الذاكرة والمتخيل في بناء الرواية – أسامة غانم

هنالك الكثير من الاسئلة يتساءلها القراء حول مديات وعمق العلاقة بين الكتّاب والاخيلة في كتابة نصوصهم ، مثل : لماذا يلجأ الكاتب الى الخيال دوماً ؟ هل هي عملية هروب من الواقع ؟ وهل الخيال هو جوهر العملية الإبداعية ؟ .
بداية علينا ، الاستفهام عن مصطلح الاخيلة ، وماذا تعني في الثقافة العربية ، وفي الثقافة الغربية كذلك ، ومعرفة اهميته و وظيفته في السرد الروائي ، على اعتباره المنطلق الجوهري لفهم الصورة ، بل هو الصورة ذاتها ، وتذهب المعجمات والموسوعات العربية الأدبية الى أن الخيال هو ” قوة تَحفظ ما يُدركه الحس المشترك من صور المحسوسات بعد غَيبوبة المادّة ، بحيث يُشاهدها الحسُ المشترك كلما التفتّ إليها ، فهو خزانة للحِسّ المشترك ، ومحلّه مؤخَرُ البطن الاول من الدماغ “1 .
وفي ” لسان العرب ” يقترب المعنى كثيرا من معنى الجرجاني الوارد اعلاه ، حيث يقول : ” أن الخيال ما تشبه لك في اليقظة والحُلم من صورة ، والخيال إحدى قوة العقل التي يٌتخيّل بها الأشياء ، والمخيلة القوة التي تُخيّل الأشياء وتصورها ، وهي مرآة العقل “2 . أي بمعنى يكون الخيال هنا مصوراً للأشياء في الواقع ، بينما يكون الحُلم هنا غير الواقع .وهناك من يذهب الى أن الخيال هو ” ملكة من ملكات العقل ، بها تمثّل أشياء غائبة كأنها مماثلة حقاً لشعورنا ومشاعرنا “3 .
من خلال ذلك ، نتوصل الى أن الخيال ، هو تمثل الأشياء دون ان تكون ماثلة أمامك كما هي في الواقع ، وبذاتها . ويمكن للمرء استخدام الخيال لتمثل الإمكانات المحتملة لا الواقعية ، ولتمثل الأزمنة الأخرى لا الحاضر ، ولتمثل وجهات النظر غير الخاصة به . وبخلاف الادراك والاعتقاد ،فإن تخيل شيء ما لا يتطلب أن يكون ذلك الشيء حقيقياً . وبخلاف الرغبة أو التوقع ، فإن تخيل شيء ما لا يتطلب من المرء أن يتمنى أو يتوقع أن يكون الشيء واقعياً .
ومصطلح خيال/ مخيلة Imagination ومصطلح متخيل Imaginaire وغيرهم يكون اشتقاقهم من اصل واحد هو الصورة Image ، وهناك اجماع عام من قبل من تناول بالبحث والدراسة مصطلح ” خيال ” يستخدم على نطاق واسع ، وهذا يستدعي هنا الاطلاع على ملاحظات ستراوسون في كتابه ” التخيل والادراك ” حيث يقول ” ان استخدامات وتطبيقات الاصطلاحات : صورة Image ويتخيل Imagine وخيال Imagination ، وما الى ذلك ، تشكل عائلة متنوعة ومبعثرة للغاية ، حتى هذه الصورة للعائلة تبدو محددة للغاية . سيكون الأمر ذو صعوبة اكبر في تحديد افراد العائلة وادراجهم في القائمة ، ناهيك عن علاقات القرابة الاصلية والفرعية “4 ولكن اصبحت هذه المصطلحات في ذات الوقت عناصر ضرورية ومهمة من الظاهراتية للوعي والواقع والموجودات واعطى الاتجاه الفلسفي بعده الوجودي في اهمية المخيلة – الظاهراتية . فالخيال دل منذ البداية على ما يرى في الحلم والهلوسة ، وبعد ذلك دلت على ملكة خلق الصور وتشكيلها ، وثم تطورت لتدل على ملكة تكوين تركيبات جديدة للصور. لذلك اعتمد اغلب الكتّاب على الخيال في إبداع عوالمهم الفنية وإنتاج تمثيلاتهم وصورهم السردية ، وهذا يجعلنا نرى أنه ليس بالإمكان تناول الخيال والمتخيل بمعزل احدهما عن الآخر ، لأن المتخيل يتصل بديمومة الفعل القصدي لملكة الخيال التي يتحكم في شكل اشتغالها ، لأنه يكون أعمق ومدياته اوسع من الخيال ، لذلك يكون دائماً متجاوزاً له .
