التأويل الإسلامي: حدوده ومنفتحاته-فريد الزاهي
إن القراءة إذا هي لم تستعن بكلية الأدوات التي تضمنها النقد التقليدي قد تتطور في كل الاتجاهات، وتمنح لكل التأويلات الممكنة شرعية الوجود.
U. Eco, Les limites de l’interprétation, op. cit., p. 34
وكل هذه الأقسام التي ذكرها من البيان لا تخلو من أن تكون ظاهرة جلية أو باطنة خفية، وذلك لما دبره الله عز وجل في هذا من الحكمة والدلالة عليه؛ لأنه جعل بعض خلائقه محتاجًا إلى البعض، فالظاهر محتاج إلى الباطن لأنه معنًى له، والباطن محتاج إلى الظاهر لأنه دليل عليه؛ وكذلك سائر مصنوعات الله محتاج بعضها إلى بعض، ليعلم الإنسان أنه ليس يستغني شيء بنفسه ويقوم بذاته غير الله تعالى. وكل ما سواه فإنما هو بغيره، ولو جعل تبارك وتعالى الأشياء كلها ظاهرة لتساوى الناس في العلم ولم يتفاضلوا فيه … ولتساوى الناس في الجهل.
لكنه بحكمته ومتقن صنعته جعل بعضها ظاهرًا مستغنيًا بظهوره على طلبه، وبعضها باطنًا يحتاج إلى إظهاره والفحص عنه، وجعل الظاهر دليلًا على الباطن وسلمًا إليه. ولم يقنع من عباده بعلم الظاهر من الأشياء حتى يعرفوا معانيه وباطن تأويله، وذم من اقتصر على ظواهر الأمور دون بواطنها ونفى العلم عنهم …
قدامة بن جعفر، نقد النثر، مرجع مذكور، ص١٥-١٦
التفسير والتأويل: الائتلاف المعرفي والاختلاف المنهجي
إن قراءة جينالوجية لمفهوم التأويل الإسلامي تمكننا من الوقوف على الطابع الإيجابي العام المرتبط بهذا المصطلح؛ فالطابع القدحي الذي ساد لفترة طويلة في الثقافة النقدية العربية المعاصرة التصق به، في مقابل النظرة العلمية والموضوعية التي جعلت من التأويل مرادفًا للذاتية والهوى الشخصي. والحال أن المفهوم التأويل بهذا المعنى ليس مدلولًا أصليًّا في الثقافة الإسلامية القديمة، وإنما هو مدلول متأخر يتصل أساسًا بالتطورات الكلامية والنزاعات الفقهية التي عرفتها تلك الثقافة.
لقد رادف أغلب فقهاء الإسلام بين التفسير والتأويل، بل طابقوا في أحيان كثيرة بينهما، أما الاختلاف الذي ألحَّ عليه بعضهم، فهو اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، كما سيتأكد ذلك فيما بعد.١ بيد أن هذا الاختلاف لن يلبث أن يتحوَّل في نهاية المطاف إلى مدخل للتعارض بينهما. لننظر إلى ما جاء به السيوطي في تحديد المفهومَين: «التفسير من الفسر وهو البيان والكشف، ويقال هو مقلوب السفر، تقول أسفر الصبح إذا أضاء. وقيل هو مأخوذ من التفسرة وهي اسم لما يعرِّف الطبيب به المريض. والتأويل أصله من الأول، وهو الرجوع فكأنه صرف الآية إلى ما تحتمله من المعاني، وقيل من الإيالة وهي السياسة كأن المؤول للكلام ساس الكلام ووضع المعنى فيه موضعه.»٢
إن هذا التحديد، الذي نجده أيضًا لدى ابن منظور، يربط التفسير بانبجاس المعنى ويشترط أن يتعلق الأمر بالكتاب والكتابة والمكتوب؛ فالتفسير يغدو، بهذا المعنى، مدخل النص إلى الوجود كنص معقول قابل للقراءة والفهم والإدراك. ومع أن النص القرآني معقول ومفهوم بذاته بغض النظر عن تلقيه، فإن تحديده، بوصفه رسالة، يفترض قارئًا (وأول قارئ له — بعد جبريل — كانت شخصية الرسول)، أي متلقِّيًا. بيد أن متلقي النص القرآني عمومًا، مهما كانت درجة فهمه، بحاجة إلى عملية إفهام (تفسير) كي تستوضح له طبيعة هذه الرسالة سواء من خلال تركيبها اللغوي أو سياقاتها المختلفة؛ فالتفسير يقابل ما عرف في الهرمينوسيا الغربية بالفهم.٣ إنه يتصل بعنصرَين أساسَين: طبيعة النص القرآني ووجود الفهم الإنساني، وهما طرفان أساسيان في عملية التواصل المفترضة بين المرسِل (الذات الإلهية) والمرسَل إليه (المسلم). إن إدخالنا لمفهوم الفهم هنا يشكل من جانبنا محاولة للاقتراب من عملية التفسير ومن مقصديتها. بهذا الشكل يكون التفسير تلك العملية التي توفر الشروط لوجود النص باعتباره كيانًا قابلًا للفهم، ويغدو الفهم تلك المرحلة الضرورية والأولية للتواصل مع النص القرآني وتطبيقه،٤ بحيث إنه، من ثمَّ، المدخل لعملية التأويل كما يحددها السيوطي.
