سجن العمر✍️توفيق الحكيم

١
لم يرني والدي يوم ولدت … كان مُتغيبًا في عمله بعيدًا، في بلدة صغيرة من بلاد الريف … كان وقتئذ وكيلًا لنيابة مركز «السنطة»، فترك والدتي تذهب لتلدني في بلدها «الإسكندرية» حيث تتوفَّر لها العناية الصحية. وهناك … في هذا الثغر، وفي حي «محرم بك» بمنزل أختها الكبرى هبطْتُ إلى الدنيا … وقد بعث زوجُ الأخت — أي عديل والدي — بخِطابٍ إليه يقول فيه بالنص:
«أرسلنا إليكم اليوم تلغرافًا تبشيرًا بقدوم نجلكم السعيد … وتفصيلُ الخبر أنه في الساعة العاشرة مساء الأمس شعرت السيدة حرمكم بألم يُشبه الطَّلق، فأردتُ إرسال الخادم إلى القابلة، فامتنعت بقولها: ربما لا يكون الأمر كذلك … ولم نزل مُترقِّبين حالتها إلى الساعة الثانية بعد مُنتصف الليل حيث اشتدَّ الألم، ولم يعد هناك شك في اقتراب الوضع. وعندها أرسلنا الخادم … وفي الساعة الثالثة حضرت القابلة وباشرت أعمالها … إلى أن كانت الرابعة، أقبل «أخينا» مصحوبًا بسلامة الوصول وقد رأيته صباح اليوم فوجدته مثل أبيه، ولكن دون «شوارب»!»
انتهى كلام العديل الفاضل … وقد أشَّر والدي على هذا الخطاب بالقلم الرصاص، موضحًا بما فُطر عليه من دقَّة سنرى دلائلها فيما بعد … كتب يقول:
كنت هذا اليوم موجودًا بالسنطة، فورد لي تلغراف من الأخ عديلي صورته:
«رُزِقتم ولدًا فأُطمئنكم وأُهنئكم.»
وقد كنت في ذلك الوقت في أودة الجلسة أتكلَّم مع القاضي علي بك جلال في شئون مختلفة، وكانت الساعة وقتئذ ١٢ ونصف إفرنجي.
ونقَل والدي هذه التأشيرة إلى دفتر صغير خاصٍّ اعتاد أن يدون فيه بعض شئونه — عثرت على هذا الدفتر بين مخلفاته بعد وفاته — أضاف فيه إلى ما تقدم هذه العبارة: «تحرر إليَّ خطاب آخر من عديلي يطلب تسمية المولود، فلم أُوفَّق إلى اسمٍ له، فحررتُ إليه جوابًا بأني فوضت الأمر إلى والدته في التسمية. ثم ذهبتُ إلى الإسكندرية وزرتُ زوجي فوجدتها مُتحسِّنة الصحة وأخبرتني أن الغلام سُمي باسم «حسين توفيق الحكيم» فلم يَرُق هذا الاسم عندي، وصمَّمت على تغييره بالطريقة القانونية. وفي نفس اليوم توجَّهت إلى المصوراتي. «مظهر حاوي»، وطلبتُ منه أن يُصوِّرني في ستِّ لوحات، لأني أردتُ الاشتراك في السكة الحديدية بين محل عملي في الريف والإسكندرية.»
هذا ما كتبه والدي في دفتره خاصًّا بمولدي … ولستُ أعرف شيئًا بالطبع عن اللحظة التي ولدتُ فيها … وهذا من سوء حظي؛ بل من سوء حظِّ البشر جميعًا أن نولد في غيبوبة تامة من عقولنا. فكلُّ عضو من أعضائنا يتحرَّك حين نولد، إلا ذلك الجزء منا الذي ندرك به الحياة التي هبطنا إليها. تُرى ماذا كان يحدث لو أننا واجهنا الحياة بعقول مدركة منذ اللحظة الأولى؟ كان يحدث العجب … كنا نفقد عقولنا للفور من هول الأعجوبة … أعجوبة الحياة في انكشافها المفاجئ أمام القادم من عالم الظلام والعدم!
ولكن الحياة تَنكشِف لنا على مهل سترًا بعد ستر وحجابًا بعد حجاب، وتتمزَّق من حولنا الأغلفة، غلافًا بعد غلاف … فنعتاد الحياة، ونغفل عن الأعجوبة فيها.
روت والدتي — فيما بعد — أني هبطت إلى الدنيا في صمت، دون بكاء أو صخب أو عويل، شأن الكثير من الأطفال، فحسبَتْني نزلتُ ميتًا، فارتاعت وهي على فراش وضعها، وسألت القابلة، التي ألقت بي بعيدًا لتُعنى بالأم: «لماذا لا يَبكي ويَصيح ككل المواليد الأصحاء؟» والتفتَ الجميع إلى ناحيتي فوجدوني أنظر — كما زعموا — إلى ضوء المصباح وإصبعي في فمي شأن المتعجِّب! … يا له من زعم! إن كل أم تُريد أن ترى في ابنها معجزة كمعجزة المسيح! لأنها في هذه الحالة ستكون هي مريم! … إذا ثبت حقًّا أني نزلت بغير صياح، فلعلَّ السبب هو أني كنت مجهدًا تعبًا مكدودًا من شدة الجذب إلى هذه الدنيا، أو أنه كان بلساني علَّة من العلل، أو أنه الضعف العام. وربما كان أفضل من ذلك جميعًا أن يقال — كما قيل في الكبر — إني آثرت الصمت والسكون بخلًا أو اقتصادًا في صياح لا طائل تحته! … ومع ذلك، فلماذا لا تحاك مثل هذه الأساطير عن ساعة الميلاد إلا فيما بعد دائمًا … عندما تُحدَّد لنا صورة ما في المجتمع الذي نعيش فيه. كذلك الحال في ساعة الوفاة … ساعة نولد وساعة نموت … ساعتان يلعب فيهما خيال الآخرين، لأنهما ليستا في حوزتنا.
لا أستطيع كذلك بالطبع أن أصف الحُجرة التي ولدت فيها. ولكن الذي أعلمه أن منزل العديل — زوج خالتي — الذي هبطتُ إلى الدنيا فيه لا بدَّ مِن أن يكون مناسبًا لوضعه الاجتماعي؛ فقد كان على شيء من اليسار … كان موظفًا بالدائرة السنية ومُستحقًّا في وقف. رأيت هذا المنزل فيما بعد عندما بلغت الخامسة أو السادسة، وبدأتُ أعي. إنه منزل صغير مكوَّن من طابق واحد؛ به حديقة صغيرة فيها تكعيبة عنبٍ خُيِّل إليَّ يومئذ أنها حرش من الأحراش.
وكان يُنفق كثيرًا، خصوصًا على شرابه وسهراته؛ فقد كان وقت مولدي في شبابه يحبُّ الكأس والطاس وعِشرة الظرفاء من الناس يَسمُرون ويُعمِّرون الليالي بالفكاهات والنكات، وكان هو نفسه — كما قيل لي وكما رأيت بنفسي فيما بعد — شائقَ الحديث بارع الدعابة، على قدر طيب من التعليم والاطلاع، يبدو ذلك من أسلوبه في الخطاب الذي أرسله إلى والدي مُعلنًا قدومي «بغير شوارب»!
كان العهد عهد «كرومر»، وكل من وفد على مصر يومئذ اعتبر نفسه سيدًا لنا أو مرشحًا للسيادة.
يروي زوج خالتي هذا أنه كان جالسًا بين أصحابه ذات يوم فجاءَه ماسح أحذية من الأجانب الوافدين، فبعد الانتهاء من مسح حذائه، أخرج مع الأجر بطاقته وقدَّمها للماسح الأجنبي قائلًا بنبرة الجد: «هاك اسمي وعنواني لتتذكَّرني وتشملَني بنظرة عندما تُصبح في بلادنا من أصحاب الجاه والمال والمناصب.»
أما زوجته الأخت الكبرى لوالدتي فكانت أميةً لا تقرأ ولا تكتب، بل ولا تُحسن غير التفكير في الخرافات الشائعة بين نساء جيلها … كانت على غرار — أمها جدتي — ولعلَّ هذا كان السر في فرار زوجها المتعلِّم الأريب إلى مجالس السهر والسُّكر والظرفاء والأدباء … أما والدتي فكانت الابنة الصغرى، بينها وبين أختها الكبرى ستة أولاد ماتوا كلهم قبل الوضع، ولهذا الموت المُلِحِّ سرٌّ في رأي جدتي؛ إنها تعزو ذلك إلى «جنية» تحت الأرض اسمها «القطاية» … تظهر أحيانًا في صورة قطة سوداء … وفي ذات ليلة ظهرت أمامها ساعة العشاء، وكانت تأكُل سمكًا مشويًّا. فماءت القطة تَطلُب قطعة، فلطمتها جدتي بظهر كفها فاختفت … منذ تلك الليلة ما حملت مرةً إلا وشعرت كأن لطمة تُصيب بطنها فيسقط الحمل لتوه … إلى أن جاء الحمل السابع، فنصَحها الناصحون أن تأتي بمُنجِّم معروف وقتئذ اسمه «أبو عجيلة» ليُحجِّبها بالأحجبة التي تَدرأ عنها السوء … فجاءت به وحَجَّبها بسبعة أحجبة، وعاشت والدتي … كانت هذه الجدة طيبة القلب هادئة الطبع، هكذا بدت لي عندما أخذتُ أعي وأشب وأترعرع، لقد بدَت لي على نقيض ابنتَيها الكبرى والصغرى بما رُكِّبَتا عليه من طبعٍ حادٍّ، تُثير أعصابهما أقل كلمة وأتفه حادث … على أني لم أعرف الجدة إلا في كهولتها … أما في شبابها، فقد كانت — كما قيل لي تُماثل الابنتين في الطبع الحاد والخُلُق الناري … ولم أرَ قطُّ — منذ وعيتُ — الأختين على وفاق، كانت الخصومة والمقاطعة بينهما هي الحياة العادية … أما لحظات الصلح فكانت عابرة كسحب الصيف، أو استثناءً أو شذوذًا لا يُصدَّق إمكان بقائه الطرفان، وهل يمكن أن يقوم بردٌ وسلامٌ بين نار ونار؟! لن أنسى أبدًا حيرة جدتي المسكينة بين ابنتَيها المتخاصمتَين على الدوام. كان لا همَّ لها ولا شاغل إلا التوفيق بينهما دون جدوى.
كانت أسرة والدتي من أهل البحر … ممَّن أُطلق عليهم اسم «البوغازية». ويظهر أن أصل هذه الأسرة من الترك أو الفرس أو ألبانيا … لا أدري بالضبط، إن سحنة والدتي وجدتي وما لهما من عيون زرقاء تنمُّ عن أصل غريب على كل حالٍ. ولم أَرِث أنا ولا شقيقي هذه الزرقة ولا ما يقرب منها؛ لأن سحنة والدي الفلاح القُح كانت فيما يبدو قديرة على صبغ بحر أزرق بأكمله. وكان جد والدتي لأمها يُسمَّى «كَلَا يوسف» وقيل إنه من «قولة»، وجدها لأبيها كان يُسمى الحاج «ميلاد البسطامي»، وابنه وهو أبوها اسمه «سليمان البسطامي». وقيل إنه كانت لدَيه شجرة نسب تُلحقه بأبي يزيد البسطامي الصوفي المعروف … وقد ذكرت لي والدتي أن أصلهم من فارس، ولكن أهلهم نزحوا إلى تركيا ثم وفدوا بعد ذلك إلى مصر … كل هذا سمعته دون أن ألقيَ إليه بالًا أو أُعيره اهتمامًا … إنما أنا أروي هنا ما لحق بذاكرتي مما حُكي حولي وأنا صغير … كان رجال البوغاز هؤلاء يَتوارثون المهنة أبًا عن جدٍّ، ويَحذقونها بالممارسة. وكانت لهم قواربهم البخارية التي يقودون بها السفن إلى البوغاز … كانوا يشترونها بأموالهم الخاصة شركة بينهم، ويقتسمون أرباح العمل بمُقتضى حصص تُوزَّع على الأسرة بعد وفاة عائلها … فلما مات جدي لوالدتي ورثَتْ عنه حصة.
وكانت هي صغيرة السن، لم تجاوز عامها الثالث يوم مات والدها، وهو لم يزَل شابًّا في الخامسة والثلاثين … مات ولم ترَه ولم تعرفه … فظلَّت طول حياتها تسأل عنه من رآه ومن عرفه: ما شكله؟ ما صورته؟ ما خلقه؟ ما صفاته؟ قالت لي إنه كان ممن أطلق عليهم الخديوي في ذلك العهد اسم «العصاة» لأنه كان من أنصار عرابي. ولبثت عمرها كله ترسم له في مخيلتها صورة الأبطال والأنبياء والقديسين، فما كان عندها قسَم أغلظ ولا أهم من القسَم «بسيدي البسطامي» هكذا كانت تُعلِّمني وأنا صغير. وربما كان قولي يحتمل الكذب عندها إذا قلت: «وحياة النبي». أما إذا قلت: «وحياة سيدي البسطامي» فما كان يُغتفَر لي أن أحنث به. كان لا بدَّ لقولي أن يكون صادقًا؛ وإلا فهو الجرم في نظرها الذي لا جرم بعده.
كانت جدتي أيضًا في أوج شبابها حين مات عنها زوجها … فنصحها الناصحون أن تَقبل الاقتران بزوج أختها المُتوفاة. بذلك ترعى أولاد أختها كما ترعى أولادها في كنف زوج ليس بالغريب عنها ولا الدخيل على الأسرة … رأي طيب ومعقول … ولكن الذي حدث، كما يحدث في كثير من الأحيان، هو أنَّ الآراء الطيبة والمعقولة تنقلب إلى نقيضها عندما تتحوَّل إلى واقع … فقد احتضنَت جدَّتي أولادها هي، أي: «البنتين» وخصتهما بكل رعاية وإعزاز، ونبذت وأهملت أولاد الأخت، وعاملتهم كما تُعامل أولاد الأعادي، وكان الزوج يَلحظ ذلك ويتغاضى … وقد بلغ من تدليلها لابنتَيها أن والدتي لم يكن يحلو لها أن تَنصب «أرجوحتها» إلا على باب حجرة زوج أمها، وتظلَّ معلَّقة بحبال الأرجوحة، تهزُّها هزًّا عنيفًا حتى تَنخلع مفاصل الباب، فإذا عاد الرجل إلى بيته مُتعبًا مكدودًا بعد عمل مرهق في البحر، ورأى ما حلَّ بباب حجرته، وأبدى ملاحظة، هبَّت في وجهه البنت الصغيرة باكية وسارعت إلى أمها شاكية، فتقوم قيامة الأم لإغضابه «اليتيمة» ابنتها! … أما الابنة اليتيمة فكانت تخرج لتوِّها إلى الحارة تتباكى وتصيح كذبًا «زوج أمي ضربني! زوج أمي ضربني!»
فيمصمص الجيران بشفاههم قائلين مترحمِّين: «لا حول ولا قوة إلا بالله! مسكينة البنت! طبعًا زوج أم … وماذا يُنتظر من زوج الأم؟!»
كان مِن بين أولاد هذا الزوج ابن شاب قد تعلم القراءة، وهوى قراءة القصص … فإذا فرغ من المطالعة جعل يقصُّ على الأسرة ما قرأ من أعاجيب قصص ألف ليلة وغيرها … وكانت والدتي تُسَر لسَماع هذه القصص سرورًا كبيرًا؛ فكانت بدلالها على جميع أهل البيت وبقوة شخصيتها منذ صغرها ترغم ابن خالتها هذا على أن يترك عمله في البوغاز، أو يتأخَّر عنه قليلًا، ويسهر الليل، ليقص عليها المزيد ممَّا في تلك الروايات والقصص.
ويبدو أن الفضل كان له في دفعها إلى تعلم القراءة والكتابة. ذلك الأمر المعيب بالنسبة إلى فتاة في ذلك العصر … إن كل ما كان يُسمَح لبنت مثلها أن تتلقَّاه من ضروب التعليم هو الإلمام بمبادئ التطريز والحياكة والتفصيل عند «المعلمة»، وكانت بالإسكندرية وقتئذ مُعلِّمة أجنبية فتحت مدرسة أو شيئًا كهذا ذهبت إليها أمي مع أترابها فتلقَّت عندها ضربًا من التعليم.
لكن هذا الشاب ابن الخالة ظلَّ بأبيه والبنت وأمها حتى سمح له بأن يحضر لها شيخًا يحفظها القرآن ويُلقنها حروف الهجاء.