عليه يعتبر المتخيل ” معطى مادي يدل على الخيال ويقوم شاهداً عليه ،ومن ثم يتقدم بوصفه جسراً للعبور إليه والاقتراب منه ، وبعبارة أخرى ، إنه صورة الخيال وقد تحولت من مستواها الذهني المجرد والباطني فتشكلت في قالب تمثيلي ومظهر ايحائي ملموس ، وهو أيضاً وأساساً نسق من العلاقات بين الصورة وحركية منظمة لبنياتها ومركبة لعناصرها “5 .
ومن الأعمال الفلسفية المهمة التي تناولت مفهوم ” المتخيل ” وتجلياته وتخطيطاته ، هو كتاب سارتر ” المتخيل ” الصادر سنة 1946م ، وفيه نجد ضرورة الانتقال من موضوع الخيال الى المتخيل، وضرورة التميز بين الادراك الحسي والخيال ، فالأدراك الحسي الذي يمثل حقيقة الأشياء الموجودة فعلاً وبين الخيال الذي يمثل الأشياء وهي غائبة . ليأتي باشلار الى معارضة سارتر والاختلاف معه فيما ذهب اليه حول الادراك الحسي والمتخيل ، ويؤكد على ان الخيال يدرك جوهر الموجودات وينفي أن يكون الخيال ادراكاً عدمياً لغيبة الأشياء ، وفي هذا السياق يستبعد باشلار ربط الصورة بغياب الموجودات ، ينطلق سارتر من ” ثنائية الواقع والمتخيل رافضاً التقاءهما ، فالواقع لا يصلنا إلا بفضل الوعي المدرك الذي يتميز بموضوعه الحاضر والواقعي عن الوعي المتخيل الذي يكون موضوعه غائباً . ولا يجتمع الوعيان إذ لا يمكن في الآن نفسه أن ندرك وأن نتخيل ، فالواقع خارج نطاق الإدراك يصبح عدماً “6 . ليس المتخيل واقعاً فالأشياء التي اتخيلها ليست هي الأشياء التي أدركها . فالمتخيل يتفاعل مع الواقعي والرمزي في علاقات جدلية وايديولوجية ، لذا لا يحصل المتخيل على فاعليته الا اذا التحق بالرمزي لأن البنية الرمزية تفصل المتخيل عن الواقع . وكذلك أن هناك تضامناً بين الرمزي والتأويل لذا ” فإنني لا اعتقد أن الفصل بينهما يمكن أن يكون أمراً مرغوباً به أو حتى ممكناً . فالنص أو الخطاب يصبح رمزياً ابتداءً من اللحظة التي نكتشف له فيها ، بفضل جهد تفسيري ، معنى غير مباشر “7 . فالمعنى المضمر أو المستتر ينبغي البحث عنه ، والتأويل هو الذي يقوم بهذه المهمة . وقد يلعب الخيال دوراً في تأويل اللغة المجازية ، حيث أن العديد من نظريات المجاز قد اتفقت حول فكرة أن تفسير المجاز ينطوي على الخيال ، لأن هذه النظريات تلعب فيها الصور الذهنية ، دوراً مهماً في معالجة المجازات خارج إطار فلسفة اللغة ، ولأن اللغة المجازية تمتاز باحتوائها على الخيال بكثافة سواء كانت استعارة أو تشبيه . وأن “أدل التعريفات للمتخيّل هو أنه تأويل ” 8 ، هنا تتحقق وظيفة القراءة والتأويل الذي يقوم به المتلقي للنص الادبي .
فالتأويل قد يتخذ من المتخيّل الخاتل في ذاكرة الفرد أو الذاكرة المجتمعية مادة انطلاق في تناول نص ما ، أو خطاب ما ، وفي اللحظة ذاتها يكون فعل التخيل فعلاً تأويلياً في جوهره ، لأن المتخيّل يكون هنا قابلاً لاحتواء مفاهيم جديدة ، كما أنه يكون متواصلاً مع الطروحات المختلفة والمتغيرة ، فهو كما تقول عنه ايفلين بتلجيون ، أي المتخيّل ” يتكون من جملة التمثلات التي تتجاوز الحدود المرسومة لشروط التجربة ” 9.