أما التأويل، فبالإضافة إلى منحاه التأصيلي (تأصيل المعنى النصي)، فإنه يختص بالمعاني المحتملة من جهة، باعتبارها وجهته، ويقود النص إليها باعتباره العملية التي يقوم بها من ناحية أخرى. وإذا كانت إحدى معاني التفسير تتلخص في تعيين المعنى وتحديده (كما الطبيب)، فإن التأويل يشكِّل هنا مجموع الخطوات التي تقود إلى المطابقة بين رغبة المؤول وممكنات النص الدالة، وهنا يكمن التأصيل؛ فإرجاع المعنى إلى أصله يتم عبر الاعتراف ضمنًا بتعدد المعاني الأصلية (والمشتقة) وكذا باحتماليتها.
وقبل الانتقال من الدلالة اللغوية إلى الاصطلاحية، وما يفترضه هذا الانتقال من مَفْهَمة للمعاني الإيتيمولوجية (على طريقة ابن عربي أو هايدغر) نودُّ الإشارة إلى ما يقترحه نصر أبو زيد في هذا المضمار. يقول في ذلك: «إنه إذا كانت كلمة تأويل تعني «الرجوع إلى الأصل»، وتعني أيضًا «الوصول إلى الغاية» والعاقبة، فإن الذي يجمع بين الدلالتَين هو دلالة الصيغة الصرفية «تفعيل» على الحركة، وهي دلالة أغفلها اللغويون في تحليلهم المعجمي؛ لذلك يمكن القول إن التأويل حركة بالشيء أو الظاهرة، إما باتجاه «الأصل» أو في اتجاه الغاية و«العاقبة» بالرعاية والسياسة، لكن هذه الحركة ليست مادية، بل هي حركة ذهنية عقلية في إدراك الظواهر.»٥
إن الاختزال لا يكمن هنا فقط، بل في التصور الذي يُبنى على ذلك. والحقيقة أن نص السيوطي المذكور آنفًا يؤكد منذ البدء على صيغة التفعيل. وهو إن لم يكرِّرها في حديثه عن التأويل، فلأن ذلك من باب البداهة. كما أن العرب كانت على علم بأن صيغة تفعيل مصدر للفعل الثلاثي المزيد بتضعيف العين إذا كانت لامه صحيحة؛ ومن ثمَّ فإن العلاقة بين المصدر والفعل علاقة ملتبسة جدًّا، يؤكد اختلاف الكوفيين والبصريين فيها الطبيعة المصدرية للفعل والطبيعة الفعلية للمصدر؛٦ ولذا نعتقد من جانبنا، أن تلك الصيغة المصدرية تدل على الفعل في مفهوم العام، كما يستعمل راهنًا في تعيين القراءة والتأويل باعتبارهما فعلًا ذهنيًّا إدراكيًّا، له صفات الحدث والواقعية، ويمتلك بالضرورة صفة الحركة.٧ ومع أننا لا ننفي صفة الحركة عن مفهوم التأويل، فإننا نعتبر أن المعنى اللغوي يركز على الوجهة (كما نلاحظ ذلك في تحليل السيوطي) وعلى الفعلية (أي كون التأويل فعلًا وعملية يقوم شخص أو ذات معينة على موضوع ما). وما دام أصل المعنى وغايته وعاقبته في النص القرآني هو الذات الإلهية، فإن الحركة الموجهة التي يقوم بها المؤول تقع بينه وبين النص وبينه وبين مقاصد الذات المصدرية للنص. وإذا كانت غاية النص هي القراءة والتلقي، مهما كانت درجة الإيمان والاعتقاد فيه، فإن الوصول إلى الغاية يتم عبر متلقي الخطاب وتملكه لمدلولاته الراجحة؛ لذا فإن هذه الوجهة المزدوجة هي أشبه بالتفاعل بين مقصدية النص ونشاط القارئ التأويلي التي يلح عليها كلٌّ من أمبرتو إيكو وفولفانغ إيزر، وهي أقرب إلى ما ينعته دافيد هيرش بالمعنى والدلالة، في انتماء الأولى إلى استراتيجية المؤلف، وانتماء الثانية إلى النشاط المستمر والمتجدد للمؤول. وباعتبار عملية التأويل تجاور هنا بشكل واضح بين المعنى الأصل ومعنى القارئ أو المؤول وتفترضهما معًا، فإن التأويل يغدو عملية تفاعل حركي مع المعنى النصي.
