مقالات اجتماعية

‎عندما نقلِّد الآخر – ياسين احمد خلف

لقطة لرجل مسن يرتدي بدلة أنيقة، يجلس أمام مجموعة من الكتب في مكتبة.

‎يشهد عالمنا المعاصر ظاهرةً متزايدة من التقليد الثقافي والسلوكي، حيث أصبح الأفراد، ولا سيّما الشباب، يتأثرون بالنماذج الوافدة من مجتمعات أخرى، في الملبس والمظهر وحتى أنماط التفكير والتعلّم.
وهنا يُطرح تساؤل جوهري: هل التقليد مجرّد موضة؟ أم أنه يعكس أزمة في الوعي التربوي والثقافي؟
إن تقليد الآخر ليس بالضرورة سلوكًا سلبيًا، لكنه يصبح كذلك عندما يغيب عنه الوعي بالتمييز بين ما هو مفيد وما هو ضار، وما هو ملائم وما هو دخيل.

‎تتمثل المشكلة الأساسية في أن ثقافة التقليد السطحي امتدت من المظاهر إلى الممارسات التربوية والتعليمية،
فنقلّد النماذج دون أن نحلّلها أو نكيّفها مع واقعنا واحتياجاتنا المحلية.
وفي المقابل، تهمل مؤسساتنا التعليمية بعض العناصر الجوهرية التي أسهمت في نجاح تلك النماذج، مثل دور المكتبة المدرسية، واستخدام الكتاب كمصدر موثوق للمعرفة، وتنمية مهارات البحث العلمي لدى الطلبة.

‎في المدارس التي تُعدّ نماذج للتعليم الجيد في العالم، تُعد المكتبة والمختبر والتقنيات الحديثة أركانًا متكاملة ضمن البرنامج الدراسي.
أما في بيئاتنا التعليمية، فما زال حضور هذه العناصر ضعيفًا أو شكليًا.
لقد بات الاعتماد المفرط على الوسائط الرقمية، دون توجيه تربوي واضح، يُثير تساؤلات حول أثره على السلوك والقيم.
وما الانتقادات الموجّهة مؤخرًا إلى بعض المنصات الرقمية مثل “نتفليكس” إلا مثال على تأثير الثقافة الرقمية التجارية في تشكيل سلوك الطلاب وتوجّهاتهم.

وهنا ينبغي التمييز بين استخدام التكنولوجيا كأداة تعليمية والاستسلام لسطوتها كبديل معرفي.
فالكتب المطبوعة، بخضوعها للتقييم الأكاديمي والمراجعة العلمية، ما زالت تمثّل مصدرًا تربويًا موثوقًا، في حين أن المحتوى الرقمي التجاري غالبًا ما يُنتَج لأهداف استهلاكية لا تربوية.

‎إذا كنا نعيش في عالمٍ تغلب عليه “موضة التقليد”، فإن الواجب التربوي يقتضي أن نعلّم أبناءنا فنّ الاختيار الواعي لا مجرّد التكرار.
إن تبنّي النماذج العالمية الناجحة لا يعني نسخها، بل إعادة توطينها تربويًا وثقافيًا بما ينسجم مع قيمنا واحتياجاتنا.
وعليه، يجب أن تكون المكتبة المدرسية عنصرًا أساسيًا في البرامج الدراسية،
إلى جانب الوسائل التعليمية الأخرى، بما يعزّز ثقافة البحث والقراءة والتفكير النقدي.

‎إن بناء جيلٍ متوازنٍ بين الأصالة والمعاصرة يتطلّب تعليمًا ناقدًا واعيًا، لا تابعًا مقلِّدًا.
ولذلك، فإن إدماج المكتبة والكتاب والمصادر الموثوقة في بيئة التعلم، وتوجيه استخدام التكنولوجيا نحو غايات تربوية واضحة، يشكّل خطوةً أساسية نحو إصلاح تربوي حقيقي.
ولعلّ البداية تكون من المراحل الدراسية الأولى، حيث تتكوّن ملامح الشخصية، وتُزرع بذور الذوق، وتُبنى قيم الاختيار.

اكاديمي عراقي شاعر واديب

لاس ڤيگاس 2025/10/5

زر الذهاب إلى الأعلى

اكتشاف المزيد من المنار الثقافية الدولية

اشترك الآن للاستمرار في القراءة والحصول على حق الوصول إلى الأرشيف الكامل.

Continue reading