فالاهتمام بالمتخيل الأدبي ، لم يتأت الإ بعد مجيء سارتر ، فقد جعل مصطلح ” المتخيل ” يدخل بقوة على النقد الأدبي والنقد الثقافي . إذ أن المتخيل وجد ضالته في الكتب الجدلية والمعاجم المتخصصة ، بفعل الوظيفة النقدية . من هذا يتضح أن المتخيل هو التصور الذهني في عقل المبدع لإعادة تشكيل الواقع المعاش . من حيث يتداخل التصور الذهني المنتجة من قبل العقل بالواقع ذلك ، ليسمى هذا التصور الذهني متخيلاً . بل وتذهب ” المعجمات الغربية الى أن المتخيّل يعني الصورة أو الايقونة ، وتجعله نتاج الخيال . ويتماس مع مفاهيم أخرى من قبل الوهم ، والخيال ، والحُلم “10. فأن للمتخيّل أثر هام في عملية الخلق الأدبي وفي عملية تشكله فكل التفاعلات مع الواقع : السوسيولوجية – الفلسفية – الابستمولوجية ، هي تعبير عن متخيّل يختلف مع الأخر باختلاف الظرف ، وهذا يدفع بعد ذلك الى القيام بذات الوقت الى تأويلها ، وحفر مغاليقها ، وكشف اسرارها ، ورؤية جمالها .
هذا كله دفع جيرار جينيت أن يرى أن هناك نوعين من مفهوم المتخيل حسب رؤيته وحسب المعطيات التي يمتلكها هو ، فيقول ” هناك متخيل قار مرتبط بالمضمون ، وهناك متخيّل ظرفي تعبر عنه العبارة التالية : أعتبر أدباً كل نص يثير فيّ ارتياحاً جمالياً “11 ، أي أن الأدب عنده كل نص يثير في نفسه أثراً جمالياً وهو نوعان متخيل مرتبط بالمضمون والآخر مرتبط بالجمال والمتعة .
ولو قمنا بالتدقيق بالنصوص الإبداعية ، فإننا سوف نرى لا يكاد يخلو أي نص من الخيال ، بل اصبح الخيال أحد مقاييس الإبداع وكأنه الجوهر الذي يتوهج بها الإبداع ، فلقد اعتبر كانط الخيال عنصراً أساسياً في الإبداع حيث ” ما يجعل العملية الإبداعية إبداعية بحق ، هو تضمنها للخيال الذي يهدف الى الجمالي ، على النقيض من ذلك ، يرى البعض أنه لا يوجد سوى علاقة سببية غير كاملة بين الخيال والإبداع : على الرغم من أن التخيل مفيد للعمليات الإبداعية ، إلا أن هناك عمليات إبداعية لا تتضمن التخيل كما أن هناك تخيلات غير إبداعية “12.
ليس الخيال هو وحده من يقوم بتشكيل الصور الذهنية ، بل هنالك الذاكرة ايضاً ، تعمل على استرجاع الصور وتشكيلها ، لأن الذاكرة تُعرّف بأنها ” كلُ حفظٍ لماضي كائنٍ حيً في حالة هذا الكائن الراهنة “13 ، وبما أن الاثنين يقوما بتشكيل الصور الذهنية كلاً على حدى ، علينا أن نبين الفروق بينهما ، ولنطلع اولاً على ما يقوله جبور عبد النور في معجمه الأدبي بين الذاكرة والخيال ” المخيلة هي ملكة الخيال التي تولّد التصورات الحسيّة وتسمى المخيلة المتذكرة عندما تسترجع صوراً شاهدها من قبل عبر الذاكرة ، والفرق بين الذاكرة والمخيلة ، أن الاولى سكونية والثانية حركية ، وتسمى المخيّلة الخلاقة عندما تعتمد على الصور السابقة لتوليد صوراً جديدة ، تبنيها من ركام الصور المحسوسة لتخلق عالما جديداً في نسق مثالي وإمكانيات لا تنضب ” 14.
