنا قد فرَغْنا لتوِّنا من الاشتراك في عملٍ ما، وكان ما يزال أمامنا عملٌ كثير! ونشَرَت بعضُ المجلات الأمريكية نماذجَ من شعرنا، فتحمَّس الشاعر محمد إبراهيم أبو سنَّة لتقديم المجموعة التي تكوَّنَت لديَّ بالإنجليزية لنشرِها عن طريق لجنة الشِّعر بالمجلس الأعلى للثقافة، وكنتُ آنذاك عُضوًا بلجنة الترجمة، ولكن المشروع تعثَّر لأسبابٍ لا مجال للخوض فيها، خاصةً أن الكتاب على وشك الصدور من الهيئة العامة للكتاب (وبه خَمسون قصيدة لثمانيةَ عشَر شاعرًا) كان صلاح عبد الصبور قد رحَل عن عالمنا، وكان أمامنا أن نختار بأنفسنا الشعرَ الذي يعيش في وِجدان الناس. وعكَفتُ على تأمُّل التراث القريب للشعر العربي، وقد كنتُ هضَمتُ الكثيرَ منه في مَيْعة الصِّبا، وجعَلتُ أفكر ما عساي أفعل بالتراث الخِصْب الذي خلَّفتْه الحركةُ الرومانسية التي نُطلق عليها حركةَ الإحياء أو البعث — وعادةً ما تعتبرها كلاسيكية؛ لأنها ترتدي ثيابَ التقليد والتقاليد — وجعلتُ أبحث جنبات الدواوين عن شيءٍ «ذي صلة» بحياة الناس اليوم، بمشاعرهم وأفكارهم اليوم، فوجدتُ ما حيَّرني وأقضَّ مضجعي.
إن شعراء الإحياء (بما أحرزوه من إحياء) كانوا يُحيلون القارئَ العربي في هذا العصر إلى زمن بعيد؛ زمنٍ يصعب بعثُه إلا إذا تغيَّر وجه الحياة برُمَّتها في عالم اليوم، وأنا لا أقصد الجِمال والخِيام هنا؛ فقد توجد هذه مع إنسانِ هذا العصر، ولكنني أقصد النُّضج الذهني والوجداني الذي حقَّقه ابنُ هذا القرنِ في وطننا العربي على امتداد ساحته، (مهما قيل عن التفاوت هنا وهناك بين مراحل هذا النضج) ولْأضرِبْ مثلًا لهذا بقصيدةِ «الفخر».
كان الفخر في الماضي مُرتبطًا بتقاليدِ القبيلة ومجدِ الأمة وعَراقتها وكان ما يفخر به الشاعرُ هو في الحقيقة جِماع القيم والمبادئ التي تستنيرُ بها الإنسانية، ولا تقتصر على القبيلة. ولذلك فنحن حين نقرأ مَدائح الماضي أو قصائدَ الفخر (وهو نوعٌ من مدح الذات) فإننا نُواجه عالم الأنثروبولوجيا الثقافية التي شغَلَت نُقاد القرن العشرين، ونحن نفعل ذلك شِئنا أم أبَينا عندما نقرأُ شعر الماضي أيًّا كان لونُ هذا الشعر، ابتداءً من شِعر مِصر القديمة واليونان والرومان فالعرب والشعر الأوروبي حتى شكسبير نفسه! أي إن دراسة الأدب الذي انتهى إلينا وأصبَح يُشكِّل التراث الإنساني؛ تتضمَّن قدرًا من جُهد «الإحياء»، فنحن نحاول أن نتصوَّر عالَم القُدماء ونعيشَه حتى نتذوَّق أدبهم؛ ولذلك يظلُّ الماضي ماضيًا، ثم يأتي أدبُ الحاضر ويذهبُ لِيَلحَق بالماضي هو الآخَر! المهم أن يكون الحاضرُ في أدبنا حاضرًا لا ماضيًا؛ أي أن تكون الإحالةُ إلى حاضرٍ نعيشه فِكرًا وشعورًا، لا إلى ماضٍ من الفكر والوجدان جميعًا، ولا أدلَّ على