االشاعر العرفاني بن ملوكة محمد بن قويدر الخراز-ا.د حمام محمد

• النية مفتاح للتصوف…*
قليل من الشعراء هم الذين لا يعرفون الشاعر والزاهد الصالح الشيخ الحاج بن ملوكة أحمد بن قويدر، المدعو الخراز. نسوق للقراء في حلقات منجزة مقتطفات من كتابه “الدرة المسكوكة في صوفية بن ملوكة”.في قصيدته المكررة، التي تأتي في إطار التكرار النصي كميزة أدبية صالحة للنصوص، يورد أعاجيب من الصلاة على النبي ﷺ. نقدم هذه النصوص تحقيقًا لنبوغ هذا الشاعر الأشم، وهي موقعة باسمه في مخطوطته الشعرية النادرة جدا
لقد قال المتصوف: “ولو كان جناح البشرية عندي بمثل جناح بعوضة لما بلغتُه”، فهذه الحكمة تخمينية جعلت الشاعر ينزوي في أعماق التصاغر أمام عظمة الله تعالى. وهكذا يظهر لنا انبلاج الفكرة الصوفية المحضة، التي تناقش الطريق الروحي كطريقة سلوك منفردة، تجمع بين أبعاد مختلفة، أقواها البُعد الروحي، وليس الفقر المادي، وإنما الغنى بالفقرية كصفة روحانية.
إن الفقر الروحي عند الشاعر سي بن ملوكة ليس العوز أو الانعدام، بل هو الغنى بالاتصال بالله تعالى، والتلذذ بنفحاته، والاقتداء بمحمد ﷺ، وهو ما يجسده قوله تعالى:”وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون” [الذاريات: 56]فتأملاته ونظرته الصوفية تعكس وعيًا عميقًا لمن أراد فهمها، فهي دعوة للتصاغر أمام الجلال، كما قال الحسن البصري رضي الله عنه: “اعلم أن الله يراك حيثما كنت”، فيدرك المريد أن القرب إلى الله يبدأ بالانكسار والتواضع.
الفقر الروحي عنده يقابله فقر وجودي، وكأنه يتأمل فكرة الوجودية البشرية على الأرض، فالوجود مرهون بالإنسان محمدي الطابع، فهو الضامن لوجوده، كما أشار الشاعر إلى قدرة الله تعالى على كل شيء:”إن الله على كل شيء قدير” [البقرة: 20]ومن دلائل تصاغره الأول، التعلق بالمطلق، وعدم الانغماس في مظاهر الحياة الدنيوية في المجتمع الذي تربى فيه، فهو يظهر التوكل على الله في كل شيء، باعتباره الطريق إلى الخلاص من المشاغل والهموم، مما يؤكد أهمية الدين في حياته
ولم يكن تواضعه ضعفًا، بل مناداة خيرة للتسامح وطلب المغفرة عن أي تقصير، كما جاء في الحديث:”من تواضع لله رفعه الله” [رواه مسلم] اللغة عنده بسيطة، لكنها غنية بالصور الطبيعية التي تعبّر عن النفس، كالشوك والماء والبحر، للدلالة على الضعف والحياة، مع عمق مدحه للنبي ﷺ، الذي يعد همزة الوصل بين العبد وربه. وقد أكد المتصوفون منذ القرن الأول على هذه العلاقة الروحية مع الرسول ﷺ، إذ أن النظر إليه يقظة وبشارة خير “اما من المميزات الأخرى التي جاء بها الشاعر، طلب الشفاعة من النبي ﷺ، باعتباره مبدأ توزان اجتماعي يحقق الألفة بين الجميع، فيقود القلب والعقل إلى الاستقرار بالإيمان.
استعماله للصورة البلاغية كان جميلاً، بالاعتماد على مرجعية صوفية رائدة، فهو لم يتخل عن مفردات مثل “نظر الحبيب ماء الحياة” بلغة شعبية مبسطة، لتقريب المفاهيم الصوفية إلى المريدين. حضوره بالقلب مع النبي ﷺ ينعكس في مفهوم الحضرة والجذبة والمقام، حيث يصل المتعبد إلى حالة جذب روحاني (براسيكولوجي) لا يفهمها إلا القليل، وتحتاج إلى هداية وقائد روحي، مثل القطب أو خليفة الدائرة، مما يعكس البعد الاجتماعي الصوفي.
اللغة عنده مهذبة، ورمزية الصور البسيطة تظهر تأثير النية والعمل الصالح على الواقع، فالتوفيق الإلهي والرزق مرتبطان بالنية والخلق. وفي الشطر الأخير، يبرز دور الدين في تنظيم حياة الفرد والمجتمع، من خلال تشجيع الرضا، الكرم، وحسن التعامل، وإظهار قيمة العمل والإخلاص والتقوى.
الله الله الله الله… الله الله الله…
يا خالقَ الخلائقِ فيك الحولُ،
من حولي وقوتي نتبرّا
صلِّ على النبيّ معدنَ الأصول،
الذريةُ في الحجاب الأعظم بُرا
صلِّ على النبي أطْلوع وْأفول،
في كل لمجة ألفي مرّة
يا صاحب الإرادة حارت العقول،
يا خالقي، يا عظيم القدرة
جسمن من الشوك إبولي معلول،
لا عليّ شيء قدرة
في البر والبحور من فعل وقول،
لا تخفى على البارئ ذرة
يا صاحب الإرادة حارت العقول،
يا خالقي، يا عظيم القدرة
أمحي سواد قلبي يبقى معسول،
يشفى من الأمراض يُبرا
افتح لي فتحًا قريبًا من الرسول،
به من الحبيب نظرًا
من رَان قلبي سواد مجهول،
غفلان ما يحيي الليل بصرًا
من ماء الحياة تُبري المعلول،
تمحي أصداءه وتفوق للسُكرى
عطف قطب الدائرة خليفة جلول،
يسقيني يا حبيبي خمرة
نرى بتسبيح الحيّ كلّ شيء،
وتسبح عظامي جهرًا
يصفّى أمري به لبعُد،
ويقول: مدد نور الدائرة صفرًا
درجة بعيدة لكن عند المسؤول،
أقرب من لمّيح النصرا
هبّل من الحبيب جذبة الطول،
وتهب لي مقامًا بسفرًا
نحج لمكة بالله بحجة مقبول،
وتشعشع لنا أنوار الخضرا
نرى مقام الساعدين عن الرسول،
جاه عريض، لا يذهب الحيرا
نفحة من النبي ترقّي لخمول،
تؤيّد من الله بنصرة
في العالم الروحاني أولى مقبولون،
ينادي عليه في الحضرة
من سعد السعود أين المملول،
ليكون كالياقوتة الحمراء
يمسي الطالح صالحًا يبلغ الأصول،
عطاء الله سعادته غزيرة
يا غافر الذنوب، أمزكي العمل،
للسابق سعادة الخضرة
تعطيه في الفردوس ويتمنى سؤال،
عن رافع السماء بلا نظرة