بينما يبين لنا بول ريكور ما ينتمي الى الذاكرة وما ينتمي الى الخيال ، فيقول ” أن الفكرة الرئيسة هنا هي وجودُ اختلافٍ نستطيع أن نقول إنه جوهري بين استهدافين ، قصديين : أحدهما : يتمثّلُ بقصدية الخيال التي تتجه نحو الوهمي ، القصصي ، وغير الواقعي ، والممكن ، واليوتوبي ، والأخرى : قصدية الذاكرة تتجه نحو الحقيقة السابقة ، أو الواقع السابق ، وتؤلف القبلية السمة الزمنية بامتياز ” للشيء المتذكر ” أو ” للمتذكر ” بوصفه كذلك “15 ، وبناءً على ما تقدم فان بالإمكان أن نخرج بأهمّ الفروقات بين الاثنين :
- إن الذاكرة من الماضي متصلة بالحاضر أما المتخيّل فهو ينتمي الى حاضرٍ متصلٍ بالمستقبل .
- إن الذاكرة حقيقيّة أما المتخيّل فيكون وهماً .
- إن الذاكرة مقيدة دائماً باستعادة الأصل أو الاقتراب منه أما المتخيّل فهو حرُ غير مقيدٍ بأصلٍ يعتمد على خلق الجديد وابتداع الصورِ 16.
وللتأكيد على ان الذاكرة ماضي تحاول القيام باستعادة الأصل أو الاقتراب منه ، نستعير من بول ريكور حادثة قد وقعت له عندما كان أسيراً في زمن الحرب العالمية الثانية في أحد المعتقلات النازية عام 1945م ، عندما كان جورج سمبرون يهمس (روائي فرنسي من اصل اسباني ) في أذن إنسانٍ يحتضر الذي هو موريس هالبواكس (فيلسوف وعالم اجتماع فرنسي معروف بتطوير الذاكرة الجمعية شدّد على العلاقة الجدلية بين الوعي الفردي والوعي الجماعي )، ببَيْت شعر لبودلير ” أيها الموت ، أيها القبطان العجوز ، لقد حان الوقت ، فلنرفع المرساة “17 . وهي ، أي الذاكرة تمثل عند ريكور جوهر الوجود الإنساني ، وهذا ما يؤكده في مقولته ” أنا أتذكر إذن أنا موجود “18. وفي هذه الحادثة لم تعد الذكرى تقوم على استرجاع الماضي بل في تحقيق ابستمولوجية معرفية اكتسبت بالتدريب والتعلم الذهني ، وبتعبير برجسون التي يطلق عليها الذاكرة – العادة ” غير أن هذه الذاكرة – العادة ، هي ذاكرة متدربة ومتمرنة ومتعلمة ومثقفة ، مروضة ومنحوتة مصقولة على ما تقوله بعض النصوص ” 19. أن الذاكرة تهتم بحكم طبيعتها بالعالم الواقعي المتواجد خارجها و” بما أن وعي الواقع معرفة ، فإن الذاكرة نوع من المعرفة .إن صور الذاكرة لكونها مهتمة بالواقعي ، هي التي تملي علينا . نحن ، بمعنى ما ، مقيدون بها ، بل وسلبيون إزاءها ، كما نحن سلبيون في إدراكنا الحسي للعالم . إن الواقع هو الذي يقرر كيف نفكر بالماضي “20.