وانتهى بها الأمر إلى تعلم مبادئ القراءة والكتابة، وتكفل بالباقي طبعها الحديدي وما فيه من عناد وإرادة وإصرار مع ذكائها الفطري، وروحها المتوثِّب الطامح ورغبتها الجامحة في أن تقرأ بنفسها القصص والروايات التي سُحرت بها … فلم يمضِ عليها قليل وقت حتى كانت قد تعلَّمت فك الخط، واستطاعت أن تصلَ إلى شيء من العلم بالقراءة والكتابة، مكنها من الاطلاع على ما تُريد الاطلاع عليه.
وبذلك أصبحت أكثر تنورًا من كل نساء جيلها في أسرتها. وكان هناك بون شاسع وهوة سحيقة بينها وبين أمها وأختها الكبرى؛ إذ لم يكن العلم أو التعليم كلمات لها وجود في دنيا تلك الأم والأخت. قد يبدو غريبًا في عصرنا أن نتصوَّر عالمًا بأسره عاش يومًا وربما ظلَّ يعيش حتى الآن في مكانٍ ما وليس في قاموس لغته كلمة علم أو معرفة. فنحن اليوم في عالم يتميز بأنَّ الناس فيه يُريدون أن يفتحوا عيونهم كل صباح على شيء جديد يعرفونه … والمعرفة تأتيهم كل صباح مع فنجان القهوة أو الشاي، في صورة جريدة من الجرائد، أو إذاعة من إذاعات الراديو. فمَن لا يستطيع القراءة، يستطيع الاستماع.
ما من أحد يستطيع اليوم أن يكون بمعزل تامٍّ عن مصادر المعرفة الجارية كما يجري الماء في الأنابيب … ولقد تغير معنى المعرفة تبعًا لذلك، فأصبحت أنواعًا ودرجات … منها العميق ومنها الضحل … منها الهامُّ، ومنها التافه … والخيار للناس فيما يتناولون من ألوان المعرفة … هذا الخيار لم يكن معروفًا لأهل العصور السابقة … وهذه الوسائل السهلة لم تكن مهيأة لهم … فدونهم وأي نوع من أنواع العلم أو المعرفة حواجز قائمة لا بد لهم من اجتيازها بالكفاح والإرادة … لذلك أدرك قيمة إرادة كإرادة والدتي في أن تتعلم لتقرأ … كما أدرك الصعوبات التي قامت في وجهِ امرأة كجدتي لتكون شيئًا آخر غير ما كانت عليه.
وهي لم تكن الوحيدة في بيئتها وعصرها … كان كل اهتمامها مُنحصرًا في وسائل السيطرة على بيت زوجها وعلى أولاده، وقد تمَّ لها ما أرادت … فقد فهمتُ عن والدتي أنها هي وأختها الكبرى كانتا حقًّا الآمرتَين مع أمهما في البيت.
ولم يكن الجميع — من زوج الأم إلى أولاده العديدين — إلَّا رهن إشارتها في كل رغبة ونزوة. كانت الهدايا واللعب وعرائس الحلوى في الأعياد والموالد لا تأتي إلا لهما … وكان كل هذا مُحتملًا ويؤدَّى عن طيب خاطر … إلى أن حدث ما ألقى ستار الختام على هذا الحال: فقد تزوَّجت الابنة الكبرى، أخت والدتي، وجُهزت وزُفت إلى زوجها في بيته … منذ ذلك الحين طار ما تبقى من عقل في رأس جدتي؛ فإذا هي لا تُوجد إلا في بيت ابنتها الكبرى … تجلس بجوارها وتعاونها وتُدلِّل كل مولود لها جديد، وكانوا بحمد الله كثيرين، كل منهم فوق رأس الآخر كما يقولون … هذا فضلًا عن تَشابُه الأم وابنتها الكبرى في العقلية، وإنفاق وقتهما الخالي في السحر لزوج الأم حتى يدبَّ الخلاف بينه وبين أولاده فيخلو لهما الجو … وبلغ الحال من السوء حدًّا لم يستطع معه زوج الأم صبرًا، ففي ذات يوم ذهبت زوجته تمضي أيامًا عند ابنتها الكبرى؛ فإذا هي تباغت بورقة الطلاق مرسلة إليها مع خادم.
طول طفولتي وأنا أسمع من والدتي وجدتي مأساة الطلاق هذه، وكأنها مأساة مقتل الحسين في كربلاء.
كنتُ وأنا غلامٌ أجلس إلى جوارها وهي تصنع قهوتها بنفسها؛ أصغي إلى مأساتها وأتحسر معها … كانت تُحبني كثيرًا لأني كنت أحسن الإصغاء إليها وإلى أملها الوحيد في الحياة وقتئذ، وهو أن يسود الوفاق بين الأختَين … إذ لم يكن لها من مأوًى غير بيتَيهما.
٢
تلك هي جدتي وابنتها الكبرى. أما الابنة الصغرى، وهي والدتي فقد سارت حياتها على النحو الذي تقدَّم وصفه، إلى أن تزوجت هي الأخرى. وحكت لي قصة هذا الزواج فقالت: إنَّ عمة العريس وأخته وهما من أهل الريف حضرتا إلى الإسكندرية للبحث عن عروس؛ لأنَّ أمه متوفاة، وإذا القدر أو المصادَفات أو الحكمة الخفية المجهولة حتى الآن لبني الإنسان، تلك التي تَنجلي دائمًا في هذه الظروف، فتجمع بين اثنين من دون الملايين لينتج عن اجتماعهما من النتائج ما لا يخطر على بال. قادَهما القدر إلى والدتي، أبصراها في فرح من الأفراح فإذا هي في نظرهما المطلب والبُغية؛ فهي يتيمة لا أب لها، ومثلها يعيش في كنف الزوج بلا تدلل ولا تكبر … جاءت العمة والأخت مُرتديتَين «الملس» لامعًا جديدًا، يفوح منهما العطر الفلاحي من الخزام والزعفران، وأحضرتا معهما صورة شمسية على الصفيح — شأن التصوير في ذلك العهد — للعريس وهو متَّشح بوسام عضو النيابة. فما كادت أمي بطموحها ترى هذا الوسام حتى ذهب لبها وعقدت العزم في سرِّها على التمسك به … ذلك أنها كانت تعلم معنى هذا الوسام؛ فقد كان لمنزل أسرتها نوافذ تُطلُّ على ما كان يُسمى «سكة الباشا»، أي الطريق الموصل إلى سراي رأس التين؛ حيث كانت تمر يوم العيد مواكب رجال الحكومة الكبار في ملابس التشريفة، ومن بينهم رجال القضاء بمثل هذه الأوسمة؛ من يومها وهي تُمني نفسها بزوج له مثل هذا الوسام. تلك كانت أحلامها كفتاة، لقد تقدم إليها تجار وبوغازية من رجال البحر فكانت تبكي وتُرغم أمها على الرفض … أما هذا المتشح بالوسام فقد تهلَّل له وجهها؛ إلا أن أهل هذا العريس لم يتقدموا بمهر محترم … قالوا إنه شابٌّ في مستهل حياته، عظمه ما زال طريًّا. لا يَحتمل كاهله المبلغ الطائل بعد … وهاجت الأم وماجت … ورفضت وهي تضرب على صدرها: «يا شماتة الأعادي أسلم بنتي بتراب الفلوس؟!» ويظهر أن المهر كان ضئيلًا حقًّا … لا يجاوز الخمسين «بنتو»، والبنتو هي العملة الذهبية في ذلك الوقت التي تقلُّ عن الجنيه … طردت الأم أهل العريس، ولكن البنت الراغبة أرسلت خلفهم خفية خادمة لها تقول لهم سرًّا أن ارجعوا؛ فالأم قد قبلت … ولم يسَعِ الأم إلا النزول آخر الأمر على إرادة ابنتها المصرَّة … ولم يَنفع التعنيف ولا التقريع … ولا صياحها بلهجتها الإسكندرانية القحة: «ما بجاش (أي ما بقاش) غير البنات يحكِّموا رأيهم ويختاروا العرسان.»
لكن ما من شيء كان يقف أمام إرادة والدتي إذا طلبت شيئًا وصمَّمت عليه فلا بد من أن تناله … وإن لها لمقدرة عجيبة في إخضاع جميع من معها لإرادتها … كان هذا شأنها مع أمها وزوج أمها وأولاده جميعًا، ثم زوجها هي فيما بعد … لم يقف أحد في وجهِها إلا أختها، ولهذا خاصمتها وعادتها طول العمر.
أما والدي فقد كتب بالقلم الرصاص في دفتره الصغير المعهود صفحة عنوانها «تاريخ الزواج»، قال فيها بالنص والحرف: «ليلة الدخول كانت ليلة الجمعة، أي مساء الخميس الموافق ٢٥ أبريل الموافق ليلة ٧ محرم بالإسكندرية بمنزل حضرة زوج الأم.» وأقمت بالمنزل بصفة ضيف مع العروس إلى يوم الخميس الموافق ٢ مايو … ثم قمت قاصدًا العزبة بصفط الملوك «يقصد عزبة والده الشيخ أحمد الحكيم»، وفي نفس اليوم سافرتُ إلى ناحية زرقون للاحتفال بعرس أولاد الحاج … «من الأقرباء» ورجعت مع والدي إلى العزبة يوم السبت ٤ منه … وفي يوم الأحد قمت قاصدًا المحلَّة الكبرى؛ حيث محل وظيفتي، لانتهاء الإجازة المصرح بها لمدة عشرين يومًا، وفي يوم الأربعاء مساءً قمت قاصدًا الإسكندرية وقابلني على المحطة حضرة عديلي وذهبت معه توًّا إلى منزله، وهناك كانت عروسي، فأقمت إلى يوم السبت ٩ مايو؛ ثم حضرنا جميعًا أنا وعروسي وحماتي إلى المحلة الكبرى.
هذا كل ما كتبه والدي في هذا الموضوع. فإذا قلبنا الصفحة وجدناه قد كتب عنوانًا آخر في رأسها بهذا النص والحرف:
«بيان ما صرف بسبب الزواج ابتداءً من ١٥ أبريل من جيبي الخاص.»
ثم يمضي بعد ذلك في سرد قائمة طويلة طريفة في تفصيلاتها ودقتها. أذكر منها ما يلي وهي أيضًا بالحرف والنص:
١٧ قرشًا صاغًا تذكرة درجة ثانية من المحلة إلى صفط الملوك في ١٤ أبريل.
١٠ قروش صاغ ليد عبده الخادم من ماهيته …
٢ قرشًا صاغًا أجرة حمار في تاريخه …
٥ قروش صاغ أجرة التخليص على فراخ الإسكندرية.
٥ قروش صاغ بقشيش للخدم يوم تاريخه.
ولم يذكر في دفتره مُناسبات هذه المصروفات فلستُ أدري أين ركب هذا الحمار المدون أجره بقرشَين؟! … ولماذا كان ركوب الحمار بسبب الزواج؟! … كما أنه لم يُوضِّح من هم الخدم الذين نفحهم الخمسة القروش؟! … لكن ما دام هذا كله قد دون تحت بند الزواج وبسببه فلا بدَّ من أن يكونوا من خدم أهل العروس، أي ممن يخدمون في بيت زوج الأم وبيت العديل؛ لأنه كان قد تنقل بين البيتين بصفة ضيف!
لست أعتقد مع ذلك أن والدي كان بخيلًا بطبعه … لأن البخل الحقيقي يجب أن يقترن بالرغبة في كنز المال … وهو لم يكن لديه مال ليكنزه … كان فقيرًا، كل اعتماده على مرتبه البسيط في ذلك الوقت … حقًّا كان والده يَمتلك في صفط الملوك بمديرية البحيرة نحو ثمانين فدانًا … لكن ما نفع ذلك والوالد له على ذمته أربع زوجات، عدا المطلَّقات … ولكل زوجة ومُطلقة أولاد منه بلغوا في مجموعهم عددًا كبيرًا؟ لقد كان يحكي أن المزواجين في الريف، ما كان يعرف الواحد منهم أولاده أو يُميِّز بعضهم من بعض … كان إذا جلس على المسطبة ومر أمامه صبي منهم أو غلام سأله: «أنت ابن مين يا ولد؟» فيجيبه مثلًا: «أنا ابن ستوتة أو خديجة أو هانم أو خضرة» وهلم جرًّا … وما كانت هناك طريقة للفرز أو التمييز سوى ملابس الأولاد … يكفي النظر إلى ثياب الولد فإذا كانت سابغة متقنة التفصيل فهو من أولاد زوجة جديدة. أما من كانت أثوابهم لا تغطي الركب فهو قطعًا من أبناء القديمات! فالوالد الكبير في الريف كان يأتي أيام الأعياد بالقماش ويُسلِّمه كله للجديدة المحظية على أنه للجميع، فتبدأ هي بنفسها وأولادها فتُفصِّل منه ما شاءت، ثم تُلقي بما فضل للأخريات.
كان والدي ابن الزوجة الأولى … وقد ماتت وهو صبي … ولست أعرف بالضبط تفصيلات طفولته، ولا ظروف تربيته الأولى؛ فقد كان بطبعه قليل الكلام كثير الكتمان فيما يتعلق بشخصه وشئونه … كل ما سمعت في هذا الصدد هو أنَّ فكرة التعليم أو الاستمرار فيه كانت تلقى دائمًا مُعارضة من أكثر الآباء في الريف في ذلك العهد … كانوا يُريدون من أبنائهم البقاء في الأرض يزرعون. غير أنَّ والدي كان يَصف أباه دائمًا بأنه رجل متنوِّر، وأنه جاور في الأزهر وزامل الشيخ محمد عبده في مبدأ الدراسة، ثم عاد إلى بلدته يزرع الأرض التي ورثها عن آبائه، وأنه لولا هذه الأفدنة التي آلت إليه لاستمر في العلم كما استمرَّ زميله القديم العظيم … ولقد أدركت جدِّي هذا في أواخر حياته، فرأيت فيه شيخًا جليلًا مهيب الطلعة، يرتدي الجبة والقفطان والعمامة، ويضع على عينيه نظارة سميكة. كانت هيئته حقًّا أقرب إلى صورة الشيخ محمد عبده التي نَعرفها جميعًا.
وكان والدي بارًّا بأبيه مُعظِّمًا له مدافعًا عنه وعن تصرفاته. كان يذكر مثلًا أنه لم يُكثِر من الزواج إلا لعدم توفيقِه إلى الزوجة المرتفعة إلى مَدارِكِه، وأنه كلَّما ظن أنه وُفِّق خاب أملُه. وإذا هو يخرج من خطأ إلى خطأ، وهو مُصرٌّ على تصحيح الأخطاء؛ لأن تصحيح الخطأ فضيلة. إلى أن اهتدى ووُفِّق آخر الأمر إلى الزوجة المتمدِّنة فسكن إليها. وهو قولٌ معقول.
ولقد كان والدي يَصف لي دائمًا ما كان يقتضيه حب العلم والتعليم يومئذ من جهد وجهاد … فما كان يصل إلى آخر الشوط فيه إلا المُصرُّ المتشبِّث. فقد كان هو وبعض إخوة له ممَّن أحبوا كتاب القرية وتعلَّقوا بالتعليم، يأتون في كل عام دراسي جديد بمن يتشفَّع لهم لدى والدهم كي يستمرُّوا عامًا آخر … فكان — مع رغبته في تعليمهم — يَقبل بشرط أن يكون العام المطلوب هو العام الأخير ثم يعودون بعده إلى الزراعة … فإذا مضى العام عادوا إلى الرجاء مرة أخرى مُقْسمين أنه الأخير. ويظلُّ العام يلد العام إلى أن اجتازوا مراحل الدراسة التجهيزية، وأصبح والدي على أبواب مدرسة الحقوق … فسكَت عنه والده وقد طمع في أن يرى أحد أولاده من الحكام! … كانوا شبابًا يُجاهد جهاد المُستميت في سبيل الحصول على التعليم … كل القوى كانت ضدهم: أهلهم ومجتمعهم وحكومتهم! … وكانوا يقنعون بالقليل، بل بأقل القليل … كان والدي مع بعض إخوته وأقاربهم وزملائهم ممَّن نزحوا إلى القاهرة لطلب العلم، يعيشون في سكن واحد؟ ويَطبخون لأنفسهم الطعام مرة كل أسبوع. هو يوم الجمعة: يوم العطلة … أما في بقية الأيام فكان طعامُهم مما يُجلَب من السوق كالجبن أو الفول. لأن انهماكهم في الدراسة كان يشغلهم عن إعداد طعام منزلي … أما يوم الجمعة فهو يوم الترف والتنعُّم عندهم: يُقبلون فيه على الطبخ. وماذا كانوا يطبخون؟ صنفًا واحدًا لا يتغيَّر لرُخصِه. وحسبه فخرًا ولذة وإمتاعًا أنه مما يُطبَخ على نار … وهذا وحده يكفي: إنه العدس.