ذلك من بائية الباروديِّ الشهيرة التي يدرسها الطلبةُ في كل مكان، والتي يتفاخرُ فيها بأنه لا يَطْرَب «بتَحْنان الأغاريد»، و«لا يملك سمعَيْه اليَراعُ المثقَّب» (أي الناي). فالإحالة هنا ليست إلى الموسيقى كما نعرفها، ولا أتصوَّر أن البارودي يفخر بعدم استمتاعه بالموسيقى (مثل جيسيكا ابنة شيلوخ اليهودي في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير)، ولكنه يفخر في الحقيقة بأنه لا يستطيبُ مجالس الأنس والطرب واللهو واللعب؛ أي إن الإحالة هنا هي إلى تلك المجالس التي صوَّرها أبو الفرَج الأصفهاني خيرَ تصوير، كذلك سيرى القارئُ أنه يقصد بالعَلْياء ما كان يقصده السلَف من المجدِ الحربي، ولا غَرْو؛ فحياة البارودي في الواقع تؤكِّد هذا الفَهْم. والبيت الذي يقتربُ كثيرًا من فنِّ الإبجرام والذي أراد الباروديُّ للقارئ أن يذكره به هو:
ومن تَكُن العلياءُ همَّةَ نفسِه
فكلُّ الذي يَلْقاه فيها محبَّبُ
فالعُلا (أو العَلْياء) بمثابة قيمةٍ مجرَّدة إطارها المرجعيُّ هو الزمان السحيق، وليس هذا العصر، وقِسْ على هذا ما فعله غيره من شُعراء الإحياء، فبراعةُ استهلال شوقي تُحيلنا إلى الماضي حين يَنشُد الأطلالَ في افتتاحيَّة قصيدته دمشق:
قُم ناجِ جلَّقَ وانشُدْ رَسْمَ مَن بانوا
مشَتْ على الرَّسم أحداثٌ وأزمانُ
وتُحيلنا إلى ماضي المصطلح الشعريِّ حين يَعْمد إلى المبالَغة الصارخة في استهلال رِثاء مصطفى كامل:
المَشْرِقان عليك يَنتحبانِ
قاصيهما في مأتمٍ والدَّاني
إن قارئ اليوم يعجب لهذا الذي مات فبَكاه الشرقُ والغرب جميعًا؛ لأن زمن الإغراق في الكذب قد انقضى، ولم يَعُد أعذبُ الشعر أكذَبَه، والمحتمل أن شوقي كان يريد أن ينتهيَ من هذا كلِّه إلى الإبجرام الشهير:
دقَّاتُ قلبِ المرء قائلةٌ له
إن الحياةَ دقائقٌ وثَواني
ولا داعي لِتَكرار ما قاله العقَّادُ عن البارودي وشوقي معًا؛ فقد كان العقاد واعيًا بالاتجاه الذي سار فيه شِعرُهم — على غَزارته وجَماله — ألا وهو الإحالةُ إلى الماضي. وإذا كان من الصعب على قارئ العربية اليوم أن يُعيد الحياةَ في الماضي، فكيف بالأجنبيِّ الذي يريد أن يتعرَّف على أدبنا؟
اللغة المشتركة
يقول الشاعر الإنجليزي وليام وردزورث إن هناك «واحاتٍ زمنيَّةً» في وجود كلِّ إنسان يَرْتادها المرةَ بعد المرة ليرويَ عطشَ خياله، ويتبرَّد من هَجير الحياة، وحينما صدَمَته انتكاسةُ الثورة الفرنسية كان يختلف إلى تلك الواحات حينًا فحينًا، وكثيرًا ما كان يجدُ فيها العزاءَ والسَّلوى؛ لأنه كان يرى فيها الإنسانَ في مرحلة البراءة قبل أن تطحَنه أضراسُ التجرِبة، وكان يعني بالتجربة مثل كلِّ الرومانسيين مواجهةَ الشرِّ والاعترافَ بوجوده، بل والتصالُحَ مع هذا الوجود!