تكون علاقة الواقع بالمتخيل السردي ، حسب مفهوميّ المتخيل والواقع ” المتخيّل بناء ذهنياً ، أي إنتاج فكري بالدرجة الأولى ، أي ليس إنتاجاً مادياً . في حين الواقع معطى حقيقي حضوري موضوعي ، فالمتخيّل يحيل إلى الواقع والواقع يحيل الى ذاته ” 21. أي أن هناك تعارض بينهما ، المتخيل : ذهني – فكري ، والواقع : حقيقي – حاضر – موضوعي . ولكن تبقى علاقتهما علاقة ترابط وتنافذ ، لأن الواقع هو النبع الذي ينهل منه المتخيّل مادته . ولا نعني ” بتأسيس المتخيل انطلاقاً من الواقع أننا نعيد إنتاج هذا الواقع كما هو ، بل نعني أننا نستفيد منه لإنتاج عوالم جديدة ترفضه وتنفصل عنه ، فالمتخيّل يقترح علينا القدرة على رفض الواقع “22. لتأسيس واقع مختلف افتراضي قاعدته الرمزية اللاواقعية ، واحياناً أخرى تنضم الفانتازيا في بناء هذه القاعدة ، لتمنح العمل الأدبي سمة المتخيل – السردي عميقاً . ولو علمنا ان إحدى ” الصور الطريفة لوجهة نظر ’العوالم البديلة ‘، للمتخيل هي تلك الصورة التي يقدمها تودوروف حول الفنتازي . ومثلما يحدث في كل اوضاع ’ العوالم البديلة ‘ ،يبدأ تودوروف بوجهة النظر التي ترى أن ’ الخطاب الأدبي لا يمكن ان يتصف بالصدق أو الكذب ، وأن بإمكانه فقط ان يكون صحيحاً في علاقته بمقدماته ، إن جوهر ’ الفنتازي‘ في رأيه هي أنه يخلخل كلا فهم وتعريف ’ الواقع ‘ خارج المتخيّل “23.
ونظراً لأن وسيط المتخيل السردي هو ” اللغة ، فإن ’العوالم البديلة ‘ للمتخيل ، لا يمكنها مطلقاً أن تكون مستقلة . يستدعي بناؤها اللغوي دائماً بشكل ضمني سياقات الحياة اليومية ، وهذه ايضاً يتم كشفها بوصفها مبنية لغوياً . وكما بَيّن إمبرتو إيكو في مناقشة حول ’العوالم الممكنة ‘ ( التي يشار اليها هنا بوصفها ’ العوالم البديلة ‘ ) ” 24.
وهذا ما نلاحظه في رواية ” بوز الكلب ” للروائي عباس عبد جاسم 25، حيث أن محورها سياسي – سوسيولوجي بشكل مكثف ، تتصف بالعمق الابستمولوجي ، لأن الموضوع الجوهري المرتبط بجميع الحداثات هو الابستمولوجيا وبالتحديد طبيعة وامكانية المعرفة ، على شرط ان لا تتحول الرواية الى وثيقة معرفية – تاريخية دون المتخيلات ،ومن ثم الرجوع الى المرجعيات الكثيرة والاحالات الرمزية المبطنة المؤولة ، لذا علينا قراءة المتخيل كأنه وثيقة تاريخية بديلة ، لأن ” المتخيل هنا وسيلة لتفسير الواقع الذي يتميز عنه ، أن المتخيل ليس كاملاً على الدوام فهو يحتاج دائماً الى قاريء يكمله ” 26 ، الى قاريء/ ناقد مثقف ، مثل قاريء امبرتو ايكو النموذجي .
جعل الروائي عباس عبد جاسم شخصيته الرئيسة ابراهيم سعدان يتيه أو يضيع بين الواقع والمتخيل ، ويقوم بالتعامل مع الحاضر كأنه ماضي ، ومع الماضي كأنه حاضر ، أما الوعي فهو اقرب الى تيار المتخيل والذاكرة ، بحيث جعل السرد ينسج على شكل خصلة متخيل وخصلة ذاكرة ، لذا كلما ازداد المتخيّل كثافة في الرؤية ومقدرة على التوصيل كلما تعدد واتسع مستوى التأويل ” حشرونا في قاعة مقفلة ،رايت السامري الذي ضلل قومه ، وبصحبته جنرال مهووس ، فوق قبعته غراب ، كانت كاثرين المجندة تضمّ بوز الكلب الى نعيم الرمان ، وازرار قميصها نصف مفتوحة ، واليانكي يقضم التفاحة بنهم وشراهة .
قال الجنرال :
-من يرقص مع الكلب ؟
رد السامري :
-الرقص مع الكلب متعة آسرة !! ” 27.
ففي هذا المقطع طرح الروائي مسميات عديدة : السامري – الجنرال المهووس – الغراب – كاثرين – بوز الكلب – نعيم الرمان – اليانكي – التفاحة . وجعل كل هذه المسميات تشتغل على المتخيل التأويلي . عليه يصبح القارىء الابستمولوجي هو مفتاح اللعبة القرائية ما بين المتخيّل – التأويل – الواقع ، في النصْ .