وفي يوم جمعة اضطرُّوا إلى ترك حلة العدس فوق النار، في عهدة أخيهم الأصغر وخرجوا لبعض شأنهم، فما إن ذهبوا حتى خرج أخوهم هذا بدوره يلهو مع رفاق له كان هو من دونهم الذي يُكثِر من اللعب والهرب من الدراسة، ولم يُفلح في مدرسة رغم تعنيفهم له وضربهم إياه، فلما تذكَّر حلة العدس التي في عُهدته وعاد إليها وجد ما فيها قد علا وفاضَ على أرض الحجرة وامتزجَ بتُرابها، فما كان منه إلا أن غرَف بكفيه العدس المُمتزج بالتراب وأعاده إلى الحلة، ورجع إخوته بالفجل والكرات يُمنُّون النفس بالأكلة الشهية، وأقبلوا على الطعام فاكتشفوا التراب في أفواههم أكثر من العدس، فانقضُّوا على أخيهم وظلُّوا به حتى اعترف. فضربوه — وقد أضاع عليهم طبيخهم الأسبوعي الوحيد — فهرب. وكان جهدهم في البحث عنه أشق من جهدهم في تقويمه وحثه على الدرس. وأخيرًا وجدوه. ورأى والدي بعدئذ — كي يأمَن هروبه مرةً أخرى — أن يَربطه من وسطه بحبل ويُعلِّقه بواسطة بكرة في سقف الحجرة! … وهكذا كانوا إذا تركوه وحده كتفوه ثم شدوا الحبل المتصل بالبكرة فإذا جسمه قد ارتفع ولاصق السقف كأنه مِصباح «كلوب» غاز! فكرة عجيبة تدلُّ على عبقرية والدي، لست أدري كيف خطرت له! على أن كل هذا التأديب لم يمنع أخاهم هذا من ألاعيبه؛ فقد حدث يومًا أن عاد أحدهم من البلد؛ أي القرية، ومعه قدر من الأرز وأزواج من الحمام، فاحتفلوا جميعًا بالأكلة الباذخة النادرة، وجاءوا بقصعة كبيرة يُسمُّونها في الريف «المنسف». فوضعوا فيها الأرز بعد طهوه، فصار كومة كبيرة عالية وسلقوا الحمام، وكان نصيب كل واحد منهم حمامة، جعلها أمامه فوق الأرز، واجتمعوا كلهم حول القصعة، وأخذوا في الأكل. فما كان أسرع الأخ الأصغر إلى التهام حمامته بعظمها، ثم دس يده بخفَّة تحت كومة الأرز. وتسلَّل بأصابعه في شبه نفق أو شبه غواصة حتى صارت تحت الحمامة التي أمام الجالس في مواجهته، فسحبها بمهارة إلى أسفل وجنَّبها ناحيته … وكان صاحبها مشغولًا بازدراد الأرز، فما شعر إلا وحمامته قد اختفَت من أمامه فجأة دون أن يرى يدًا امتدَّت إليها، ولم يتبين الحقيقة إلا عندما لمحها في فم ذلك الأخ الأصغر. فهاج وماج، وهاج الجميع لهياجه.
وقام والدي يصيح: «هاتوا كمَّاشة أخلع أسنان هذا الملعون!»
وخاف الأخ الأصغر من تنفيذ الوعيد فهرب … ترك لهم القُطر كله هذه المرة ومضى إلى الشام على مركب شراعي، عمل به نوتيًّا … ثم ظهر بعد سنوات في بلدته وعاش فيها يَزرع ويمرح، ويَمرح أكثر مما يزرع.
أما والدي فقد استمر مع البقية في الدرس باجتهاد وصبر، ولم يذهب. مع ذلك إلى مدرسة الحقوق مباشرة كأغلب الزملاء؛ بل فضل الالتحاق بمدرسة الألسن مع زميل له هو «عبد العزيز فهمي» إلى أن تبيَّن لهما فيما بعد أن مستقبل مدرسة الحقوق أفضل؛ فسارعا بترك الألسن إلى الحقوق.
وكان فيما يبدو من خيرة طلبة مدرسة الحقوق … عثرتُ بين أوراقه وأشيائه وأنا صبي على قطعة نحاسية كنتُ ألعب بها ولا أعرف معناها. فلما بدأتُ ألمُّ بالقراءة طالعت منقوشًا عليها: «مجلة الشرائع». وإذا هي ختمٌ مما يُختم به إيصالات الاشتراك. ثم وقع بين يدي عدد قديم من هذه المجلة، قرأت عليه أن مؤسِّسيها هم ثلاثة من طلاب الحقوق: «إسماعيل صدقي» و«لطفي السيد» و«إسماعيل الحكيم» … كان هؤلاء الطلاب إذن على جانب من النضج وسعة الأفق … ما من شك أن كثيرًا من طلبة ذلك العهد كانوا يُدركون قيمة التكوين الثقافي، وكان لهم جلد عجيب على الاطِّلاع والتحصيل — بعضهم ومنهم والدي و«عبد العزيز فهمي» — كانوا ممَّن اتصلوا بالأزهر بعض الاتصال وداوموا القراءة في القرآن وكتب الفقه وغاصُوا في كتب الشعر والأدب القديمة. وجدتُ في بيتِنا من تلك الكتب الصفراء عددًا يملأ صناديق وصحاحير، انتفعت ببعضها فيما بعد. كان جيلًا مُدهشًا في رجولته. يبدو ذلك حتى في مداعباته ومعابثاته. ما أرى صورة تبرز هذا الجانب الفكه خيرًا من تلك الصورة التي رسمها «عباس محمود العقاد» … ونشرها في أخبار اليوم «يونية ١٩٥٤م» يوم شاء لي القدر العجيب أن أُنتخب عضوًا في المجمع اللغوي في كرسي «عبد العزيز فهمي» بالذات. كتب العقاد يقول:
«هذه فكرة تأتي في أوانها بعد استقبال زميلنا «توفيق الحكيم» بالمجمَع اللغوي. وبعد استقباله في مكان «عبد العزيز فهمي» رحمه الله. لم يكن يدور بخلد الأديب الفقيد الكبير أن يُقدم إلينا خليفته في المجمع حين حدثني نحو ساعة عن توفيق الحكيم وإسماعيل الحكيم … قال: «الله يرحم والده … كان مثل ابنه صاحب «تواليف».»
ومضى يحدثني عن إسماعيل زميله في المدرسة، ثم في سلك القضاء، فقال: إنه «طلع في رأسه» ذات مرة أن يَخترع نوعًا من التبغ غير الذي يُدخِّنه الناس، وتساءل: من ذا الذي فرض علينا تبغ أمريكا وحرم علينا أن ندخن تبغًا من زرع بلادنا؟!
وكانت تجربته الأولى في «السعتر الجاف»، وبعض الأعشاب التي يَبيعها العطارون، ولكنه لم يُثابر على هذه التجربة غير أيام. قال الأديب الفقيه الكبير رحمه الله:
وكان زميلنا في المدرسة محمود عبد الغفار مفلوقًا من زميلنا إسماعيل كرامة لهذه التواليف أو لهذه «الفلسفة، أو لهذه «القنزحة». فتعمد يومًا — عندما جاء دوره في طبع المذكِّرات المدرسية — أن ينقص منها واحدة، ووزع المذكرات على طلبة الفصل جميعًا، «وعددهم اثنا عشر طالبًا» ما عدا إسماعيل. وجاء دور إسماعيل في طبع المذكرات بعد أسبوع، فلم ينسَ ثأره القريب، وأحال الأمر على قِلة الغراء في المطبعة. ولكنه كشف السر ببيتَين من نظمه، أثبتهما على ذيل المذكرة وقال فيهما:
طبعت من الملازم ستتَين
وقصَّر في مطابعنا الغراءُ
فمن يُحرَم فلا يعتب علينا
فواحدة بواحدة جزاءُ
وقهقه الشيخ الوقور ضاحكًا وهو يستطرد في حديثه قائلًا:
واطَّلعتُ على النسخ وعلمتُ أنها «عيطة» بين محمود عبد الغفار بسَطوته الريفية وإسماعيل الحكيم بتقاليعه الشعرية، وذهبت إلى عبد الغفار أقول له: «إلحق! ليس لك مذكرة في هذا الأسبوع.»
فهجم عبد الغفار على حجرة المطبعة وانتزع الأوراق وبسَطها جميعًا أمامه وانتقى أوضحها وأنظفها ومضى بها، وإسماعيل ينظر إليه ويَستمع له وهو يُناديه بعد أن تخطى الباب: «امضغ الستتين يا حضرة الفيلسوف!»
ثم روى لي قصة من قصص كثيرة بينه وبين لطفي — يعني الأستاذ الجليل أحمد لطفي السيد — وإسماعيل الحكيم، قال: كنا نجلس على قهوة بميدان الأوبرا؛ وإذ أقبل علينا إسماعيل من بعيد فناديتُه مداعبًا: «يا مرحبا بالفلسفة.»
فما كان أسرع منه أن قال مجيبًا: «إن لم يكن فيها سفَه.»
وعقب الأستاذ عبد العزيز فقال: «وهكذا غلبنا، وكان يغلبنا دائمًا بسُرعة الجواب وارتجال الشعر والخطاب».»
انتهى مقال العقاد.
غير أنه عاد فكتب في نفس هذا الموضوع بمناسبة أخرى في جريدة الأخبار بتاريخ ٢١ أغسطس ١٩٦٣م ما نصه:
«قرأتُ اليوم في الصحف بشرى للمدخنين؛ لأنهم يستطيعون قريبًا أن يُدخِّنوا سجائر محشوة بالتفاح والبنجر والخضر والفاكهة بدلًا من السجائر المحشوَّة بالنيكوتين. وقبل أكثر من عشر سنوات سمعتُ عن خلطة جديدة للسجاير من اختراع «إسماعيل الحكيم» والد زميلنا «توفيق الحكيم»، وقوامها نخبة من الأعشاب، والزعتر على الخصوص، على أثر معركة من معارك اللغة في المجمع دعاني زميلنا الكبير عبد العزيز فهمي «باشا» إلى تناول الغداء معه بمنزله في شارع بطرس باشا المُجاور للشارع الذي أسكن فيه.
وجد شيخ القضاة عند دخوله حجرة الاستقبال نسخة من كتابٍ جديد للأستاذ توفيق الحكيم، فقال متمتمًا: «الله يرحم والده. هل صاحبكم يا تُرى كأبيه في فلسفته؟»
قلت: «وهل كان أبوه فيلسوفًا؟» قال: «على نحوٍ ما نعم … كان يحب أن يَبتدع له بدعة في كل شيء حتى التدخين. وخطر له يومًا أن يسأل نفسه لماذا يصنع الناس السجائر من الدخان ولا يصنعونها من الأعشاب الكثيرة التي تَمتلئ بها أحقاق العطارين عندنا؟ من الزعتر مثلًا، وهو أطيب رائحة وأحسنُ مذاقًا. وجاءَنا يومًا وكنت أنا ولطفي على قهوة بميدان الأوبرا، وفي يدِه سيجارة من تلك السجاير الفلسفية. ثم أخذ في شرح فلسفتِه التدخينية مع فلسفات أخرى في شتَّى مسائل القانون والاجتماع، وقد كُنا نَدرسها معًا بمدرسة الحقوق.» انتهى كلام عبد العزيز فهمي.»
ويختم العقاد مقاله بقوله: «ذكرت ذلك الاختراع القديم حين قرأت هذا الاختراع الأمريكاني الجديد، وأحببتُ أن أُذَكِّر به زميلنا توفيق الحكيم لكيلا تفوتَه المطالبة بحق الاختراع الأول إذا نجحت التجربة. وليسَت حُجته القانونية بالتي تخفى عليه.»
هذه الصورة الغربية التي نقَلها العقاد عن عبد العزيز فهمي لم أرَها أنا في والدي مع الأسف. فسُرعة الجواب والخطاب. كانت فيما يظهر قد انتهت واختفَت عندما شببت ووعيت. اختفت صورة الشاعر الفيلسوف المُتفنِّن بعثنونه أو لحيتِه الصغيرة التي كان يُربيها — كما علمت — ويتحدَّى بها الجميع … إلى أن حلَقَها له زملاؤه إسماعيل صدقي والآخرون ليلة زفافه «رحمة بالعروس كما قالوا» … اختفَت معالم تلك الشخصية بطرافتها.
ولم أجد أنا أمامي إلا رجلًا رزينًا وقورًا مُطيلًا في التفكُّر، مُتأمِّلًا في الكلام قبل النطق به إلى حدٍّ يكاد يُوحي ببطء الفهم والبديهة، مما أطمع والدتي وأثار فيها شعورًا بالتفوق، فكانت تقول لي دائمًا: «أنا أذكى من أبيك … أنا أسرع فهمًا من أبيك.»
كانت صورة والدي حقًّا أقرب إلى الانطفاء. أما تواليفُه وتفانينه وفلسفته فإني لأعجب أنها كانت له يومًا! … فإن الأب الذي عرفته كان أبعد الناس عن كل هذه الأوصاف … أتُرى مسئوليات القضاء والزواج والأسرة قد حطَّمت فيه كل شاعرية؟! لست أدري … هنالك مع ذلك لحظات وتصرُّفات وأحوال تبدو منه أحيانًا فتكشف عن المعدن القديم، إلا أنَّ لونها قد تغيَّر، كما تغير إطارها، فهي هنا تنصبُّ على الواقع اليومي … واقع حياته العملية والوظيفية والزوجية، ولا علاقة لها بالشِّعر والفِكر والتفنُّن، ولم أسمع منه هو قطُّ وصفًا أو ذكرًا لأيام شبابه تلك، وكأني به قد نسيها أو تناساها.
ما الذي حدث له بالضبط؟ أهو مجرَّد الزواج وأعبائه؟ أهي والدتي بشخصيتها القوية الثائرة العنيفة المسيطرة وجهت مصير زوجها كما أرادت هي؟ فحصرت نشاطه داخل الإطار العائلي المادي وحده؟ لقد كانت والدتي فعلًا شديدةَ القلق دائمًا على أمر معاشها، ولم يكن والدي يملك غير مرتبه. فإن أمه كانت مُعدَمة، وأبوه لم يَرِث عنه غير خمسة أفدنة مرهونة ضاعت في ديون التركة. مُرتَّب وظيفته كان إذن هو كل الضمان عند والدتي. ظل هذا هو اعتقادي الذي نفَّرني من الزواج زمنًا طويلًا. لكن والدتي أكَّدت لي أنها لم تكن مسئولة عن ذلك، وأن طبيعة والدي هي المسئولة، إنه فعلًا ينطوي على قلبٍ طيب يأبى عليه أن يسير في طريق يتعارض مع واجباته كرب أسرة. إن الشعور بالمسئولية والواجب أقوى عنده دائمًا من كل شيء، ولكي يحتفظ بصورته المتحرِّرة القديمة، كان لا بد من أن يصدر عنه من المخاطرات ما قد يزعزع الحياة الزوجية. وهو لا يرضى أن يحدث ضررًا بأهل بيته الأبرياء. هناك طريق يحتاج أحيانًا إلى الحركة الجنونية. لاحظتُ ذلك في بعض مواقف الحياة، وكنت أقول: «إن ما لا يُحلُّ بالعقل يجب أن يُحلَّ بالجنون.»
ولكن هناك أيضًا طبائع تأبى هذا الحل مهما يكن الأمر إذا أضرَّ بالآخرين. وهذه طبيعة والدي. إنَّ شعوره القوي بالواجب والمسئولية كربِّ أسرة كان يتضاءل أيضًا أمام شعوره بالتبعة. والواجب كقاضٍ، امتحن هذا الشعور يوم عُرضَت أمامه قضية التعذيب المشهورة في البحيرة خلال الحرب العالمية الأولى: يوم دبر الإنجليز مؤامرة ضد مدير البحيرة وحكمدارها تنكيلًا بهما؛ لأنهما لم يُظهرا روح التعاون معهم. وشمَّ والدي رائحة التهديد والإرهاب تحُوم حوله، وأحسَّ بأن منصبه مُهدَّد إذا عارض أو اعترض. فما التفتَ إلا إلى صوت ضميره وحده وحكَم بعكس ما أراد الإنجليز. فكسَرُوا حُكمه وجاءوا بمن أعاد النظر فيه وحكم لهم بما أرادوا. وتأخَّر والدي بسببها في الترقية.