وإذا كان جيلنا يجدُ نفسَه اليوم في حاجةٍ إلى ارتياد هذه الواحات، وربما كان ذلك قبل أن يَحينَ موعدُ ارتيادها الحقيقيِّ الذي لا يأتي إلا بالتجرِبة؛ فذلك لأننا عِشْنا سنواتٍ كانت تُوازي سنواتِ الطفولة في صفائها ونقائها، وهي سنواتُ التفتُّح على الأدب العالمي وفَوْرة الحماس الذي لم يسبق له مثيلٌ في الستينيَّات، فكنا نقرأ بنَهمٍ في الأدب وكلِّ ما يتصل به من دراسات نظرية وتطبيقية، وكنا نناقش ما شاء الله لنا أن نتناقش فيما قرَأْنا، وكان لنا أساتذة يُمثلون القمم التي نطمح إلى تَسنُّمِها، وأنا أقصد بجيلنا بالتحديد جيلَ مَن تفتَّحَت مواهبُهم في الستينيَّات، وهم بعدُ في ربيع العمر أو على مَشارفه فكتَبوا المسرحَ والمقالة والكتاب، ونشطوا إبداعًا وترجمةً وتأليفًا، وقد بدا لهم الطريقُ دون نهاية، أو كما يقول شاعرٌ إنجليزي آخر وهو «ألكسندر بوب»: «كلما تراءت لهم قمةٌ برَزَت من ورائها قمة!»
كانت الترجمة تشهد ازدهارًا نادرًا — ولكنه كان طريقًا ذا اتجاهٍ واحد؛ لأننا كنا نُترجم من الإنجليزية (أو الفرنسية) إلى العربية فحَسْب، ولم نكن بعدُ نطمح بل لم نكن نتصوَّر أن لدينا أدبًا قادرًا على احتلال مكانِه الحقِّ بين آداب العالم لسببٍ بسيط، وهو انبهارُنا الشديد بالأدب العالميِّ الذي كان يفتح أمامنا آفاقًا تختلفُ اختلافًا بَيِّنًا عن تلك التي عَهِدْناها في أدبنا العربي. كانت المشكلة عندي هي أنني درَجْتُ على مُوازاة الأدب بإحكام الصَّنعة اللغوية، وكان هذا أمرًا طبيعيًّا في سِنِّي بعد أن ترَكتُ الكُتَّاب والتحقتُ بالتعليم العام، فوجدتُ بين أساتذتي مَن لا يكترثُ إلا للبلاغة التقليدية وصناعة الإنشاء، ووجدتُ في محيط الأسرة من أقاربي مَن يؤكد لي صحةَ ذلك — فكُتَّاب الشيخ مصطفى عناني يُعاد طبعُه المرةَ بعد المرة «الوسيط في الأدب العربي» وكتُب علي الجارم (النحو الواضح وغيره) تملأ المنزل، ووالدي غارقٌ إلى أذُنَيه في العِقْد الفريد وفي نَفْح الطِّيب!
وكم كانت دَهْشتي عندما انتقلتُ إلى القاهرة عام ١٩٥٤م وكتبتُ أحد موضوعات الإنشاء التي كنتُ أُجيدها فوجدتُ أحدَ زملائي في الفصل وهو الأستاذ أحمد السودة يسخر منه باعتباره إنشاءً! كان أستاذنا الدكتور عبد الرءوف مخلوف قد انتهى من رسالة الماجستير آنذاك، وكانت عن كتاب العُمْدة لابن رَشيق، وكان من المعجَبين باللغة التي أكتبها — ولم أفهم سرَّ اعتراض صديقي على الإنشاء! أوَلسنا مُطالَبين بالإنشاء؟ وهل الأدبُ سوى إنشاء؟ لم أكن أدري حين ذاك أن طه حسين قد نقَض ذلك قبل نيِّفٍ وثلاثين عامًا في مقدمته لكتاب «فجر الإسلام» لأحمد أمين، ولم أكن أدري أنَّ في الدنيا أدبًا يستخدم لغةً مشتركة تتجاوزُ البلاغةَ والفصاحة، وتستخدم مفرداتٍ أخرى ومعاييرَ أخرى، ولا تقوم على عبقرية البيان وحدها!
