إيزابيل ابرهاردت في الجامع العتيق “سيد الحاج بن أحمد” – محمد بصري -كاتب جزائري

من يوميات الكاتبة السويسرية في صحائفها”في الظلال الساخنة للإسلام”
في حوار مع صديق قديم داخل جلسات ومداخلات نظمها المسرح الجهوي لمدينة بشار رمضان 2026، في الجنوب الغربي للجزائر الكبيرة القارة تحت رعاية مديرها البشوش الشاعر المثقف .استوقفني تدخل هذا الصديق متسائلا حول التسمية للكتاب “الظلال الساخنة ” مستكنفا : ألا يثير هذا تأويلا نرجسيا وأحيانا أيروسيا حميميا بالمعني المركزي اللثقافة الغربية التي ترى في المفاهيم الساخنة إيحاءات جنسية. قلت في نفسي تبا للغرب وللثقافة البيضاء فجهازها المفاهيمي عبثي لعوب. أبديت غرابة من التأويلية العنيفة الصادمة ، لكن لم يساورني الشك من الجدل فهو الوظيفة المحمودة لجمهور المتفلسفة.ايزابيل ابرهاردت 1877/1904 لم تكن على وفاق مع أغلبية النخبة والقراء العرب والجزائريين وقد أجد عذرا لفئات كثيرة تستخف بحضورها همزا ولمزا وتناصبها العداء الشديد بل تنعتها بصفات نابية ، فالاعتقاد أن هذه الملثمة الغربية الصفراء التي اقتحمت الصحراء تحت اسم رجل هو ” سي محمود السعدي” لم تكن إلا فردا دخيلا في مشروع استعماري فرنسي بدأ بالتنصت والاستخبار والنقل عن الجزائريين تمهيدا للاستعمار فالبعض يصفها بالأداة الانتروبولوجية الثقافية للماريشال “ليوتي” Hubert Lyautey 1854/1934 قائد الفيلق الأجنبي الفرنسي المحتل، والبعض يرى فيها مجندة سرية، والآخر يرى فيها مخنثة تدعو لجندرية نسوية ،جديدة خاصة وأن حمى الثقافة النسائية والنسوية شهدت توهجها في بدايات القرن الماضي إلى غاية 1922 ،لكن دعوني أقول أن القراءة والتمعن في سيرة هذه المرأة ستجعلك تحبها وتتقرب إلى روحها المتسكعة بين عنابة و بوسعادة والوادي وسعيدة والعين الصفراء وبني ونيف وبشار و القنادسة .هذه المرأة أحبت القنادسة كثيرا وتركت فضاء مقاليا يصف هذه القرية الصغيرة المتبتلة الخجول.كنت ضد هذه الأديبة البسيطة وأنا مراهق، لكن بعد سنين النضج والوعي أصبحت بدون موعد كلما سافرت إلى الشمال أقف عند قبرها الرمزي الذي يقف شامخا متوسطا القبور والأموات في جبانة “سيدي بوجمعة ” بالعين الصفراء. لقد امتزج جسمها المثقل بالأمراض والأوجاع والأسقام بتراب العين الصفراء يتوسط مقبرتها وكأنه يعلن طلب الحماية والقرب من هذه المدينة الهادئة الكريمة. أقف رافعا يدي للسماء مبتهلا أن يغفر لها الله لها ويتقبلها عنده، فنحسبها موحدة أعلنت اسلامها في الزاوية القادرية ولم تفارق أصابعها المرتعشة سبحة سيد طريقتها.
تصف إيزابيل هذه الشقراء صاحبة الصوت المبحوح الأصحل الممزوج بأنوثة روسية كما يصفها فيكتور باريكوند Victor Barrucand 1864/1934 بالأبيار العاصمة الجزائرية في مؤتمر بباريس سنة 1903 .يقول “كان لصوتها تأثير سحري على السامع ” وكأنها تمارس طقوسا تعبدية أكادية عجيبة قادمة من بابل والعراق القديم. لازلت أؤكد أن هذه الانسانة تملك سحرا وحضورا ميتافيزيقيا صوفيا عجيبا يتلقفه كل من اهتم بأدبها البسيط وفكرها العفوي رغم أنها لم تعمر كثيرا وطارت في السماء وهي شابة في مقتبل العمر والعطاء والتألق.سبعة وعشرون ربيعا غير كافية أن يخرج الابداع والمهارة من قمقمها لكن ايزابيل فعلت.
تروي بروعة وبساطة لذيذة ووصف دقيق وهي المعروفة بالتفاصيل الشيطانية وهي تعبر عن علاقتها الفينومينولوجية بالظواهر والبشر البلدة ومساجدها بمخاتلة ومرافعات لطيفة.كنت وأنا صغير أتساءل لماذا الصلاة المكتوبة الخمس تُقم في مسجد سيدي أمحمد بن أبي زيان، بينما الجمعة كعيد اسبوعي مقدس تقام الخطبة والصلاة في المسجد القديم “سيد الحاج بن أحمد ” وهو أقدم مسجد في بلدة القنادسة يقع أسفل القصبة وتحيط به أديرة “دويربات” ومساكن طوبية مازالت تشهد عل حيف الزمان وصلابة المكان وقدسيته. ايزابيل قادها دليلها “فاراجي” وهو سوداني كثير الصمت الى المسجد بعد سماع نداء “الزوال” وهو يدعو للصلاة والخطبة.تستطرد هذه الشقراء الشقية في يومياتها “في الظلال الساخنة للإسلام” أنه بعد حمام بارد بعد قيلولة قصيرة في شهر أوت وما أدراك ما أوت “أغسطس” وحرارته الصيفية القاتلة. تقول سلكنا أزقة ضيقة بجدران قصيرة تطل على حدائق “جنانات” وبساتين مظلمة لشدة كثافة الزروع والنخيل. في الأعلى تطل “البرقة” وهي جبل أبيض بحجارة صوان تلمع وتتوهج بفعل الشمس وكأنها لؤلؤ مكنون وفي جنوب القصر تتبدى “السباخ” السباخي برمالها البيضاء المتوهجة تشبه كريستالات سحرية تنطلق منها أبخرة حمراء وينعكس عليها سراب ضبابي غامض.