ثم ما كان من أمره يوم رأس محكمة أحد أعضائها إنجليزي، فلمَّا دقَّت ساعة الظُّهر طلب العضو الإنجليزي وقْف الجلسة ليذهب إلى منزله ويتغدَّى مع زوجته، فقال له والدي بحزم: «جلستنا مُستمرَّة حتى الثالثة، وربما الرابعة. واعمل حسابك على ذلك يا مستر ما دمتَ معنا هنا. أما وَقفُ الجلسة من أجل أن تتغدَّى في بيتك فمُستحيل!»
وكظَمها القاضي الإنجليزي، وجاء صاغرًا في اليوم التالي يَحمل سلَّة صغيرة فيها وجبة خفيفة يتناولها في الاستراحة.
احترامه للواجب وطبعه الذي يُنكر الدَّوران مع المصلحة والوصول. هذا الطبع كان من أهم أسباب تخلُّفه عن زملائه في سلك الوظائف، فهو ما قفز فيها قطُّ قفزة، ولا روعي أي مراعاة أو حُوبي أي محاباة، إنما هو قد سار فيها من أول الطريق إلى آخره ببطء السائر الطبيعي. الذي لا يُسنده غير مجرَّد عمله.
ولنَعُد إلى دفتره أيام شبابه، فهو وحده الذي نجد فيه بعض الإشارات إلى حياته الماضية، كتب يقول في إحدى صفحاته:
«خرجت من مدرسة الحقوق، وحصلت على الشهادة النهائية في علم الحقوق «ليسانسيه» وانسلكت ضمن مستخدمي الحكومة، وعُينت كاتبًا «ظهورات» في محكمة طنطا مع قاضي التحقيق محمد بك صالح وأحمد أفندي عبد الرازق.» … انتهى كلامه.
ولعلَّ ما يَستلفِت النظر فيه هو أنَّ الحاصلين على الليسانس في ذلك الوقت على نُدرتهم — كانت الدفعة تَتراوح ما بين عشرة واثني عشر طالبًا — كان المُتخرِّج منها يوضع أول درجات السلم. فلم يكن هناك من هو دونهم كما ترى، غير السعاة والفراشين، ومن هنا جاءت ولا شك متانة تكوينهم؛ فقد عرفوا العمل من أساسه، وفي مراتبه الدنيا، وكانوا يصعدون بعد ذلك درجة درجة … يقول والدي في نفس الصفحة:
«وعُيِّنت معاونًا للنيابة، ونُقلت إلى ملوى، وأقمت بها ثلاثة شهور، ثم نقلت إلى أسيوط، ثم إلى جرجا. ثمَّ عينت مساعدًا للنيابة في إيتاي البارود، ونظرًا لكون بلدنا «صفط الملوك» هي في دائرة تلك النيابة نُقلت إلى سوهاك. واعتراني مرض الدوسنطاريا ولازمني ثلاثة أشهر؛ فحرَّرت خطابًا بالعربية إلى جناب النائب العمومي «كوربت بك» لنقلي إلى نيابة في الوجه البحري، فنُقلت إلى نيابة بنها … ومكثت بها إلى أن نقلت إلى نيابة المحلة الكبرى.» وفي صفحة أخرى من الدفتر كتب يقول:
«قررت نظارة الحقانية ترقيتي مساعدًا للنيابة بمرتب عشرة جنيهات شهريًّا.»
ويظهر أنَّ والدي منذ أن بلغ مُرتَّبُه هذا المقدار بدأ يُفكر في الزواج.
ولعلَّ ما كان فيه من وحدة، وما اعتراه مِن مرض دفعه إلى ذلك دفعًا، وكان لا بد للبحث عن العروس من معاونة الأهل. ولم يكن بين النساء من أهله في الريف من تستطيع القيام بهذه المهمة في البنادر غير واحدة، هي زوجة أبيه الجديدة: سيدة إسكندرانية الأصل، بيضاء البشرة، على جانب من الجمال والتمدُّن جعل منها سيدة الناحية ذات الحظوة عند رب الأسرة وأولاده ونسائه القديمات جميعًا. فأوصاها والدي كما أوصى العَمَّة والأخت السابق ذكرهما بالبحث عن بغيته.
وأوضح طلبه قائلًا: إنه لا يُريد زوجة من بيوت الباشوات التي يَجلس على أبوابها الأغوات.
كان المعروف وقتئذ أن رجال القضاء تتخاطَفُهم الأسر الكبيرة الثرية، لما ينتظرهم من مُستقبل في حكم البلاد، وقد تزوج أكثر زملائه بالفعل من بنات الباشوات. ولكنه هو — ربما لطبيعته الشعرية — لم يكن ذا مطامع من هذا القبيل. كان كل مطلبه زوجة ذات وجه حسن وعلى قدر من التعليم والتنور.
وهكذا تم العثور على والدتي.
٣
ذهبت العروس إلى المحلة الكبرى. وما كانت تدخل بيت زوجها حتى صُدمت. لم تجد هناك شيئًا يؤكل. اللهم إلا علبة صغيرة بها قليل من السمن، قد أَغلق عليها بالقفل والمفتاح كأنها علبة جواهر! وسألت زوجها عن مرتَّبه الحقيقي فقال: عشرة جنيهات. فصرخت من الفزع وقالت: فقط؟! إنَّ أهله عند خطبتها قالوا: «مرتبه أكثر من عشرين جنيهًا، غير اللي يخش له!» فصاح فيها: «يخش لي؟ … أنا وكيل نيابة؟! … أيُمكن لوكيل نيابة نزيه أن يَدخُل له شيء غير مرتبه الرسمي؟ ومع ذلك فالعشرة الجنيهات مخصوم منها أيضًا احتياطي المعاش.»
وهنا لطمت صدغَيها، كما قالت لي، وشعرت بالخوف من المستقبل … فقد كانت ذات طبيعة متناقضة؛ فيها جرأة وفيها خوف في نفس الوقت. جرأة على الناس، وخوف على نفسها. وجعَلَت تفكر طويلًا في طريقة تُؤمن بها حياتها. قالت في سرِّها: إذا مات هذا الرجل في اليوم التالي فماذا تصنع؟ أما والدي فكان يرى الأمر طبيعيًّا؛ لأنَّ هذا هو الوضع بالنسبة إلى أكثر زملائه. فقال لزوجته: «احمدي ربك أني لم أتزوَّجك بعد تعييني كاتبًا «ظهورات» بخمسة جنيهات كما فعل بعض الزملاء! … ماذا كنت ستفعلين إذن؟!»
على أن الأمور أخذت بعد ذلك في التطور الحسن. فلم يلبث أن رُقي وكيلًا للنيابة من الدرجة الرابعة بمرتب خمسة عشر جنيهًا. ورأى أن يُرفِّه عن زوجته فعرض عليها السفر معه إلى أهله في «صفط الملوك» ليقدمها إلى أبيه، لعله يظفر منه بشيء من المساعدة. وكنت قد وُلدتُ منذ شهور؛ فحملَتْني والدتي بين ذراعيها وركبت القطار، ووالدي إلى جوارها. وهي فَرِحة بالرحلة تُمَني نفسها بنزهة في الريف جميلة: شهر عسل حقيقي وإن جاء متأخرًا. ولم تكن — وهي التي عاشت طول حياتها أمام البحر — قد شاهدت الريف قط؛ فكانت تخلط بين البقرة والجاموسة وهي تراهما في الحقول من نافذة القطار. وفجأةً أحسَّت كأن زوجها يريد أن يقول لها شيئًا ويتردَّد. ثم رأته قد تشجع ومال على أذنها قائلًا: «عندي كلمة أحب أن تَسمعيها» فأصغت إليه وقد توجَّسَت من نبرته ما أثار قلقها. قال: «إذا وجَّهَت إليك زوجة أبي كلمة جافية فتحمَّليها.»
شعرت والدتي عندئذ — كما وصفَت لي فيما بعدُ — بالدم الحارِّ إياه يصعد إلى رأسها وأجابت على الفور: «والله لو قالت لي كلمة لأرد عليها بعشرين!»
فجعل والدي يستعطفها: «أرجوك! … لأجل خاطري وخاطر أبي!
فلم تجب … ولبثت طول الرحلة مغلقة الشفتين منغصة البال، وقد ضاعت منها لذة السفر وبهجته … ووصلت إلى العزبة، فوجدت هناك بيتًا كبيرًا، أنزلوها هي وزوجها وطفلها في حجرة منه … بالجناح الذي تقيم فيه الزوجات القديمات … كانت كلُّ واحدة منهنَّ تختص بحجرة هي وأولادها … أما الجناح الآخر الأنظف في حجراته الأحسن في موقعه فقد كان مخصَّصًا لرب الأسرة الكبير وزوجته الجديدة المتمدِّنة وأولادها … ولم تلبث الزوجات القديمات أن أحَطن بوالدتي وجعَلْن يُحذِّرنها من غطرسة الجديدة وكبريائها … وكانت إحداهنَّ تُفصل ثوبًا بمقص في يدها وهي تقول: «غدًا تَرشقك بكلامها الحاد كالسيف.»
فأجابت والدتي في انطلاقة السهم: «والله لأقطع لسانها بهذا المقص الذي في يدك!»
ولم تمضِ ساعة حتى كانت هذه الكلمة قد نُقلَت بنصها إلى سيدة المكان! … ولا تدري والدتي كيف نُقلت ولا مَن التي نقلتها من بين الحاضرات … كل الذي تعلمه وتذكره دائمًا طول حياتها ولا تنساه هو أن الدنيا قامت وقعدت … وإذا بمحكمة تُنصب، وإذا بسيدة البيت تصيح بأعلى صوتها: «نادوا سيدكم الكبير.»
وإذا بربِّ البيت يَحضر بوقاره وشيبته وجبته وقفطانه، ويجلس في صدر المكان ويطلب والدي، ويأمره بإحضار زوجته لتُسأل هل تلفَّظت حقًّا بهذه الكلمة!
وحضرت والدتي تحملني بين ذراعيها. ووقف بجوارها والدي يهمس في أذنها أن تُكذِّب ما نُقل عنها … ولكنها قالت له بعصبيتها: «قلتها وأقولها مرةً أخرى في مواجهتها.»
فأفهمها والدي أنها إذا أصرَّت على هذا الموقف فإنه سيُضطرُّ إلى طلاقها … كانت والدتي تذكر لي مركزها هذا الدقيق وهي مُهدَّدة بالطلاق وعلى ذراعها طفل … وليس أمامها إذا وقعت الواقعة إلا شماتة زوج أمها الذي كان يَعتقِد دائمًا أن مثلها لن يُفلح في زواج. لن يكون لها مصير إلا المعيشة في بيت أختها التي تكرهها، والموت أهون لها من ذلك … لكنها على الرغم من هذا كله لم تُفكِّر في تلك اللحظة إلا في موقفها المهين أمام تلك المحكمة العجيبة المنصوبة لإذلالها، وهي العروس الضيفة! … وجعلت تنظر إلى الوجوه المحيطة بها؛ إن جميع من في هذا البيت الكبير قد حضَر المحاكمة؛ كل الزوجات القديمات وأولادهن ومن كان بالعزبة من إخوة زوجها ونسائهم لم يبقَ أحد لم يَحضُر ليُشاهد، أو ليشهد بالحق وبالباطل إرضاءً لسيد البيت ونفاقًا لزوجته المفضلة. لم يكن لها وقتئذ … وهي الغريبة … من سند وظهير بين كل هؤلاء إلا زوجها، ولكن زوجها كان كل همِّه أن يثير أزمة، كان يريدها أن تَكذب أو تَعتذر. وكانت هي تنتظر منه أن يقف إلى جانبها، وأن يثُور لها، وأن يُنافح عنها ضد زوجة أبيه … ولو أدَّى الأمر إلى انسحابه والعودة معها فورًا من حيث جاءا … لكنه وقف إلى جوارها كي يحثها على الإنكار أو الاعتذار. ولم تقبل هي واحدًا منهما. لقد أصرَّت على أنها قالت ما قالت، وأن مَن يتجرأ على إهانتها فإنها تقطع لسانه بالمقص … وكررت الكلمة وعند ذاك صرخت سيدة البيت وأهابت بالسيد الكبير أن يُنزل سخطه ونقمته على زوجة ابنه السليطة.
تقول والدتي إنَّ والدي سحبها من يدها وهو يُهمهم بكلمة الطلاق أو يُهدِّد بها. وخرج بها إلى حجرتها. كانت والدتي تقصُّ عليَّ هذا الموقف وهي منفعلة وتختم بقولها: «خذلني أبوك يومها … خذلني بنذالة!»
لم أكن مع الأسف في السن التي تعي ما حدث، لأُصدر رأيي، ولم أسمع القصة من والدي ولا رأيه فيها … ولكن الذي أعلمه أن والدي كان بارًّا بأبيه، شديد الحرص على إرضائه، وعلى إرضاء زوجة أبيه كرامةً لأبيه … قالت والدتي إنَّ الموقف لم يُنقِذه إلا السيد الكبير نفسه … فقد احترم فيها الشجاعة … وأدرك أنها ليست من طراز أولئك الزوجات القديمات، وأنه لا بدَّ لها من معاملة أخرى … فسعى إليها في حجرتها، ولاطفها وأصلح الأمور بينها وبين زوجته.
ولكن والدتي خرجت من رحلة الريف هذه بأمرَين؛ الأول تثبيت نظرتها المتشائمة إلى مثل هذه الحياة الزوجية … والثاني ضرورة إيجاد مَورد مالي لها يحميها من غوائل الدهر … فما إن عاد الوفاق بينها وبين زوجها على أتمِّه، وآنست منه إخلاصًا وعطفًا، حتى فاتحته بهدفها، فقال لها إنه فلَّاح ولا يفهم إلا في الأرض! … وكان لها من حصتها في البوغاز ومن نصيبها في البيت الكبير الموروث عن أبيها قدر من المال، استطاع زوج أختها بما طُبع عليه من شهامة ومروءة وأخلاق كريمة أن يَستخلِصه ويدَّخره لها … جُهزت بجزء منه، والجزء الباقي اشترى لها به عقارًا صغيرًا في حي رأس التين … ولم يكن جهازها قد تم نقله كله إلى المحلة الكبرى، فكتبت إلى زوج أختها تسأله أن يعرض الجهاز المتبقي للبيع وكذلك العقار … وقد تجمَّع لها من كل ذلك ما يقرب من ألف جنيه، وعاونها والدي خير معاونة وأصدقها في هذا المشروع. وجعل يبحث لها طويلًا عن بغيتها.
في صفحة من دفتره الصغير فقرة لا أدري أكانت تتعلق بهذا الموضوع أم بغيره … هذا نصها:
«١٥٧٠ (ألف وخمسمائة وسبعون فدانًا) … بناحية البلقون تعلق المرحوم أمين باشا سيد أحمد صهر حضرة إسماعيل بك صدقي … الوصول إليها بطريق الترمواي من كفر الدوار إلى محطة سيدي غازي … الأرض المذكورة هي بجوار عزبة الخواجة متري وعزبة الخواجة بابا المعروفة بعزبة شاكر شقير وعزبة الخواجة صيدناوي، الثمن المطلوب خمسة جنيهات للفدان … ولكنَّ المراد أخذها من ٢ جنيه إلى ٣ جنيهات.»