لقد ظهرت متغيرات في المجتمع العراقي خطيرة جداً ، بعد الاحتلال الامريكي للعراق عام 2003م ، وهذه المتغيرات تفاعلت في داخل المجتمع العراقي ، وكانت انعكاساتها فظيعة ومأساوية ، كل ذلك أودى بالعراق في الدخول الى نفق مظلم لا بصيص أمل في نهايته ، لأن كل من بريطانيا والولايات المتحدة وضعت استراتيجية شاملة لسرقة ونهب ثروات العراق الى اجل غير مسمى ، ومن ثم قيامهم بعد عام 2003 بتسليم حكم العراق الى الاحزاب الدينية ، شيعية كانت ام سنية والذين جاءوا مع المحتل من الخارج ، والتي تمثل عقلية القرون الوسطى التي تقدس الغيبيات والضلالات والدجل ، وما فعلته بالبلد من دمار وخراب وقتل وحروب طائفية ، ومجاعة ، وانتشار لظاهرة ” تحت مستوى خط الفقر ” ، والعمل على تعميم الامية وترسيخ الجهل ونشر اللاعقلانية التي تقدس الخرافات والشعوذة لتحل محل الثقافة والمعرفة والعلم ، كل ذلك ادى الى تفشي الفساد بأبشع صوره ، وتدمير البنى العراقية التحتية كلها، والمحصلة النهائية ” المخطط لها “كانت نتيجتها سرقة ثروات العراق وتدمير الشعب العراقي . ولقد انعكست هذه المتغيرات سلباً على اشكال الابداع برمته ومنه الرواية ، فمنهم من وقف مع هذه المتغيرات وما جاء به المحتل ، ومنهم من وقف بالضد تماماً ، والثالث الصامت لم يقف لا مع هذا ولا ذاك . وهذا كذلك شمل الادباء الذين في المنافي ، ومنهم الكثير مثل :عالية ممدوح ، علي بدر ، انعام كجه جي ، شاكر الانباري ، حنان حلاوي ، سلام ابراهيم ، سنان انطوان ، حميد العقابي .
ففي رواية ” التانكي ” لـ عالية ممدوح28، تكون الكتابة السردية ممتلكة وعياً ذاتياً تهدم به الحاجز بين المتخيل والواقع ، في اشكال مختلفة : في التقنيات السردية ، وعندما يكون السرد بلسان الشخصيات ، أو في طريقة صياغة النص . فالبطلة الرئيسة ” عفاف ايوب ال ” الغائبة في النص تماما ، فقط نسمعها عن طريق السارد ، عندما تقول عن عشيقها ” فيليب كيوم ” ، بانها اقتبسته و صيرته من متخيّل الكتب التي قرأتها وخيالها ” أيها الرجل المقتبس من الكُتُب وخيالي عليّ الخوض في نمط جديد من الهستيريا ، في اللوحة ، أضعك بجوار عوليس ، وأحياناً قبله ، ثم أزيح الاول خارج اللوحة ، وأدعه يُصاب بالحُمْق ،وأتركك بمفردك ، صحيح انت مفقود في الواقع ، وثابت في اللوحة “29 .
او حين نرى ، طرب زوجة صميم ، النحاتة ، تطلق العنان لمخيلتها في منحوتاتها الشبقية القوية ، الفاتنة ، التي تشكلها/ تنحتها ، من مقاطع اباحية صادمة من نشيد الانشاد للنبي سليمان ، وابيات من ديك الجن ، وأبي نواس ، مما يؤدي بصميم بالحاق بها ، لكنه لا يرتوي منها رغم فارق السن بينهما ، فهي ملتهبة دائماً . فمن خلال هذا الخيال الذي يغلي شبقاً في المنحوتات ، تحوله طرب الى اثارة جنسية مجنونة 30.