تصف إيزابيل الساعات القاتلة في الشمس الحارقة التي تستدعي الحمى وضربات الشمس.تذكرت صديقا من الجنوب العميق للجزائر قال لي إذا كان البشر يموتون بالأمراض المزمنة المعروفة القاتلة كالسكري والضغط عندما تخرج عن السيطرة فإن بعض سكان الجنوب يموتون بضربات الشمس القاتلة ما لم يحذروا”
تصل الكاتبة الغامضة بمعية وصحبة “فاراجي” إلى زقاق “القصبة ” وهي جوهرة القصر وعمقه فتيجان القصور قصباتها في كل مكان وزمان. تتشابك ايزابيل في مشيتها بظلال وزوار ومشاة وقاصدين ومتسولين فسيفساء بشرية كانت تسكن القصر. حشود تتجه للصلاة وأخرى تتقصد العطاءات والطلب من المتعبدين المصلين، فاليوم جمعة تكثر الصدقات والعطايا والثواب. عميان يتضرعون بأغاني وأدعية وأنغام أحيانا رتيبة .أمام المسجد دواب وأطفال يستوجب منك نزع نعليك وحملها بيديك والجري بصورة حافية جنونية لبلوغ الباب الضخم متجاوزا ساحة ملتهبة من الرمل الساخن المشع بشمس الظهيرة.
برودة لذيذة وسلام روحي واطمئنان تصفه ايزابيل يخترق جوهر روحها وهو الاحساس الذي ينتاب كل من ولج فناء هذا المسجد الصغير المحروس بروح وليه الصالح “سيد الحاج”التي ترفرف في سطحه وأركانه وصومعته الشنقيطية القصيرة وهي ميزة تجعل المسجد ينفرد بمنارة نوعية وبسيطة وعفوية مبنية بالحجارة الزرقاء الصبورة وهي المئذنة الوحيدة التي تختلف عن كل مساجد الجزائر والمغرب العربي الكبير. الجامع وهو تحت وقع وصف إيزابيل يموج بالقراء وهو في حياض التلاوة الجماعية للقرآن الكريم .شيخ في الزاوية يصدح بالأذكار والصلوات الملأ يجلس فوق حصائر مصنوعة من نبات السمار و الحلفة وجريد النخل متهالكة تظهر أرضية المسجد الترابية أسفلها ، من فوق أعمدة جذور النخيل كأنها جلاميد من الصخور، الكرناف المصطف بتراتبية متعاكسة كأنه عقد تدلى من جيد شقراء جيداء جميلة. تتخلله قطع خشبية صفراء مزيج بين سعف النخيل و”الزيوان” مع فتحات يدخل منها نور باهت للشمس يترك خيوطا زرقاء فيروزية.مهمهات وألحان طفولية لأطفال و زمجرة وأناشيد يتردد صداها بين زوايا المسجد القديم وهو يسبح في الزمان بخجل وحذر.فجأة يؤذن المؤذن وكأنه صوت قادم من عوالم مجهولة .فضاء مقدس يسبح في ميتافيزيقا غريبة تتشكل عقودها من علاقة الغيب باليومي بحضور اللاهوت في الناسوت كما هي القرى الصوفية. تخبو أصوت الطلاب والقراء يسود الصمت ليرتفع صوت الامام من جوف المحراب يتسلل من ظلام خفيف نبرة صوت الامام المبحوح المترجفة وأخاله “للإمام العالم سيدي محمد بن محمد التواتي حسب التأريخ للفترة” خطبة واعظة صارمة ومنضبطة تقول ايزابيل “الاسلام لا توجد فيه أسرار كهنوتة أو طقوس خاصة مقدسة ” الكل منكشف ميتافيزيقيا على الكل. لا صكوك ولا و ساطات ولا مبشرين بالغيب والجحيم.
تنتهي الخطبة بإقامة الصلاة بعدها يمر شيخ بلحية بيضاء وجسم نحيل بقميص أبيض وحبل ملفوف حول الخاصرة يقدم ماءً باردا في اناء فخاري للمصلين ويسقي المرضى والشيوخ بداية .تُختم الصلاة بصوت جهوري لشاب يتلو الأدعية والصلوات بلحن دافئ سريع ينهض الجمع يستعيد الكل نعالهم ويتفرقون في أزقة القصر.
تقول ايزابيل “كأن الصلاة كانت حلما رائعا بينما العودة للبيت في الجو الملتهب كابوسا عنيفا”.
لازالت هذه المتصوفة تطرح أسئلة من جوف قبرها ولا زال البعض يعارضها بشقاوة في الوقت الذي لا تستطيع الدفاع عن نفسها . لروحها السلام .
محمد بصري باحث من الجزائر.