هذا ما سطره والدي بالحرف … ولم يتم بالطبع شراء هذه الصفقة … لكن من جهة أخرى هذا الفدان الذي عُرض للبيع بمبلغ خمسة جنيهات، وأراده والدي بجنيهَين أو ثلاثة، ماذا كان نوعه وصفته؟ … وماذا كان يمكن أن يثمر؟ لا شك أنه كان سيحتاج إلى استصلاح بأضعاف ثمنه، وكان سيغرق في رماله وسبخه وملحه ما ادَّخرته أمي وما يُمكن أن تدَّخره طول حياتها. ووالدي له من النصائح المالية ما يغرق للآذان، كما سنرى فيما بعد. فعلها معي أنا نفسي مرة عقب الحرب العالمية الأولى … عندما هبطَت قيمة المارك الألماني بعد هزيمة ألمانيا. كنت قد ادخرت عشرة جنيهات، جمعتُها مِن مصروفي طول عهود دراستي بالصبر والحرمان … فجاء ذات يوم يزفُّ البُشرى ويقول: «إنَّ المليون من الماركات سعره الآن في البورصة عشرة جنيهات.» … وظلَّ بي يُغريني حتى دفعت له الجنيهات العشرة مدخري كله، فذهب بها وعاد إليَّ بشيك طويل عريض على «الدويتش بنك» تحرَّر عليه بالألمانية مليون مارك. قدَّمه إليَّ وقال بلهجة الانتصار: «أنت الآن يا ولد مليونير!» … كان دائمًا يناديني بلفظ «يا ولد» أو «يا ولد يا توفيق» … حتى بعد تعييني عضوًا بالنيابة! … وجعل يَحسب لي بالقلم والورقة وهو يقول: «لا بد من ارتفاع سعر المارك غدًا … لأنه من غير المعقول أن يظلَّ هكذا في ألمانيا عندما تستتبُّ الأمور … فلنَفرض مثلًا أن قيمته ستُصبِح قرشًا واحدًا … إذن سيصبح معك عشرة آلاف جنيه … فلنَفرض أسوأ الفروض ولنقل إنه أصبح بنصف قرش؛ إذن سيكون عندك خمسة آلاف! … خمسة آلاف جنيه على أسوأ فرض! … ما رأيك؟»
وجعلت أحلم بهذه الآلاف … إلى أن أُعلنت الحقيقة ذات يوم … الحقيقة المرة … لقد قررت ألمانيا إلغاء هذا المارك … وأصبح الشيك الطويل العريض الذي في يدي حبرًا على ورق! وضاعت جنيهاتي العشرة!
لم أغتفر لوالدي يومئذ تلك النصيحة المالية التي خربتني! … لذلك لستُ أشك في أن تلك السطور التي دونها في دفتره هي من وحيه المالي، وأن اتجاهه إلى البحث عن الأطيان التي تعدُّ بالألوف وتُشترى بالقروش إنما هي من بنات أفكاره … ولكنَّ الله سلم! … لم يتحقَّق حلمه الذهبي … بل تحقق شيء آخر.
ظهر في ذلك الوقت قريب لإحدى زوجات جدي القديمات، كان رجلًا طيبًا يحب والدي وأراد أن يخدم والدتي … سمع بنُصح مَن نصحها بشراء عشرة فدادين فقط جيدة بمبلغها هذا … فرفض هذا الرأي وقال لوالدتي: «والله لأعثر لك على عزبة لا تقلُّ عن سبعين فدانًا يُمكن مع العمل أن تُصبِح جيدة.» وكان ما قال، وعثر لها فعلًا على عزبة بهذا القدر بناحية أبي مسعود … كانت تُسمى عزبة نوري، معروضة للبيع بثلاثين جنيهًا للفدان صالح أكثرها للزراعة.
وهنا برزت عقبة كبرى، جملة المبلغ المطلوب ٢١٠٠ جنيه وكلُّ المتحصل الموجود في يد والدتي حوالي ألف لا غير … ما العمل؟ لم يكن هنالك من سبيل لشراء هذه الأرض إلا اقتراض الباقي من البنك العقاري … وتمَّ السعي لدى البنك فقبل بشرط أن يُوفد خبيرًا يُقدِّر قيمة الأطيان … وكان الخبير — لحسن المصادفة — من أصدقاء والدي منذ عهد الدراسة … كانا مُتجاورَين في الحارة المذكورة التي سكنوا فيها أيام الطلب … أصبح مهندسًا ومقاولًا وخبيرًا … وقد ظلَّ صديقًا للعائلة طول حياته … سيأتي ذكره هنا فيما بعد، فلأذكر اسمه الأول فقط «يوسف» … هذا المهندس الصديق «يوسف» قدَّر الأرض تقديرًا طيبًا سمح للبنك أن يُقرِض المبلغ على أن تُرهَن له الأطيان، ويُسدَّد الدين على مدى ثلاثين عامًا بالفائدة. أسرد هذه التفاصيل؛ لأني عشتُ طول شبابي الأول، وتخرجت في مدرسة الحقوق، وسافرت إلى أوروبا وعدتُ منها وعُيِّنت عضوًا بالنيابة، والرهن قائم والفوائد تُدفع والأقساط تُسدَّد، وهذا القرض لا يزال راسخًا عتيدًا لا يُريد أن يزول! ووالدتي تعترف دائمًا لوالدي بجميل سعيه وجريه واجتهاده بكل همة وإخلاص في موضوع شراء هذه الأرض، حتى تمَّت كل تلك الإجراءات المُضنية اللازمة لعقد شراء الأطيان وتسجيله … غير أنها فوجئت — كما تقول — ذات يوم في غيبة والدي باستلام أوراق، ما إن اطَّلعت عليها حتى جُنَّ جنونها: لقد اكتشفت أن زوجها كتب لنفسه ثلاثين فدانًا من الأطيان وكتَب باسمها الأربعين. ولكنها ليست باللقمة السائغة ولا الفريسة الهينة … إنها لم تكَدْ ترى وجهه حتى استقبلته بالصراخ والزعيق واتهمته بسوء استغلال التوكيل عنها، ورمته بألفاظ النصب والاحتيال، وظلَّت به تنكد عليه عيشته بما طُبعت عليه من صلابة إرادة حتى استسلم وأذعن … ونهض يُصحِّح الوضع كما شاءت هي … وبذلك أصبحت حُجَج الأطيان كلها باسمها هي وحدها.
٤
كل هذا وقع وأنا في السنوات الأولى من عمري. في تلك السنِّ التي لا تَستطيع معها الذاكرة أن تخترق الضباب الكثيف المُحيط بها. فنحن عندما نُريد أن نرتد بذاكرتنا إلى الطفولة نجدها قد انتهَت إلى شبه جدار أسود أصم نَصطدم به، لا نُبصر بعده شيئًا. اللهم إلا بعض صور مبتورة غامضة، نحار في معناها، ومهما يُحاول الكبار تفسيرها لنا، فإن هذا التفسير يبدو أضأل بكثير من الحجم الهائل الذي تبدت لنا فيه. ذلك أن كل شيء تحرك في عالم الطفولة اتخذ أشكالًا لا يستطيع عقل الكبار أن يحيطوا به ليفسروه على حقيقته التي ظهر بها في ذلك العالم الصغير الكبير الغامض. من ذلك منظر تلك العفاريت، المتدثِّرة في البياض أو السواد، التي كانت تظهر لي خلف الأبواب، ثم تختفي بسرعة البرق! كنت أرتاع منها أشد الروع، وكنت أحار في تعليل طريقة ظهورها واختفائها. قيل لي فيما بعد إنها الخادم والمُرضِعة كانتا تتدثران في ملاءة الفرش البيضاء أحيانًا وفي ملاءة سوداء، لتخيفاني وتُسكتاني. ذلك أنى كما يَروون كنت طفلًا مزعجًا، «بشقاوته وعفرتته» … كان همي إلقاء أدوات المنزل وأوانيه من ملاعق وشوك وسكاكين وأطباق وغيرها من النافذة. والفرجة عليها والمرح بمَنظرها وهي مُلقاة بالطريق. وتعدى الأمر ذات يوم إلى «نميسة» ذهبية للمرضع اشترتها بكلِّ ما ادَّخرته من أجرها، غافلتُها وانتزعتها من صدرها وألقيت بها في الطريق. وكان باب المنزل قد أغلقته علينا والدتي بالمفتاح، كعادتها عند خروجها لزيارة، حتى لا تنزل بي المرضعة إلى الطرقات. فلما ألقيتُ بالحلية الذهبية. وقفت صاحبتها في النافذة تنظر إليها وهي ملقاة في الشارع وقد أصابها الخبل، وجعلت تصيح وتستغيث بالمارة والجيران. وأنا أنظر إليها ضاحكًا من منظرها كما قالوا.
لا أذكر تمامًا مثل هذه الحوادث. إنها وقعت ولا شك في مرحلة خارج منطقة الوعي عندي. كل ما أستطيع أن أذكره وأعيه في تلك المرحلة هي صورة العفاريت المتدثرة في البياض أو السواد! هذا ما استطاع أن يَعلق بذاكرتي على نحو باهت غامض.
ثم عقب هذا العهد مرحلة أخرى أكثر وضوحًا: مرضي الطويل. لقد وُلدت فيما علمت ممتلئ الصحة. ولكن هذه الصحة لم تدم أكثر من سنوات قلائل، أربع أو خمس. ثم ألمت بي الأمراض … إني أذكر هذه المرحلة … يُخيَّل إليَّ أن المرض كان مقيمًا بجسمي لا يزول إلا ليعود … لستُ أدري أي نوع من الأمراض … لم تكن فقط مجرَّد أمراض الأطفال المُعتادة، من حصبة وسعال ديكي وإسهال ونحو ذلك … إنها كانت أمراضًا أخرى، علاوة على أمراض الطفولة تلك، استغرقت عندي سنوات متتالية … كانت فترات الشفاء أندر من فترات المرض … أذكر أن جدَّتي قالت لي يومًا ونحن في الإسكندرية ذات صيف: سآخُذك لزيارة مقام سيدي الطرطوشي! … وهو مشهور بشفائه للأمراض، وخاصة للحمى التي كانت تُلازمني ملازمة الرفيق السوء … كان هنالك شرط لا بد منه: أن أفيَ بنَذرِه المعروف؛ وهو الامتناع التام عن أكل الجبن الرومي … كان يقال إنه يمقت الجبن الرومي … وكنت بالطبع أصغر سنًّا من أن أُناقش هذا القول، وأسأل: هل سيدي الطرطوشي، وهو مِن أولياء الله الغابرين، كان مُعاصرًا لظهور الجبن الرومي؟!
نذرتُ له ذلك النذر بكل إخلاص الطفل المؤمن الساذج، ونفذته بكل أمانة ودقة … أذكر أني لبثت مدة طويلة لا أقرب هذا الجبن ولا أمسُّه بشفتي مع حبي الشديد له … وشُفيت فعلًا!
صورة أخرى أذكرها باهتة هي الأخرى في تلك المرحلة … هي مرض أمي الطويل … فقد رأيتها صفراء الوجه، كثيرة الرقاد في فراشها، نحيلةً إلى حدٍّ مخيف … قيل إنها منذ ولدتني أصابتها العلل … كانت قبل حملها فيَّ مُمتلئة بالصحة إلى حدٍّ جعلها لا تَشبع من الطعام … وكانت تخجل من إظهار جوعها أمام زوجها، وهي العروس الجديدة في بيت الزوجية … فكانت تُكمل وجباتها خفية في غيبة زوجها بما تقع عليه يدها من أي شيء يُؤكل تُصادفه … ولكن الحمل الأول بي، ثم الولادة، قد أضرَّت بها ضررًا بليغًا … قال لها أحد الأطباء إنَّ كليةً من كليتَيها انخلعت من مكانها، وإنها ربما ارتدَّت إلى موضعها بحمل آخر … وتَعلق بذاكرتي حتى الآن صورة سلة صغيرة بها فاكهة كانت دائمًا بجوار فراشها … فقد كان موصوفًا لها الإفطار بالفاكهة … كنت أختلس النظر إلى هذه الفاكهة ويَسيل لها لُعابي ولا يُباح لي الدنو منها … فقد قيل لي إنها دواء من الأدوية … وكان والدي طول مرض والدتي لا همَّ له إلا العمل على شفائها واستشارة الأطباء في كل مكان … ولما طال المرض وتغير شكل والدتي نصَحَه أقرباؤه في الريف أن يكف عن شغل نفسه بامرأة مريضة، وأن يُفكِّر في الزواج من أخرى صحيحة سليمة … فكان يأنف من الإصغاء إلى هذا الكلام … وعكف على الاطلاع بنفسه في كتب الطب ليتحرَّى عن دائها، بعد أن يئس من الأدوية والأطباء … رأيت كتابًا بالفرنسية جاء به والدي ضخمًا من ثلاثة أجزاء — لم يزل عندي حتى الساعة — يبحث في الجسم البشري، ويُصور أعضاءه الداخلية في لوحات ملونة مكبرة … فالكلية تملأ صفحة ظهرت فيها كل تفاصيل تكوينها مع شرح لوظيفتها وما تحتاج إليه لاستمرار عملها بانتظام … كان والدي الذي لا يكلُّ ولا يملُّ يأتي من عمله القضائي فيطالع هذا الكتاب بدقته المعهودة، ليقف بنفسه على سر المرض. كل شيء كان يدرسه بنفسه — بما فُطر عليه من صبر وجلد ومُثابرة وقوة احتمال — دراسة دقيقة مستفيضة، كأنها قضية القضايا، لعل ذلك أيضًا أثر من آثار التكوين الأول لجيله المَتين، القديم الدءوب على البحث والتمحيص.
وكنت أنا ألهو بصور هذا الكتاب أحيانًا، وتجذبني إليه ألوانه الزاهية وجلدته المذهبة، يُدهشني أن هذا الكتاب بقيَ حتى اليوم في حوزتي، يَنتقِل معي من بيت إلى بيت، ومن عمر إلى عمر، دون أن يُفقد، وبغير أن يلقى منِّي عناية خاصة في الاحتفاظ به. يظهر أن للكتب أقدارًا وأعمارًا مماثلة لأقدار الناس وأعمارهم يعمر منها ما يعمر بغير ما سبب، ويختفي منها ما يختفي بغير ما سبب أيضًا! … هذا الإخلاص من والدي كان له أعمق الأثر في نفس والدتي، كما تقول … فقد أدركت منه مبلغ تقديسِه للواجب وحرصه على الزوجية. وقد أخلصت له هي أيضًا وأحبَّته كثيرًا، وبعد ميلادي بعدة سنوات وضعت والدتي أخي الأصغر والوحيد … وسماه والدي «زهير». تيمنًا باسم الشاعر الجاهلي «زهير بن أبي سُلمى» الذي كان يحفظ معلَّقته المشهورة. ما من شك أن والدي لو كان حاضرًا ولادتي لأسماني باسم من هذه الأسماء! فكنت اليوم أدعى «امرؤ القيس الحكيم»، أو طرفة أو لبيد ونحو ذلك … ولكن الله سلَّم!
وتريد سخرية القدر أن يكون «زهير» أخي هذا من أبعد أهل الأرض عن الشِّعر وسيرته! … لم ينطق فمه يومًا، ولو على سبيل المصادفة، ببيت واحد من الشعر … كان اتجاهه في الحياة منذ نعومة أظفاره إلى نقيض الشعر والأدب والفن وكل ما يقترب من هذه المنطقة … وجهاته في الحياة — كوالدتي — مادية عملية بحتة … وهواياته هي الرماية والصيد والسباحة والرقص ولعب الورق، وغير ذلك مما لا أستطيع أنا وصفه أو التفكير فيه.
وظلَّت أمي بعد ولادته على مرضها قليلًا، ثم أخذت في التحسُّن البطيء إلى أن اقتربت من الشفاء. وكانت تحبُّ الحلوى وتأكلها بعد وجبة الغداء، وتقول لي عندما أمد يدي إليها بخوف ورجاء: إنها أيضًا دواء وصفه لها الطبيب. ولكن يظهر أني لم أَعُد أقتنع بهذا القول فكانت إزاء وقفتي الطويلة المستجدية كشحاذ صغير يَلتمس الحسنة، تُلقي إليَّ بقطعة منها قائلة: «خد ورُوح في داهية!» فإذا جاء موعد الغداء التالي ذهبت إليها أمد يدي وأقول: «أعطيني واحدة وقولي لي روح في داهية!» أما أخي الأصغر فإنه عندما كبر قليلًا لم يكن يمد يده بالسؤال، بل كان يَقتحم ويخطف من يدها خطفًا ما يراه قبل أن يَختفي في فمها … فعمدت إلى غلق حجرتها عليها بالمفتاح عندما تتناول حلواها، تحاشيًا من هجومه وخطفه … لكنه كان أحرص وأمكر … فما … يكاد موعد الوجبة يقترب حتى يكون هو أسبق إلى الحجرة، يختفي تحت فراشها ويتربَّص بها حتى إذا أغلقت بابها واطمأنَّت وأخرجت الحلوى ودنت بها من فمها، خرج هو من مكمنه منقضًّا خاطفًا ناهبًا كالصقر. لا يُفلت منه شيء!