اما في رواية ” الشهوان “31 للروائي ابراهيم سليمان نادر ، يكون الواقع أشد حضوراً من المتخيّل ، المرتكز على الذاكرة المستندة على التجربة الواقعية الصعبة والمريرة التي عاشها الشخصية الرئيسة، عند احتلال مدينته الموصل من قبل برابرة العصر ، وهذه الصور نستطيع أن نٌسمّيها بـ ” الذاكرة المتخيّلة ” ووعيها ، حينما تكونُ الصورةٌ المتخيّلةٌ صدىً للذاكرة الماضية ، ويشددُ باشلار في دراسته للصورة على ” عدم تحطيم التضامن القائم بين الذاكرةِ والخيالِ ” 32. فلقد اشتغل الروائي في كتابته للنص على استراتيجية الربط بين ذاكرةٍ قديمةٍ و متخيّل حاضرٍ ، لإنتاج صور تقترب كثيراً من شريط الفيلم السينمائي ، يحدث كل ذلك في لحظتين اثنتين متداخلتين : لحظة الذاكرة – الوقائع / الماضي ، واللحظة المتخيلة – الكتابة / الحاضر ، ولهذا اخذ البعض يصف التذكر بأنه قراءة ذهنية لماضي الذات ” الفين جولدمان 2010 ” ، والتذكر بأنه نوع من التخيّل ، يتحكم فيه الماضي ” روبرت هوبكنز 2018 ” ، الا أن التذكر والمتخيل يظلان نوعين ذهنيين متمايزين .
وفي رواية ” اكتشاف الحب ” لـ مروان ياسين ، حاول المؤلف أن يُطعّم الواقع بالمتخيل ، ولكن المتلقي بقى يحس بأن سلطة واقعية السرد تعلو على سلطة المخيلة الكاتبة ، رغم أن ” تشكّل الواقع ، بوصفه متخيلاً ، نظرياً داخل عدد من الاختصاصات ومن مواقع سياسية وفلسفية عديدة “33. أي أن المتخيل الواقعي بقى محدودا ، ولم يستطيع الافلات من قبضة الذاكرة الماضية التي تحتوي على حبكة الرواية المهيمنة على السرد الا في نهاية الرواية .
وعلى هذا المنوال ، ايضاً ، رغم وجود بعض الاختلافات ، نشاهد ” نقرأ ” أن رواية (كراسة كانون)34 لـ محمد خضير ورواية (زقاق الجُمجم)35 لـ بيات مرعي ، قد استندا على الذاكرة والمتخيل في كتابة روايتهما ، فالكتابة ” بمختلف أجناسها وأساليب تعبيرها تشكل مجالاً غنياً للعمل التخييلي ، وهو بصوره ومجازاته وتشبيهاته وأساطيره يمكن أن يخلق فرصة للحوار الثقافي ، أحياناً ، أكثر مما يمكن أن يوفره اهتمام عقلاني صارم “36.وذلك يتم عن طريق الرمز والفنتازيا ، ومزامنة الحدث . والاشتغال على المتخيَل والحلم في تداخله مع اللحظة التاريخية .
واحياناً ، تعمل الذاكرة في الروايتين على تحويل المشاهد الواقعية الى مشاهد اسطورية ، عبر مزاوجتها في سياقات تخيلية موحدة ، وهكذا فإن الواقع المرسوم في السرد المتخيل ما هو الا عبارة عن سرد يستوحي المتخيل المرسوم في الواقع للشخصيات والأحداث ، فاللجوء الى المتخيل يكون من اجل خلق عوالم مغايرة ، أو اختراع ” عوالم بديلة ” تكون نقطة الشروع في مزاوجة الواقع بالمتخيل ، لأن هذا الواقع قد انهك الاشخاص ، كونه مؤلم جداً لاحتوائه على معاناة عميقة غير خاضعة لحدود ، لذا احياناً يجدوه معقداً ولا يعرفوا ماذا يفعلوا ، واحياناً اخرى يكون لا معقول بالنسبة لهم أو غير مفهوم بتاتا .
اما رواية ” ينال ” للروائي أمجد توفيق ، ورواية ” لقاء الجمعة ” للروائي حامد فاضل ، فلا تبتعدا كثيرا عما درسناه .
الهوامش والاحالات
1-علي بن محمد بن علي الجرجاني – كتاب التعريفات ، تحقيق : عادل انور خضر ، دار المعرفة ، بيروت / لبنان ، 2007م ، ص97.
2- محمد بن مكرم بن منظور ” ت 711ه ” – لسان العرب ، دار صادر ، بيروت / لبنان ، 1968م ، ( مادة خيل ) .
3- جبور عبد النور – المعجم الأدبي ، دار العلم للملايين ، بيروت / لبنان ، ط2 ، 1984م ، ص 106 .
