إمبراطورية التفاهة: كيف تُعاد هندسة العقول في زمن “الترند”-حسن كرياط : باحث في الإعلام

في زمنٍ تتسارع فيه التحولات الرقمية بوتيرة غير مسبوقة، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد فضاءات للتفاعل وتبادل الآراء، بل تحولت إلى أدوات فاعلة في تشكيل الوعي الجماعي وتوجيه الذوق العام. داخل هذا المشهد المتشابك، تبرز ظاهرة لافتة وخطيرة يمكن توصيفها بـ”إمبراطورية التفاهة”، حيث لم يعد المحتوى الهابط استثناءً، بل أصبح قاعدة تحكمها خوارزميات الانتشار ومنطق السوق الرقمي.
لقد تحولت التفاهة من سلوك فردي عابر إلى صناعة قائمة على استثمار الإثارة والسطحية، تُنتج محتوى سريع الاستهلاك، وتُروّج لأنماط تعبير تفتقر إلى العمق والمعنى. في هذه المنظومة، لا يُقاس النجاح بجودة الفكرة، بل بقدرتها على الانتشار، ولا تُكافأ القيمة، بل يُحتفى بما يُثير ويجذب الانتباه، مهما كان فارغًا من المضمون.
الأخطر أن هذا التحول لا يقف عند حدود الترفيه، بل يتجاوزها ليطال البنية القيمية للمجتمع. إذ يتم الترويج لأنماط سلوكية قائمة على الاستعراض والبحث عن الشهرة بأي ثمن، مما يؤدي تدريجيًا إلى إعادة تشكيل الذوق العام وفق معايير تُقصي الفكر وتُهمّش الجدية. وهكذا، يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويصبح الانحدار أمرًا مألوفًا لا يُثير الاستغراب.
إن ما يحدث اليوم هو نوع من “تطبيع الانحدار”، حيث تُقدَّم التفاهة في قالب جذاب، مدعوم بأنظمة رقمية تُفضّل ما يحقق التفاعل السريع على حساب ما يُراكم الوعي. وهذا ما يطرح إشكالًا عميقًا لا يتعلق فقط بطبيعة المحتوى، بل بالآليات التي تتحكم في انتشاره وتُحدد أولوياته.
وفي السياق المغربي، تتخذ هذه الظاهرة أبعادًا أكثر تعقيدًا، نظرًا لتقاطعها مع منظومة القيم المجتمعية والدينية، مما يجعل تأثيرها أكثر حساسية، خاصة لدى فئة الشباب. فغياب التأطير الرقمي وضعف التربية الإعلامية يُسهمان في انتشار هذا النمط من المحتوى، ويُضعفان القدرة على التمييز بين ما هو هادف وما هو مفرغ من المعنى.
مواجهة هذا الواقع لا يمكن أن تتم عبر المنع أو الرقابة فقط، بل تتطلب مقاربة شمولية تقوم على إنتاج محتوى بديل يجمع بين الجاذبية والعمق، ويستثمر في الإبداع والمعرفة بدل الإثارة الفارغة. كما تقتضي تعزيز التربية الإعلامية، وبناء وعي نقدي يُمكّن الأفراد من التفاعل الواعي مع ما يُعرض عليهم في الفضاء الرقمي.
إن التحدي اليوم لم يعد مجرد مقاومة محتوى هابط، بل مواجهة نموذج ثقافي متكامل يسعى إلى إعادة تشكيل الإنسان وفق منطق الاستهلاك السريع والسطحية. لذلك، فإن استعادة التوازن تظل رهينة ببناء وعي رقمي جديد، يعيد الاعتبار للقيم، ويُحرر الكلمة من هيمنة الضجيج.