كان أخي منذ طفولته عنيفًا جريئًا … ولعله ورث ذلك عن والدته ميراثًا كاملًا. فكانا بذلك من معدن واحد. مما سبب لها هي كثيرًا من المتاعب … أما أنا فكنت كلَّما كبرتُ ملتُ إلى الهدوء والتأمُّل، واتخذت الكثير من سمات أبي، لكن مع بركان داخلي في أعماقي هو «والدتي» مثل بركان «فيزوف» ينشط ويخمد في فترات ودورات. كانوا في صغرنا يضعونني أنا وأخي في سرير واحد، لضيق المساكن التي كنا نقطنها … فإذا جاء الشتاء تنازعنا طول الليل الغطاء … وما كنت أشعر إلا وأخي قد شد عليه الغطاء كله بعنف وتركني في العراء، ثم ما يلبث هو أيضًا من كثرة حركته العصبية العنيفة أن يترك الغطاء ينحدر من فوق جسمه … فكان يُصاب كلانا بأمراض البرد، مما ألجأ أهلنا إلى اختراع عجيب، طالما ضايقنا: فصَّلوا لنا غطاءنا من البطاطين على شكل كيسين مثل أكياس القطن، يُدخلون كل واحد منَّا في كيسٍ بجسمه وذراعيه فلا يظهر من فتحته إلا الرأس فقط، ثم يشدُّون على العنق رباطا كرباط التكة، ويُلقون بالكيسين فوق السرير، ليَمكثا هكذا ونحن داخلهما بلا حراك حتى الصباح … كنت أدخل أنا كل ليلة في زكيبتي وأنا أكتم تضرُّري وضيقي ولكن أخي ما كان يكتم شيئًا … طبيعته في هذا أيضًا كطبيعة والدته … وعلى عكس طبيعة والدي … لا يستطيع أن يكتم أو يكظم … لذلك كان يَصيح ويحتجُّ ويلعن ويسبُّ ويحرن ويأبى الدخول في كيسه … ويظلون به يلاطفونه ويحتالون عليه بمختلف الحيل حتى يرضى ويلين … كان له من الصياح والزعيق طريقة يخيف بها والديه أحيانًا ويُضحكهم أحيانًا، فينتهون دائمًا إلى النزول على إرادته … كنت أرتكب أنا وهو نفس الذنب … كأن نتسلَّق معًا جدارًا للجيران لنَسرق ليمونة من شجرة، أو نتقاذف شيئًا فنصيب به لوح زجاج فيكسر … ويأتي أبي بالفلَقة ليضربنا … فإذا أنا الذي أتقبل العقوبة وأُضرب بالفعل، أما أخي فما يكاد يجيء دوره حتى يَصيح ويتشنَّج ويبكي ويلعن، مما يحمل والدي على الذهول عنه أو الضحك منه، ويفسد بذلك موقف الجد، فيُضطرُّ إلى أن يتركه ويمضي.
على أن طفولتنا بوجه عام لم تكن طفولة مدلَّلة … فأنا لا أذكر أني تلقيت من أهلي لعبة من اللعب … إلا مرة: دخل علينا والدي وفي يده وابور صفيح صغير في حجم الإصبع، يُباع في الشوارع بنصف قرش، قدمه إليَّ بزهو وهو يقول: «خد العب يا وله!»
فلم أفرح به كثيرًا؛ لأنه كان ضئيلًا جدًّا، ولا يسير إلا دفعًا باليد … لا يُملأ بمفتاح، ولا يُبهِر لونه النظر … ولم نكن نعرف هذا الذي يسمونه اليوم عيد الميلاد، ويصرُّ على الاحتفال به أولادنا وأحفادنا، ويطالبون فيه بالحلوى والشموع والهدايا وإرسال الدعوات … ما كنا نذكر قط أو نعرف لنا أيام ميلاد. ما كنا قط نعطي ولا كان أحد يعطي لحياتنا أو تاريخ وجودنا مثل هذه الأهمية … اليوم الوحيد الذي كنا نشعر فيه بجديد هو يوم العيد، الكبير أو الصغير؛ فقد كنا نتلقَّى فيه خمسة قروش «عيدية»، كنت أنا شخصيًّا أكتفي باللعب بها طوال أيام العيد؛ ثم أردُّها بعد ذلك إلى أهلي دون أن أنفقها.
غير أن قدوم العيد كان هو حقًّا كل فرصتنا لشراء ما يلزمنا من ملابس جديدة تنفعنا طول عامنا … فكانوا يأخُذُوننا إلى محل يُسمى «ماير»، ثم إلى آخر يُسمى «ستاين»، وهناك يقوم دائمًا بيننا العراك والصراع … فوالدي يبدأ أول ما يبدأ بقراءة بطاقة الثمن … ثم يأخذ في تقريظ وتحبيذ النوع الأرخص، أما نحن فلا نَنظر في بطاقات، ولكن نتجه بأبصارنا توًّا إلى ما يحلو لنا، فإذا بنا قد وقعنا على الأصناف الغالية! … لكن من ذا الذي كان يستمع إلينا؟ كان والدي يُشير من طرف خفي إلى البائع فيلفُّ لنا في الورق بسرعة ما اختاره هو لنا … فنَمضي به صاغرين.
نأتي بعد ذلك مرحلةً أكثر وضوحًا؛ مرحلة عجيبة لا أدري كنهها حتى الآن … ظاهرة لم أستطع لها حتى اليوم تعليلًا طبيًّا … كنت أُصاب بحمى تُلزمني الفراش نحو ثلاثة أيام، كلما وقع بصري على جنازة مارة في الطريق. وعرف أهلي ذلك مني فكانوا يحرصون على تجنيبي منظر الجنازات … أذكر يومًا كنت مع جدتي في مركبة عائدة بنا من السوق إلى البيت، وكنت في أتمِّ صحة وسرور، وإذا بجنازة تظهر فجأة عابرةً شارعًا بعيدًا، أبصرتها عين جدتي فسارعت تهمس للحوذي أن يَحيد بمركبته عن ذلك الشارع، وحسبت المسكينة أنها قد أفلحت في إنقاذي من الحمى هذه المرة … ولكنها شعرت برعدتي ورأت وجهي يسحب ويتصبب منه العرق، فأدركتْ أني لمحتُ الجنازة ساعة لمحَتْها هي، وأن الحمى سرت في جسمي وانتهى الأمر.
ما العلاقة بين شيء معنوي خارجي كمنظر جنازة مارة، وهذه الإصابة السريعة بمرضٍ مادي جثماني كالحمى؟! … لم يخطر على بال أحدٍ هذا السؤال … كانوا يَكتفون بعلاج الحمى بمكمدات الملح والخل ونحو ذلك حتى أبرأ، وتتكرَّر الإصابة لعين السبب، ويتكرَّر عين العلاج، وهكذا دواليك … أتراها قصة ملك الموت … التي رواها «جوته» في إحدى قصائده الرائعة؟ … حكى أن طفلًا تعلَّق بصدر أبيه ليحميَه من صوت خفي يُغريه برائع الهدايا واللعب والأزهار كي يذهب إليه … ويمضي معه، وحسبَ الأب كلام ابنه عبث أطفال فلم يأخذه مأخذ الجد؛ فما بلغ به عقبة البيت حتى كان الطفل قد فارق الحياة!
أترى الأطفال في صفائهم الملائكي يُحسُّون ويسمعون دبيب أقدام ملك الموت؟! … أذكر في طفولتي أيضًا مثل هذا الحدث الغريب وقع لطفلة لطيفة رقيقة هي عمتي … ابنة الزوجة المتمدنة لجدي … ذهبنا إلى عزبتهم في صفط الملوك مرةً أخرى ذات صيف، وقد صفَت المودة بين تلك الزوجة ووالدتي … وكان أطفالها أي أعمامي وعماتي يقاربونني في السن … فكنا نُمضي يومنا في اللعب بجوار ساقية مهجورة تحفُّ بها زراعة قصب وذرة … وجعلنا فيما أذكر نصطاد العصافير ونجري خلف طائر أبي الفصاد … لكن تلك العمة الطفلة الجميلة كانت ترغمنا إرغامًا على لعبة واحدة لا تتغيَّر، تُصر على تكرارها هي بعينها كل يوم: كانت تقع على الأرض مُمثِّلة دور المريضة ثم تتصنَّع كأنها تموت. ما من مرة لعبنا فيها معًا إلا ومثلت دور الموت! … أذكر أن قلبي كان يَنقبِض انقباضًا شديدًا لهذه اللعبة … إلى أن رحلنا وفارقنا عمتي الطفلة … فما كاد يَمضي عام حتى سمعتُهم يقولون إنها ماتت.
إني فيما وقع لي أعتقد أني كنت محلًّا لصراع عنيف بين قوتين؛ قوة الموت وقوة الحياة … وكانت الحرب بينهما سجالًا … ولكن الجسم كان يتخاذل منهوكًا محمومًا في ميدان ذلك الصراع الخفي، انتصرت قوة الحياة … وولَّت أيام الطفولة، وأسدلَ العقلُ ستاره الصفيق على صفاء الروح، فلم تَعُد تسمع دبيب خطوات ملك الموت، ولم يَعُد منظر الجنازات يهزني … وشُفيت من الحمى، لكنَّ داءً آخر بدأ ينمو عندي بنمو العقل: إنه القلق. لم أستطع منه فكاكًا طول عمري، إني في حالة قلق دائم طول حياتي، حتى عندما لا أجد مبررًا لأيِّ قلق، سرعان ما ينبع فجأة من تلقاء نفسه. هذا القلق الرُّوحي والفكري لا ينتهي عندي أبدًا ولا يهدأ. إنِّى سجينه سجن الأبد … ولا أدرى له تعليلًا.
شيء آخر لا تعليل له عندي أيضًا؛ كنت أنطق أحيانًا بكلام يشبه التنبؤ. من ذلك أننا كنا نقطن — بمدينة ريفية صغيرة — بيتًا يُشرف على السكة الحديدية. وفي ذات يوم وذات ساعةٍ مَرَّ قطار من تلك القطارات التي تمر بنا كل يوم كل ساعة، ولكني أشرت ساعتئذ إلى ذلك القطار بالذات وصحتُ بلا مناسبة: جدَّتي في هذا القطار! وما كان أحد يذكرها أو يتوقع حضورها. فقد كانت مُقيمة منذ شهور طويلة عند بنتها الكبرى في الإسكندرية. ولم تمض لحظات حتى ظهرت جدتي بالفعل داخلة بحقيبتها على غير انتظار! وفي يوم آخر جاءنا تلغراف بأن أحد أعمامي الكبار تُوفي … كان يُدعى محمود … لم يذهب إلى مدارس كما فعل أبي … بل اشتغل من أول الأمر بالزراعة … ثم استأجر أطيان والدتي التي اشترتْها لمدة خمس سنوات كما اشترط … فزع والدي ووالدتي للخبر، وقاما فلبسا السواد للتعزية، وجهزت الحقائب لسفر والدي … ولكني ضحكت … كما قالوا — وصحتُ بهم: «لا تُسافروا … إنه لم يمت!»
ولم تمض ساعات إلا وكان عمي هذا داخلًا علينا يحمل سلة كبيرة بها بيض وجبن وطواجن الحمام بالأرز الفلاحي … واتَّضح أن التلغراف محرف: كان المقصود «محمود توجَّه اليوم …» فأخطأ عامل التلغراف وكتب «تُوفي» بدلًا من «توجه» … في ذلك الزمن كان الخطأ شائعًا في التلغرافات لحداثة العهد بها وقلة مران الموظفين عليها.
روى لي أهلي فيما بعد أنهم كانوا يَعجبون لمثل هذه الحوادث مني. أما أنا فما كنت بالطبع أرى فيما أفعل عجبًا … لأني ما كنتُ أعي أو أعقل ما أقول وأفعل.
٥
لستُ أعتقد أني كنتُ مختلفًا عن غيري من الأطفال في تلك السن، التي هي دون العاشرة، أو على أبوابها … لعلَّ تلك هي إحساسات الجميع في مثل هذا العالم الصغير العميق العجيب … حاولتُ أن أرجع بذاكرتي إلى حدود تلك المنطقة لأعرف: هل كان لي وقتئذ نوع من الإحساس بالجمال والشعور بالحب؟ يبدو لي أني شعرت بشيء كهذا … على نحو غامض بالطبع … يُخيَّل إليَّ أني كنت أحسُّ بإحساسٍ خاصٍّ نحو طفلة في مثل سني أو أصغر قليلًا … أذكر أنها كانت شقراء الشعر … هي ابنة لإحدى الأسر في الأقاليم، كان بيننا وبينها تزاوُر. كنت أحلم ليلًا بهذه الشقراء الصغيرة! وكنت أتلهَّف على لقائها واللعب معها، والغضب المكتوم والحسرة والحزن والاكتئاب كلما لمحت منها اهتمامًا بغيري من الأطفال، كما كنت أشعر بسعادة دافقة إذا أقبلت عليَّ وفضَّلتني في اللعب معها على سواي … ثم كان أن أحضروا من الريف طفلة في العاشرة لتعمل خادمًا لدينا … تأمَّلت وجهها فوجدته دقيق القسمات خمري اللون … لستُ أدري ماذا حدث في قلبي الصغير يومئذٍ … كل ما أعرف هو أن ميلًا غامضًا جذبني إلى هذه الصبية اللطيفة، فصرتُ أعطف عليها عطفًا خاصًّا، وأحميها ممَّن يُغضبها أو ينتهرها … إلى أن اختفت يومًا من حياتي … جاء أهلها فيما يظهر ذات يوم في غفلة مني وأخذوها … فحزنت كثيرًا على ذهابها.
في تلك المرحلة كنت أذهب إلى الكتاتيب في كل بلدة نحلُّ بها، ولا بد أنهم أرسلوني إليها منذ سن مبكرة جدًّا … لأني أذكر صورًا غامضة عن حاجتي الملحَّة الضاغطة إلى التبوُّل والمرحاض، ولكن خشيتي من المقرعة الجريد المرفوعة في يد شيخ يحفظنا القرآن كانت تُفزعني وتلجم لساني عن الإفصاح بحاجتي، فكنتُ أكتم ما بي وأعود إلى البيت كل يوم وقد فعلتها في سراويلي! … إلى أن كبرت قليلًا واستقرَّ بنا المقام في مدينة صغيرة … هي دسوق فيما أذكر … فالتحقت بمدرستها الكبرى الوحيدة في البلد: مدرسة الجمعية الخيرية الإسلامية … لم تكن هناك يومئذ مدرسة أميرية … وبدأت أحلُّ رموز حروف الهجاء … كان والدي قاضي البلد … وكنا نقطن بيتًا بينه وبين المدرسة أرض خلاء تتخذها المدرسة فناءً تجتمع فيه الطوابير … ولا أنسى ذات يوم وقفنا فيه صفوفًا بطابور الصباح والناظر يُشرف علينا … وإذا رجل قد مر أمامنا فحياه ناظرنا باحترام، ثم نادى في الطوابير: «سلام أل» — نداء التحية بالتركية في ذلك العهد — فدقَّت المدرسة كلها بأرجلها في الأرض وارتفعت الأيدي إلى الطرابيش بالسلام … لم يكن هذا الرجل الذي حياه الناظر والمدرسة سوى والدي … خرج من البيت مُصادفةً ساعة وقوفنا في الطابور فأدَّى خروجه إلى هذا الاستقبال بالاحترام من المدرسة وناظرها … إنه قاضي البلد … كان شعوري وقتئذ مزيجًا من فخر داخلي قليل مع الكثير من الخجل والحياء … لستُ أدري لماذا كنتُ أودُّ لو أختفي في باطن الأرض … وأن يجهل التلاميذ كل علاقة لي بهذا الرجل الذي يُحيُّونه بالسلام الرسمي! ولو كان الناظر قد خطر له تلك اللحظة أن يخرجني من الصف ليضعني إلى جوار والدي أمام الحشد من الطوابير لكنتُ قد سقطت ولا شك مغشيًّا عليَّ … لستُ أدري تعليلًا لهذا الشعور … إني لم أزل حتى الساعة محتفظًا بصورة منه … لذلك لم أدهش كثيرًا لما حدث لابني في موقف مماثل … جاء يروي ذات يوم أن مدرسًا ناداه من بين صفوف فصله، وأصعده إلى المنصة ووقف بجواره يلقي خطبة طويلة عريضة تقريظًا لوالده الفائز بتقدير أدبي رسمي … أردتُ أن أعرف شعور ابني … وقد كان هو أيضًا في العاشرة … خجل أن يُفضي إليَّ مواجهة … لكني استطعت أن أعلم أنه كان متبرمًا أشد التبرم … لم يكن مُضطربًا ولا مُرتبكًا ولا فَزِعًا كما كنت … وتلك مزية الجيل الحاضر … لكنه كان يقول في نفسه أثناء خطبة المدرس: «وأنا مالي أنا؟!»