4- موسوعة ستانفورد للفلسفة ” حكمة ” – التخيل ، ترجمة : ناصر الحلواني ، 28- 9-2021 . يترجم ناصر الحلواني مصطلح الخيال بـ التخيل .
5- يوسف الادريسي – الخيال والمتخيل في الفلسفة والنقد الحديثين ، مطبعة النجاح الجديدة ،الدار البيضاء / المغرب ، 2005م ، ص 7 .
6- ليلى احمياني – صورة المتخيل : في السرد العربي البناء و الدلالة ، رؤية للنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2016م ، ص21 .
7- تزفيتان تودوروف – الرمزيّة والتأويل ، ترجمة وتقديم : د اسماعيل الكفري ، دار نينوى للدراسات والنشر والتوزيع ، دمشق / سوريا ، 2017م ، ص 43.
8- آمنة بلعلا – المتخيّل في الرواية الجزائرية : من المتماثل الى المختلف ، دار الأمل للطباعة والنشر والتوزيع ، عمان / الاردن ، 2011م ، ص 25 .
9- أسامة غانم – تأويلية السرد : المتخيّل – التاريخ – المتلقي ، الهيئة المصرية العامة للكتاب ، القاهرة ، 2020م ، ص 9 .
10- ليلى احمياني – صورة المتخيل ، ص 31- 32 .
11- آمنة بلعلا – المتخيل في الرواية الجزائرية : من المتماثل الى المختلف ، ص 25.
12- موسوعة ستانفورد للفلسفة ” حكمة ” .
13- د احمد عويّز – الذاكرة والمتخيّل : نظريّة التأويل عند غاستون باشلار ، دار الرافدين ، بيروت / لبنان ، 2017م ،ص 15 .
14- جبور عبد النور – المعجم الأدبي ، ص 244.
15- بول ريكور – الذاكرة ، التاريخ، النسيان ، ترجمة وتقديم : جورج زيناتي ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت / لبنان ، 2009م ، ص 34.
16- د أحمد عويّز – الذاكرة والمتخيل ، ص 29.
17- بول ريكور – الذاكرة ، التاريخ ، النسيان . ص 108 .
18- م . س .ص 15.
19- م . س . ص 111 .
20- ميري ورنوك – الذاكرة في الفلسفة والأدب ، ترجمة : فلاح رحيم ، دار الكتاب الجديد المتحدة ، بيروت / لبنان ، 2007م، ص 56.
21- حسين خمري – فضاء المتخيل : مفارقات في الرواية ، منشورات الاختلاف ، الجزائر ، 2002م ، ص 43.
22- ليلى احمياني – صورة المتخيل ، ص 43.
23- باتريشيا وُوه – الميتافكشن : المتخيل السردي الوعي بذاته – النظرية والممارسة ، ترجمة : السيد إمام ، دار شهريار ، البصرة / العراق ، 2018م ، ص 136.
24- م .س . ص 126.
25- عباس عبد جاسم – بوز الكلب ” رواية ” ، دار ماشكي للطباعة والنشر والتوزيع ، ط2، الموصل / العراق ، 2020م .
26- باتريشيا وُوه – الميتافكشن ، ص 123.
27- عباس عبد جاسم – بوز الكلب ، ص 15.
28- عالية ممدوح – التانكي ” رواية ” ، منشورات المتوسط ، ميلانو/ ايطاليا ، 2019 .
29- م. س .ص 197.
30- أسامة غانم – الصور السردية المُتَشظْية في النصْ المُتّجمع ، مجلة الرقيم ، العدد 25 السنة الثامنة 2020 .
31- ابراهيم سليمان نادر – الشهوان ” رواية ” ، الحكمة للطباعة والنشر والتوزيع ، القاهرة ، 2021م .
32- د . احمد عويّز – الذاكرة والمتخيّل ،ص 39.
33- باتريشيا وُوه – الميتافكشن ، ص 68.
34- محمد خضير – كراسة كانون “رواية” ، دار الرافدين ، بيروت / لبنان ، 2000م .
35- بيات مرعي – زقاق الجمجم “رواية” ، الآن ناشرون موزعون ، عمان / الاردن ، 2021م .
36- محمد نور الدين أفاية – المتخيل والتواصل : مفارقات العرب والغرب ، دار المنتخب العربي ، بيروت / لبنان ، 1993م ، ص 7-8 .