وعندما دار الزمانُ وتخصَّصتُ في الأدب الإنجليزي حدَث عكسُ ما كنت أتوقَّع؛ إذ وجَدتُني أعودُ إلى الأدب العربي فأجدُ العجَب! إن روائع أدبنا العظيم يحجبُها عن عيوننا تراثٌ هائل من كتابات عصر الانحطاط وهو عصرٌ طال فأمعنَ في الطول! أمامي الآن كتابٌ يتضمَّن رسائلَ بديع الزمان الهمَذاني يقول في مقدمته الناشرُ: إنه أعظمُ ما تفتَّحَت عنه قريحةُ السلف. وأذكر أنني كنتُ مطالَبًا منذ عدة سنواتٍ بإعداد عُروض لبعض كتب التراث التي حُدِّدتْ سلفًا لي — وكان من بينها كتاب الأبشيهي، وعُنوانه «المستطرَف في كل فنٍّ مستظرَف» — ووجَدتُني أكتشفُ كيف سادت فكرة الإنشاء قرونًا وقرونًا حتى انحصر الأدبُ في التمارين اللغوية، وحيث وَلَّدَت هذه الفكرةُ معاييرَ خاصةً تُشكِّل في مجموعها مؤسسةً أدبية لها قوانينُها وقواعدها، بحيث حجبت عن عيون دارسي العربية «اللغة الأدبية المشتركة» — لغة الإنسان — التي يتكلَّمها الناسُ في كل مكان، بغضِّ النظر عن لغة الألفاظ التي تختلف من بلدٍ إلى بلد!
إن الواحات التي أرتادُها اليوم في هجير الحياة هي واحاتُ هذه اللغةِ المشتركة، تلك التي لم تمنع الأدب الروسيَّ مثلًا من أن يُصبح أدبًا إنسانيًّا عالميًّا؛ لأنه يستخدم تلك اللغةَ رغم أننا نقرؤه بالإنجليزية! وما زلتُ أذكر اليوم الذي قرأتُ فيه قصة تشيخوف «العنبر رقم ٦» في ترجمتها الإنجليزية لأول مرة ذاتَ يوم من أيام الصيف عام ١٩٦٣م، ولم أستطع أن أصبرَ على انفعالي بها فأُهرِعتُ إلى منزل صديقي سمير سرحان، ودفعتُ إليه بالكتاب في ساعةٍ مبكِّرة من ساعات الصباح وتركتُه وخرجت، وفي المساء التقينا في مقهًى بالجيزة (امتدَّت إليه يدُ الهدم الآن) وكان قد أصابه نفسُ انفعالي فلم نتبادل أيَّ حوار. كان كلُّ ما قاله هو إنه سيحتفظ بالكتاب؛ ليقرأ بقية القصص، غيرَ آبهٍ باعتراضي على ذلك! وسِرْنا على النيل في صمت ذلك المساء، وقد استغرق كلًّا منا ذلك الحَذْقُ الخارقُ الذي يتميَّز به تشيخوف لحالةٍ في تصويره من حالات النفس البشرية وهي تنزلقُ من عالم الأسوياء إلى عالم المجانين. وأعتقد أن هذه الواحةَ كانت قد بعثَت إليَّ الحياةَ عندما رأى صديقي بعد عشرين عامًا الإعدادَ المسرحيَّ الذي قام به سمير العصفوري لهذه القصة، وأخرَجها لمسرح الطليعة بعُنوان «في زنزانة المجانين». كانت صورةُ العمل الأدبي قد اختلفَت؛ فهي الآن مسرحية وهي باللغة العربية، بل وبلُغة المسرح التي لم تكن تستخدم الألفاظَ كثيرًا، ولكنها كانت عملًا أدبيًّا إنسانيًّا عاملًا يستخدم «اللغة المشتركة»!
إن طريقَنا إلى العالمية لا بد أن يتَّجه إلى اكتشاف هذه اللغة المشتركة في أدبنا العربي القديم والحديث، بعد أن نتخلَّص نهائيًّا من فكرة المساواة بين البلاغة القديمة والأدب!