لم يكن يشعر أن الأمر يُهمُّه على الإطلاق … إلى أن اختتم المدرس كلامه الطويل بقوله: «وعسى أن يكون الابن مثل أبيه.»
فإذا بزملائه الخبثاء يصيحون: «دا بليد في العربي!»
فأشار إليهم بقبضة يده متوعدًا من خلف ظهر المدرس: أن اصبروا حتى أخرج لكم في الفسحة! … ولم يتغيَّر شعوره عندما كبُر قليلًا … فقد ظل يشعر بالضيق كلما أثار لفت النظر إليه بسبب أبيه.
لستُ أذكر بالضبط متى كان أول انفعال لي بالجمال الفني؟ … لعلَّ أول مظهر من مظاهره اتخذ صورة التلاوة القرآنية الجميلة، يوم كنت في الريف بأبي مسعود … أحضروا لي شيخًا يحفظني القرآن ويُعلمني مبادئ القراءة والكتابة، في ذلك الوقت من العام … وقت الصيف حيث نُغادر البنادر بمَدارسها … ولا يوجد في ناحيتنا تلك من الريف وقتئذ كُتاب من الكتاتيب … كان ذلك الشيخ الذي أحضروه جميلَ الصوت … يُعلمني ويُحفظني ساعة … ويتلو القرآن ساعة ويؤذن للصلاة في المصلَّى القائم على حرف الترعة … كان الإعجاب بصوت هذا الشيخ في كل الناحية حافزًا لي على محاكاته … فكنتُ أحفظ ما يُلقِّنني إياه من الآيات لأتلوها مثله بصوت جميل … ويظهر أنه كان لي مثل هذا الصوت … إذ كنت أسمع من يُطريه ويُثني عليه، فيَزيدني ذلك إقبالًا على التلاوة وتجويدًا لها … وشعرت لأول مرة في قرارة نفسي بما يُشبه الشعور باللذة الفنية … ذلك الذي نصفه اليوم بإحساس الفنان وهو يقوم بعمل فني.
كان من عادة ذلك الشيخ أن يَنام ساعة القيلولة تحت شجرة سنط قرب الترعة … فإذا أفاق ليؤذن للعصر مسح وجهه بكفَّيه مُستشهدًا وهو لم يزل مغمض العينَين … ولاحظ أخي الصغير ذلك منه بما جُبل عليه من روح المداعبة الخبيثة، فتربص به حتى غرق في النوم مادًّا كفَّيه إلى جنبَيه، فذهب وأحضر من الترعة قطعتَين من الطين ملأ بهما هاتين الكفين للشيخ النائم! … فلما أفاق لصلاة العصر ومسح وجهه بكفَّيه على عادته تلطخ وجهه بالطين فأثار ضحك الحاضرين … وقام الشيخ غاضبًا لاعنًا ساخطًا على قلة الأدب وعبث الصغار وسُخرية أهل العزبة، وأقسم ألا يَبيت فيها ليلته … وبذلك فقدتُ ذلك المنبع الأول من منابع إحساسي الفني.
ثم شعرت بعد ذلك بالفن في صورة أخرى … مولد سيدي إبراهيم الدسوقي … والموكب الذي كان يمر من تحت نوافذنا، يركبه الخليفة على حصانه شاهرًا سيفه تحف به البيارق والأعلام والبنادير والرايات بمختلف الألوان والطبول الكبيرة والمزامير بمختلف الأحجام، ثم عربات النقل الكثيرة، يتلو بعضها البعض في صفٍّ طويل لا ينتهي، تجرها كل أنواع الدواب من خيول وبغال وحمير وبقر وجواميس وثيران، كل عربة تُمثِّل حرفة من الحِرَف بكل أدواتها وأهل «الكار» فيها … فالحدادون على عربتهم أمامهم الكور والسندان يَضربون بالمطارق مُمثلين عملهم … ثم يأتي النجَّارون بالمناشير، والبناءون بالمسطرين، والفخرانية بالقلل والأباريق، والسمكرية بالكيزان وفوانيس رمضان … كلُّهم يُمثلون أدوارهم في الحياة … حتى الفكهانية لهم عربتهم قد علَّقوا عليها الأغصان يتدلى منها التفاح والبرتقال. نوع من كرنفال ساذج ولكن تأثيره على نفسي في تلك السن كان عجيبًا. كان شيئًا لا يُمكن وصفه.
على أن بدء اهتمامي الحقيقي بالفن، في صورته المباشرة. كان يوم هبَطَت وقتئذ بمدينة دسوق جوقة الشيخ سلامة حجازي أو لعلها — وهو الأرجح — إحدى الفرق التي كانت تُقلِّده وتطوف برواياته وتتَّخذ اسمه في تنقلاتها بالأقاليم. نصبوا لهذه الجوقة مسرحًا من الخشب، في إحدى وحبات البلد، غطَّوه بقماش الصواوين رُفعت عليه الزينات، وتدلَّت «كلوبات» الغاز، وارتدى أفراد الجوقة ملابس «شهداء الغرام»؛ أي روميو وجولييت لشكسبير «مُطَعمة بالقصائد والألحان التي لا تَخطُر له على بال». وجعلوا منذ الصباح يطوفون بشوارع البلد في ملابس التمثيل المزركشة هذه، وقد تدلَّت شعورهم الشقراء المُستعارة على الأكتاف، تعلوها قبعات القرون الغابرة المحلاة بالريش الطويل، والخناجر والسيوف تبرز من أحزمتهم، فيجري خلفهم الصبية والغلمان ويترك أهل الحِرَف أعمالهم وحوانيتهم، وتقف صفوف الجموع تتفرَّج عليهم، وتُطلُّ المحجبات من النساء يشاهدن من خلف النوافذ، ويصبح البلد ولا حديث للناس فيه إلا قدوم جوقة الشيخ سلامة … وكان مأمور البندر وأعوانه والمحكمة والنيابة في طليعة من يَحضُرون لياليَه وتُحجَز لهم خير الأمكنة … وذهب والدي بالطبع ذات ليلة وأخذني معه بعد تردد طويل … خشيَ عليَّ من السهر … ولو لم يَصطحِب مُعاونوه في المحكمة أولادهم، ويسمع إلى من قال له منهم: «لماذا لا تأتي بأولادك يتفرَّجون؟» لولا ذلك لما فكر في اصطحابي إلى ليلة كهذه! لا أنسى تلك الليلة: رُفع الستار عن الفرقة كلها بملابسها البراقة تخطف الأبصار، وقد اصطف رجالها ونساؤها صفوفًا وجعلوا يُنشدون جميعًا نشيد الافتتاح. ثم تفرَّقوا وبدأ التمثيل … لم أفهم يومئذ بالطبع شيئًا كثيرًا من تفصيلات المسرحية … كل الذي همَّني وخلب لبي هو المُبارَزات بالسيوف … فكان أول ما صنعتُ في اليوم التالي أن كسرتُ يد المكنسة وجعلتُها سيفًا وطلبت إلى المبارزة خادمًا كان عندنا … (على ذكر المكنسة ظهر حوالي ذلك العهد مُذنَّب «هالي» المشهور في السماء. فكان أهلي يقومون بالليل إلى السطح لمشاهدته وقمت معهم ذات ليلة، وسألتهم عنه فقالوا لي مشيرين إلى السماء: هذا النجم الذي له ذيل مثل رأس المكنسة). المكنسة التي اتخذنا منها سيوفًا لنا … وكان هذا الخادم الذي أبارزه بيد المكنسة يذهب في الليل إلى مقهى بلدي به شاعر بربابة يروي عليها قصة أبي زيد الهلالي ودياب بن غانم والسفيرة عزيزة. فكان يحلو له هو أيضًا أن يُمسك بقطعة طويلة من الخشب ويَصيح بي قائلًا: أنا أبو زيد الهلالي وأنت الزناتي خليفة! ثم يَسرد على ما سمعه من الشاعر ليلًا. فكانت تقع هذه القصص من نفسي موقعًا حسنًا، ونُمضي أوقات العصر كلها نمثلها ونتبارز. على أن الذي جعلني أعيش القصص بكل وجداني على نحو أعمق هو ظرف آخر، هو طول رقاد والدتي. فقد اضطرَّها إلى شغل الوقت بقراءة قصص ألف ليلة، وعنترة، وحمزة البهلوان، وسيف بن ذي يزن، ونحوها، كانت في أجزاء طويلة، ما تكاد تنتهي من جزء حتى تقصَّ علينا ما قرأت عندما نجتمع حول فراشها. كان يحلو لها ذلك … وكانت تُجيد سرد هذه القصص علينا. لا تترك تفصيلًا إلا حاولت تصويره، فكنت أنا وجدتي نجلس إليها وكلنا آذان تُصغي بانبهار. وأحيانًا، وأحيانًا كان ينضمُّ إلينا والدي بعد أن يفرغ من دراسة قضاياه، وكأنه أصيب بالعدوى منا. فإذا انتهى السرد بأبطال القصة في موقف لم يزدنا إلا اشتياقًا إلى البقية قالت والدتي: انتظروا حتى أقرأ الجزء التالي. وتتركنا على أحر من الجمر، ونحن نعيش بكل أرواحنا على أولئك الأبطال ننتظر العودة إليهم. وكانت لا تكتفي بمجرد السرد، بل تُصاحبه بتعليقات من عندها لتقرب الشخصيات من أفهامنا. فتقول مثلًا إن هذه الشخصية الطيبة تُشبه فلانًا الطيب من أقاربنا أو معارفنا، وإن هذه الشخصية الشريرة تشبه فلانًا أو فلانة الشريرة ممن نعرف في محيطنا. فكنت بذلك أعير في مخيلتي لأبطال القصص سحنًا ووجوهًا ممَّن نعرفهم في الحياة. وفرغت كل تلك الملاحم الشعبية القديمة بطبعاتها الرخيصة المشوَّهة، وبدأت تظهر في السوق روايات أوروبية مترجمة بأقلام الشوام الذين حذقوا اللغات ونشئوا في مدارس الرهبان، فتعلَّقت بها والدتي أيضًا، وقصتها علينا كما فعلت بسوابقها. كان لهذا ولا شكَّ فضل كبير لوالدتي لا ينكر في تفتيح خيالي منذ الصغر. وظلَّ حالها معنا على هذا النحو إلى أن شُفيَت وغادرت الفراش، ثم اتَّجهَت هي بعد ذلك إلى أمور معاشها، وشُغلت بمشكلات الأطيان التي اشترتها، فانقطع عنا هذا المورد السهل الذي كان يُغذينا بالقصص دون جهد منَّا.
على أني كنتُ قد بدأت أقرأ، فلم أر بدًّا من الاعتماد على نفسي. صرت أبحث عن القصص والروايات التي كنتُ أراها في يد والدتي فأستخرجها من صناديق الأمتعة القديمة وأعكف على قراءتها بسرعة. كلمة أفهمها وكلمة تَستغلِق على فهمي. لعلَّ هذا ما ساعدني على إجادة اللغة العربية قبل الظفر بتعليمٍ مُنظَّم. فقد كان لتنقُّل والدي المتكرِّر بين بلدان الأقاليم، تبعًا لتعاقب حركات التنقُّلات القضائية بين العام والعام ما حرمني الانتظام في سلك مدرسة واحدة سنة دراسية كاملة. لقد مسَح والدي خريطة القطر المصري مسحًا في مدى أعوامٍ قلائل. فكان يمرُّ بالبلد الواحد مرات. مرةً كمساعد للنيابة، ومرة كوكيل، ومرة كقاضٍ وهكذا. ولم يكن في أكثر هذه البلاد مَدارس أميرية على الإطلاق، كل ما كان بها إما كتاتيب بسيطة أو راقية أو مدارس أهلية مثل مدارس الجمعية الخيرية الإسلامية أو مدارس الأقباط ونحوها. وقد مررتُ بها كلها مرًّا خاطفًا أو متأنيًا على حسب الظروف والأحوال. لم يستقرَّ بي الحال إلا يوم استقرَّ والدي قاضيًا بالقاهرة، فأصبح في المقدور عندئذ أن ألتحق بمدرسة أميرية. كانت سني وقتئذ قد جاوزت العاشرة، فنصَح لوالدي بتقديمي إلى السنة الثانية الابتدائية مباشرة. فقدم طلبًا بذلك إلى مدرسة محمد علي الابتدائية في حي السيدة زينب … لكن المدرسة اشترطت امتحاني … وامتحنوني … فوجدوني مُتفوِّقًا في اللغة العربية. إلا أني فوجئت بهم يسألونني في علم الجغرافيا عن البرزخ والأرخبيل. أشياء أجهلها تمام الجهل. عندئذ قرروا أن أبدأ من البداية وألتحق بالسنة الأولى؛ لأنَّ هذا العلم يُدرس في السنة الأولى. وقد صدمني هذا القرار صدمة ما زلتُ أذكر وقعها. والتحقتُ بالمدارس الأميرية مبتدئًا بالسنة الأولى، وأنا أحوج من غيري إلى تعويض ما ضاع عليَّ مِن سنوات عمري بعيدًا عن التعليم الأميري المنتظم. كان والدي قد استأجر مسكنًا في شارع الخليج المصري. فكنتُ أنفذ منه إلى مدرستي مخترقًا حارة ضيقة طويلة. منذ ذلك الوقت غدوت تلميذًا نظاميًّا. كنت في سنتي الأولى تلميذًا مجتهدًا. وقد جذَبني علمٌ لم أُمارسه من قبل، لكنَّني أحسست أنه قريب إلى نفسي، إلى تلك النفس التي كان يستهويها شيء بالذات مجهول الكُنهِ لي وقتئذ، عرفت فيما بعد أنه الفنُّ أو النزعة الفنية.
كان هذا الشيء الجديد الذي انجذبت إليه هو الرسم. كنتُ أحبُّه وأجتهد أن أبرز فيه. فقد كان ذلك يملؤني سرورًا داخليًّا غريبًا. ذلك السرور الذي كنتُ أحسه وأنا أتلو القرآن بترتيلٍ جميل، ولكني لم أستمرَّ في هواية الرسم إلى حدٍّ جدِّي. إنما هي تلبية لذلك الصوت الخفي، أو اتجاه غريزي إلى أقرب موارد تلك النزعة الكامنة في أعماق كياني. كانت هذه النزعة تتَّخذ صورًا مختلفة بحسب الأَردية التي تُتيحها لها الظروف.
كانت تقترب بسرعة كالمنجذبة بمغناطيس إلى كل ما يلائمها من أوضاعٍ تَظهر لها، كأنها روح شبح يتحسَّس الأجساد التي كتب عليه أن يحلَّ في أحدها. لماذا كانت هذه النزعة عندي؟ الإجابة عن هذا السؤال: هي أحد الأسباب التي من أجلها أكتب هذه الصفحات. فأنا دائم السؤال لنفسي: أكان من الممكن أن أتَّخذ طريقًا آخر في الحياة؟
ما هو منبع هذه النزعة الدفينة التي سيطرت على وجودي منذ الصغر وتطلبت لتحقيقها من المواهب أكثر مما عندي واقتضتني من الجهود ما كدتُ أنوء به؟ هل أنا وحدي مسئول عن إيجادها؟
أهي بذرة تلقَّيتها عن أبٍ وأم، لم تنبت عندهما بفعل الظروف، فألقيا بعبء إنباتها على كاهلي، دون وعي منهما، عن طريق رسالة خفية، ضمَّناها تلك النطفة التي منها خلقت؟! لست أريد التعجُّل بالجواب. ولكني أكتفي بأن أعرض هذه التفصيلات عن طباع أبي وأمي، لعلي أجد فيها المنبع للإجابة عن سؤالي.
لم تستمرَّ هواية الرسم طويلًا؛ لأنَّ شيئًا آخر بدأ وقتئذ يظهر لي في الأفق: الموسيقى.
كانت أسرتي قد عرفت جماعة من «عوالم» الأفراح، بمُناسبة زفاف عمٍّ لي يُدعي «علي». عقَد قرانه منذ سنوات … عندما كنت في التاسعة أو الثامنة … كان قد وصل في سلك البوليس إلى وظيفة مأمور بندر شبين الكوم، وشبع من حياة العزوبة اللاهية العابثة، وانقطعت صلته بأوساط اللهو المألوفة في ذلك العصر، وأراد الزواج.
