حينَ تتحدثُ الزهورُ – سعيد إبراهيم زعلوك

(إلى الذين يهدون الجمال دون أن يُصغوا لحكايتِه)
كل جمالٍ يُقتل إذا نُزع من جذره،
وكل عطرٍ يفقد أغنيته إذا غادر نبعه.
أحمل في كفي ألوانًا مقتَلعة،
كأنها قلوبٌ محمولةٌ في موكبِ جنازة،
تبتسم للعيون، وتبكي في السرّ.
هنا… يبدأ الحوار مع الصامتين.
تجيء الزهور إلى بابِ قلبي
كأنها عائدةٌ من منفى ندمٍ غزير،
تخبئ دمعًا على ورقِ الخوف،
وفي سرّها صدى نارٍ وأسير.
تقول: «قُطعنا…
وفينا ندى الغيم،
قبل اكتمال العطور العبير!»
وتتقدّم زهرةٌ
كان في وجنتيها صباحُ الجنائن،
تهمس والهواء يحبس أنفاسَه:
«أتتني يدٌ لا تعرف الربى،
ولم تستأذن الفصل،
ولا أخبرتني العنقيد
أن النهاية تُغلق أبوابها في الضحى…»
وصاحت أخرى،
كانت على عرش النشوة أميرةَ ضوء:
«باعوني كما تُباع الأحلام في السوق،
وتسري عليّ النعوت الوقورة،
صرتُ هديةً عابرة
لم تسأل الزهر كيف يحتمل
ذكرياتٍ أسيرة…»
ومن نفس الغصن
انحنت أخرياتٌ وقالت:
«في يوم الحصاد ذبحونا بأيادٍ نعيمة،
قبّلونا في الوداع،
ورفعوا صورَنا في قبّة المقتنيات الرخيمة،
ونحن ننزف في كأسِ من لا يسأل:
من كنا؟
وكيف تدحرجت الروح
تحت الكؤوس الكظيمة؟»
هنا، كل زهرةٍ شاهدة
تريك الجمال وهو يفقد نفسه،
تريك الحياة كما لا تريها المرايا،
تريك الحلم وهو يُذبح
باسم “هديةٍ جميلة”.
تأتي الزهور إليّ
وفي عينها دهشةُ القتل،
تبكي ولا تشكو،
تموت ولا تسأل:
هل كان يمكن أن تبقى جميلة؟
وعند آخر باقة،
أحسست أنني أقلّب بين أصابعي
قلوبًا مذبوحةً لا زالت تنبض،
وأن كل زهرة
تحمل في صدرها الذي نزف
اسمَ الذي قطف الحلمَ منها،
وكتابَ الموت الذي أُهدي
في بطاقة…