فالتجأ إلى أمي يُوسِّطها في البحث له عن عروس. كان شرطه الوحيد — على عكس والدي — أن تكون العروس غنية، حتى ولو كانت قِردةً عجوزًا. وبحثَت له والدتي واهتدت إلى بغيته: سيدة قد قاربت الخمسين من الجواري البيض الأتراك تَملِك مائة فدان من أجود الأطيان. كانت حكاية الزواج هذه مصدر خير لي أنا وأخي الصغير؛ ذلك أن عمي وقد استخفه الفرح بالثروة المنتظرة الهابطة عليه، صار لا يَدخُل دارنا إلا ومعه الهدايا من حلوى وفاكهة ونحوها. فلما اقترب يوم القران دخل علينا بهدية عظيمة لي ولأختي: هي دراجة بعجلات ثلاث، وبندقية أطفال فخمة بكلِّ لوازمها، فباركنا هذا الزواج وفرحنا به.
على أنَّ الحدث الهام في هذا العرس بالنسبة إليَّ أنا خاصة كان أمرًا آخر: أصرَّت العروس على ألا يزفَّها إلا «عوالم» من القاهرة لا من بلدة صغيرة مثل شبين الكوم! فهذا في نظرها هو الذي يَليق بمقامها! فأوفدوا الأخ الأصغر للعريس ولأبي، ليذهب إلى القاهرة و«يُقاول» جماعة من «العوالم» ويأتي بهنَّ إلى شبين، وذهبت أنا معه. ولست أذكر بالضبط مناسبة ذهابي معه؟ ومَن الذي أوفدني؟ هل أنا الذي طالبت و«شبطت»؟ أو أنهم أرسلوني من تلقاء أنفسهم؟ كل ما أذكر هو أني ذهبت إلى القاهرة مع عمي الأصغر هذا ومشَينا طويلًا في شارع محمد علي، نقف بين كل خطوة وأخرى على دكَّان صغير ضيِّق عُلِّقت على جدرانه آلات الطرب من عود ورق ودربكة. كانت تجري بين عمي وأصحاب تلك الحوانيت مناقَشات ومساومات طويلة لا تنتهي وأنا واقف أتململ من الضجر. إلى أن انتهى بنا المطاف إلى حانوت أخير تمَّ فيه الاتِّفاق على شيء، علمت فيما بعد أن هذه الدكاكين هي أمكنة «المطيباتية» والمختصين بتوريد عوالم الأفراح.
هذا كل ما شاهدته، وكل ما فعلناه في ذلك اليوم. وعدنا في نهارنا إلى شبين الكوم ولم أرَ نساءً ولا عوالم إلا يوم الفرح ذاته. في هذا اليوم المشهود كنتُ أنا أيضًا ضمن الوفد المكلَّف بإحضار العروس من بلدها إلى شبين. أذكر تلك الصورة ولا أنساها. ركبنا عربة قطار خاصَّة ألحقت بمؤخرة العربات. كانت تُسمَّى عربة «صالون» خصوصية. اعتادت مصلحة السكة الحديد في ذلك العهد أن تُؤجِّرها للأفراح الكبيرة، وقد أصرَّت العروس للزهوة بثروتها على أن يكون انتقالها إلى شبين في صالون خصوصي يضمُّ «المعازيم»، من السيدات وأهل الفرح من الجانبين. ولستُ أدري ما الذي حشَرني أيضًا بين هؤلاء في هذا الصالون ذلك اليوم، ولكني أذكر أني سافرتُ بذلك الصالون ووصلنا إلى شبين الكوم بالسلامة. وهنا قامت القيامة، سمعت صياحًا وصخبًا وزعيقًا يملأ الجوَّ في المحطة. إنها العروس بسلامتها! ما كادت تنظر حولها وهي نازلة من القطار حتى صاحت: أين الموسيقى الميري؟ ورفضَت رفضًا باتًّا أن تنقل قدمًا من المحطة إلا إذا سارت الموسيقى الميري أمام عربة العروس «الكوبيل» بخيولها المزوَّقة بالورد. ولم يكن أحد قد فكَّر في ذلك ولا عمل له الترتيب؛ لأنَّ العروس لم تكن صغيرة السن ولا كان هذا أول عرس لها، فقد سبق لها الزواج أكثر من مرة. ولكن مخها التركي أبى إلا أن تزفَّ في شوارع المدينة بالموسيقى الميري. لم أفهم إلا فيما بعد سبب هذا الضجيج والزعيق. وأكبَّ الجميع على يد العروس يَلثُمونها مُتوسِّلين مُتضرِّعين أن تغفر لهم هذه الزلة وأن تركب العربة الكوبيل وتَمضي في هدوء إلى بيت الفرح، منعًا للفضيحة وتجمُّع المارة وأهل الفضول. وأخيرًا ركبت وسارت معهم وهي تَشتُمُهم باللغة التركية، وهم يَشتُمونها في سرهم باللغة العربية!
وما جاء المغرب حتى وصل «تخت العوالم». وقد سمعتُ منهنَّ دورًا أو دورين وغلبني النعاس، فنمتُ قبل أن أشاهد الزفة.
على أنَّ أَواصر المعرفة كانت قد عُقدت بين والدتي وجدتي وبين الأسطى حميدة العوَّادة المُطربة، رئيسة العوالم أثناء هذا الفرح. كانت تلك المطربة خفيفة الروح لطيفة المعشر تَحمل نفسًا كريمة وإن كانت ليست حسَنة الصورة. آنسَت في أمي وجدتي ما ارتاحت إليه نفسها، وقالت عنهما بخفَّة رُوحها المعهودة إنهما وحدهما «البني آدم من دون أهل الفرح والعروسة الكرب!»
ودَعَتْها والدتي إلى زيارتنا مع «تختِها». فلم يكد يمضي العام وذهبنا إلى الإسكندرية في الصيف كعادة والدتي التي لا تستغني عن موطنها أبدًا حتى جاءتنا الأسطى حميدة مع بعض المقرَّبات من تختها. نزلت علينا ضيفة معزَّزة مُكرَّمة، إلا أنها ما كانت تبخل علينا أو تضن بأغانيها وتقاسيم عودها. ثم ازداد تردُّدها على منزلنا عندما انتقلنا بعد ذلك بسنوات إلى القاهرة، وأصيبت جدتي بالفالج، ونصَح لها الطبيب بصفاء البال والسرور، فتعهَّدَت بها الأسطى حميدة كلَّما خلا وقتها من العمل. فما كان يمضي أسبوع دون أن تبيت عندنا ليلة أو ليلتين، إلى أن يأتي «المطيب» فيَطلبها من عندنا لسهرة أو فرح. كان صوتها يشجيني. وحفظت كثيرًا من الأغاني التي كانت تغنيها. واشتدَّ إعجابي بها إلى حدٍّ خيَّل إليَّ أنها جميلة، وشعرت نحوها بإحساسٍ يكاد يُشبه الحب … وكانت تُشجعني على الغناء معها، قائلة لي إن لديَّ قدرة على تأدية النغمات كما أتلقَّاها منها. وفي ذات يوم عدتُ مِن مدرستي — محمد علي الابتدائية في سنتي الأولى — فوجدتُها في البيت، وهي تضرب على عودها. كانت وقتئذ بمفردها في الحجرة فرجوتُها أن تُعلمني العود. فشرَعَت تُعلِّمني بالفعل مطلع «بشرف» ولم يمضِ قليل حتى استطاعت يدي أن تُخرِج من الأوتار نغمًا منسَّقًا لمطلع البشرف. ودخلت علينا والدتي وهي تَحسب العود في يد العوَّادة. فلما أبصَرتني أنا مُحتضنًا العود والأنغام تخرج منه منسجمة أطلقت في البيت صرخةً واعدةً غاضبةً، وهجمت عليَّ تَنتزع العود مني وتصيح: «لو عرف أبوك يذبحك!» وجعلت تقول إني لن أفلح في مدارس إذا أمسكت بالعود مرةً أخرى، وسيكون مصيري أن أطلع «مغنواتي»! … وأرغمَتني على القسَم بسيدي البسطامي — الذي ليس بعد الحلف به من يمين — ألا ألمسَ العود بيدي طول حياتي … وأقسَمتُ وبرَرت بالقسَم … على أن ذلك لم يمنعني من حفظ الألحان والأغاني حتى الصعب من الأدوار القديمة التي كانت تُؤديها الأسطى ذاتها بمشقَّة كأدوار عبده الحمولي … كانت والدتي تُحب أدوار عبده الحمولي بنوعٍ خاصٍّ، وتروي لنا عنه الكثير … وتقولي إن أغنية «تمخطري يا زينة» كانت لها خاصَّة بمناسبة زفافها … ذلك أن صلة عبده الحمولي بجدي «سيدي البسطامي» والدها كانت فيما روَت وثيقة … نشأت ذات يوم رأى فيه والدها عند خروجه من بيته عربة «حنطور» بها رجل يبدو عليه المرض يتَّكئ على وسائد وُضعت له. كانت العربة واقفة أمام منزل مُغلَق مواجه. وعاد والدها من عمله بالبوغاز إلى البيت ظهرًا فوجد العربة ما زالت واقفة في موضعها وبها الرجل المريض … فعجب للأمر، واقترب يسأل، فعلم أنه عبده الحمولي اشتدَّ به مرض الكبد، وجاء يصيف بالإسكندرية، واستأجر المنزل المُغلَق الذي يَبحثون عن مفتاحه وصاحبه الغائب … فتقدم إليه في الحال ودعاه إلى بيته وأنزله في «المنظرة» … وهو المكان المنعزل عن بقية البيت الذي كان يُعدُّ للزوار والضيوف من الرجال، وقام على خدمته بنفسه، ورفَض انتقاله إلى المنزل المستأجَر، وهو على هذا المرض، مُحتاجًا إلى الخدمة والعناية … كان جدي هذا فيما تروي والدتي مختلفًا عن بقية أهله من رجال البحر … فقد طالَما حدَّثتني عن حبِّه للكتب وعن مكتبتِه الثمينة التي فرَّطت فيها جدتي — لجهلها — بأبخس الأثمان بعد وفاته، وعن صلته وصداقته بالعالم اللغوي الشيخ حمزة فتح الله — الذي كان أيضًا زوجًا لإحدى خالات والدتي — وعن حبِّه لفن الطرب الذي تجلى في تمسُّكه بصداقة «سي عبده» كما كانوا يَدعون عبده الحمولي … وقد نمَت هذه الصداقة وترعرعت، فما كانت تَنقطِع زيارات المطرب العظيم، حتى بعد وفاة صديقه جدي … فقد أبى عليه وفاؤه إلا أن يسأل عن الأسرة كلَّما جاء إلى الإسكندرية، ويتقصى أخبار ابنته اليتيمة الصغيرة، ويحملها بين ذراعَيه ويُقبلها … إلى أن تزوجت جدتي، فقام زوجها — لازدرائه الفن وأهله — بإغلاق الباب في وجه الماضي … فاختفى من حياتهم … ولم يَظهر إلا يوم زفاف والدتي … رأى ذلك واجبًا عليه أمام ذكرى صديقه الراحل الذي كان يُقدِّره حقَّ قدره.
٦
لا تَعلق ذاكرتي بشيء ذي بال في سنتي الأولى الابتدائية سوى أني عرفت زميلًا كان يلعب معي أيام العطلة الأسبوعية. وفي يوم جمعة جاء إلى منزلنا بشارع الخليج المصري يحمل نفيرًا كبيرًا مكسورًا لفونغراف قديم صِرنا نَلعب به ساعة، وإذا بوالدي يُقبل علينا في طريق خروجه متكئًا على عصاه، فلما رأى زميلي وكان يصغرني في السن قال له: «أنت مع الولد توفيق في الفصل؟» فأجابه بالإيجاب. فسأله عني هل أنا مُجتهد! فما كان من زميلي وصديقي الذي كنتُ أُلاعبه منذ لحظة ويُلاعبني بكل صفاء وهناء، إلا أن قال بكل بساطة: هو بليد!» ثم أردف قائلًا عن نفسه: «وأنا شاطر.» وعندئذ لم أشعر إلا وعصا والدي قد رُفعت في يده لتنهال على جسدي، دون سؤال أو تحقيق، ففرَرت جاريًا هاربًا، واختبأت تحت سريري. وتبعني والدي بالعصا وهو يَصيح: «يا خايب يا تنبل والله لأوريك!» وسمع صياحه من في البيت، وأقبلت والدتي وجدتي تسألان عن الخبر، فقال لهما والدي وهو يبعدهما عن طريقه: «الولد بليد وغير فالح في المدرسة. الولد الأصغر منه شاطر وهو خائب!» وانحنى يبحث عني بعصاه تحت السرير، فكنتُ أبصر طرف العصا يُلاحقني فأتفاداه وأنا أرتعد من الخوف. ولم أذرف دمعة ولم أُصدِر شهقة. فقد جمَّدت الرهبة والدهشة كل مشاعري. لم أبكِ إلا بعد أن ابتعد عني والدي، على أثر دفاع جدتي عني وسحبها إياه من عصاه خارج الحجرة، بكيتُ لا لشعوري بألم، فأنا لم أُضرب ولم تمسسني العصا، ولكني بكيتُ لشعوري بالظلم. وجاء امتحان آخر العام للنقل إلى السنة الثانية. فإذا أنا ناجح منقول بتفوق … وإذا زميلي من الساقطين الراسبين. وعجب والدي … واعترف أنه ظلَمَني في ذلك اليوم.
سِرتُ في السنة الثانية الابتدائية سيرًا حسنًا يُؤذن بالتفوق إلى أن جاء منتصف العام، فإذا بنا نَنتقل من شارع الخليج المصري إلى منزل آخر في الحلمية الجديدة. وعند ذاك نقلوني من مدرسة محمد علي إلى مدرسة المُحمَّدية لقُربها من منزلنا الجديد … وهنا اختلَّ كل شيء في حياتي الدراسية. لم تكن الدروس تسير بخُطًى واحدة في المدرستَين، فوجدت نفسي — خصوصًا في الحساب — أمام مسائل جديدة لا عهد لي بها. كانوا مُتقدِّمين في البرامج، فكنت أجلس أحملق في السبورة ولا أفهم شيئًا. وتعاقبت الدروس وأنا على جهلي. وتراكم الجهل على الجهل، فإذا أنا أتدهور تدهورًا سريعًا كان يُشعِرني بمرارة شديدة وألم نفسي فظيع. ولم أجسر بالطبع على مصارحة أهلي بشيء … لأنهم ما كانوا قد عوَّدوني على مصارحتهم بشئوني … كنت أعرف مقدَّمًا ردَّهم على كل ضعف عندي: إنه التعنيف والتهديد بالعصا … خفت أقول لهم إني غير مُستطيع تتبُّع الدروس، حتى لا أسمع صياحهم المألوف: لأنك بليد، لأنك تلعب! … لا مناص إذن من كتمان ما بي … وكنتُ أتلفَّت بحسدٍ إلى زملائي الذين يرفعون أصابعهم بنشاط ليُجيبوا إجابات صحيحة عن تلك المُسميات في القسمة والمسائل الحسابية العويصة، بينما كنت أتضاءل في مقعدي بمذلة وفزع، حتى لا تقع عين المدرس على إصبعي المختفية تحت الدرج … وحاولت أن أطلب إلى أحد زملائي المجتهدين أن يُفهمني ما لم أفهم فلم يَستطِع إفهامي … فقد كانت الفجوة قد اتسعت بين ما أعرفه وما وصلوا إليه هم … ولم أجرؤ على سؤال المدرس لئلا يتضح له مقدار جهلي … كنتُ بليدَ الفصل بحقٍّ هذه المرة … وكان مآلي السقوط الذي لا ريب فيه عند امتحان آخر السنة … لولا عناية الله التي أنقذتني في الوقت المناسب؛ فقد نُقل والدي إلى دمنهور. فحوَّلوني إلى مدرسة دمنهور الابتدائية، وفي مثل هذه المدينة من مدن الأقاليم كان من الطبيعي وجود صلة بين قاضي المدينة وناظر مدرستها … فلما علم الناظر بتكرار تنقلي في عام واحد بين مدارس مختلفة بعد أن لحظ تخلُّفي بنفسه نصح والدي أن يُحضر لي مُدرِّسًا من بين مُدرِّسي المدرسة يعطيني دروسًا خاصة في المنزل بعد العصر إلى أن أتمكن من متابعة الدروس في فصلي … وتم ذلك … وكان فيه الإنقاذ لي … وعدتُ إلى التفوق … وعادت إلى نفسي الثقة والروح المعنوية القوية … ونجحت آخر العام ونُقلت إلى السنة الثالثة … وسرت في دراستي سيرًا طبيعيًّا طيبًا.