ولأن الاختلاف الاصطلاحي يقوم على ما تفرزه الدلالات المعجمية، فإن المفسرين المسلمين قد أولوا اهتمامًا خاصًّا للفرق بين المفهومَين، إلى درجة اعتبر معها بعضهم أن معرفة الفرق بين التفسير والتأويل شرط للمعرفة الفقهية؛ فقد «بالغ ابن حبيب النيسابوري فقال: قد نبغ في زمننا مفسرون لو سُئلوا عن الفرق بين التفسير والتأويل ما اهتدوا إليه.»٨
ومع أن هذه النغمة الساخرة «تبالغ» بعض الشيء، كما لاحظ ذلك السيوطي، فإنها تُفصح عن واقعية التواضع على الاختلاف المنهجي بين التفسير والتأويل واعتبارهما، من قبل البعض، ممارستَين تحليليتَين مختلفتَين، إن لم تكونا متناقضتَين. هذا التواضع يترجمه أبو هلال العسكري بقوله: «الفرق بين التأويل والتفسير: أن التفسير هو الإخبار عن آحاد الجملة، والتأويل الإخبار بمعنى الكلام. وقيل: التفسير إفراد ما انتظمه ظاهر التنزيل، والتأويل الإخبار بغرض المتكلم بكلام. وقيل: التأويل استخراج معنى الكلام لا على ظاهره بل على وجه يحتمل مجازًا أو حقيقة، ومنه يقال تأويل المتشابه، وتفسير الكلام إفراد آحاد الجملة ووضع كل شيء منها موضعه، ومنه أخذ تفسير الأمتعة بالماء، والمفسر عند الفقهاء ما فهم معناه بنفسه والمجمل ما لا يفهم إلا بغيره (…) والمفسر ما تقدم له تفسير لما كان يتبين كما يتبين ما له تفسير.»٩
إلا أن هذه الفروق رغم شموليتها، لا تكتمل إلا بما نظر له الفقهاء والمفسرون؛ فقد اعتبر هؤلاء، إضافة إلى ما سبق أن انتبه له أبو هلال، أن بيان لفظ لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، وأن التأويل توجه على معانٍ مختلفة على واحد منها بما ظهر من الأدلة؛ فمهمة التأويل تكمن إذن في ترجيح أحد المعاني المحتملة. وقد اعتبر آخرون أن التأويل إخبار عن حقيقة المراد لأن اللفظ يكشف عن المراد والكاشف دليل. كما تم فهم التأويل باعتباره متعلقًا بالدراية، فيما اعتبر التفسير متصلًا بالرواية أي بتفسير غريب الألفاظ. وقد قصر القشيري التفسير على الاتباع وجعل الاستنباط مهمة التأويل.
بهذا الشكل تكتمل صورة التمايز بين المصطلحَين لنجد أنفسنا أمام تحوُّل من مجال الدلالة المعجمية إلى مجال الدلالة المنهجية والتاريخية. تتعلَّق أولى هذه الاختلافات بجزئية التفسير واقتصاره على الجانب المعجمي والنحوي والجملي؛ فهو يتعامل مع العلامات اللسانية موضحًا معانيها الغريبة، كاشفًا عن الدلالة الوضعية للجملة وتركيباتها؛ فهو من ثمَّ تحليل نصي محايث، وتفسير فيلولوجي توثيقي من جهة ثانية، كما يلحُّ على ذلك الزركشي: «هو ترتيب مكيها ومدنيها، ومحكمها ومتشابهها، وناسخها ومنسوخها، وخاصها وعامها، ومطلقها ومجملها ومفسرها. وزاد قوم: علم حلالها وحرامها ووعدها ووعيدها وأمرها ونهيها، وعبرها وأمثالها، وهذا الذي مُنع فيه القول بالرأي.»١٠ وهو الذي يدرس مفهوم النص في الدراسات القرآنية. صحيح أن النص القرآني لم يتمَّ اعتباره أبدًا ذلك النص المغلق المجموع بين دفتَي مصحف، وإنما مجموع الظواهر المتصلة به سواء كانت مرجعية أم سياقية أم تصنيفية، كالتفرقة بين المحكم والمتشابه والمجمل والمفسر … إلخ. إلا أن التفسير، كما يبدو ذلك واضحًا في قول الزركشي، يتصل بالمظاهر الخارجية والمظاهر التصنيفية الداخلية معًا. إن له صفة شرعية قانونية لأنه يقرر ما عليه صورة النص؛ فهو يختص بالمعارف التاريخية واللغوية والخبرية والنصية التي تحدد معالم النص وتسهل فهمه وإدراكه.١١ تشبه مهمة المفسر هنا إلى حدٍّ كبير مهمة المحقق الذي يستوي على يدَيه النص قابلًا للتداول والقراءة. هذا المسعى الوظيفي يجعل التفسير كما أشرنا لذلك سابقًا، مهمة مرتبطة بفهم النص وقابليته للإدراك باعتبار الفهم عملية معقَّدة تتطلَّب الإمساك بالنص من حيث هو كذلك،١٢ إنه عمل يشمل كل العلوم الممهدة للتأويل؛ من ثمَّ يكون التفسير جزءًا من عملية التأويل وتكون العلاقة بينهما علاقة العام بالخاص، أو علاقة النقل بالاجتهاد من جهة أخرى.
بالمقابل، يرتبط التأويل في التصور الإسلامي، الفقهي منه بالأخص، بالرأي والاجتهاد وإعمال العقل أمام تعدد المعاني. إنه فعل نشط ومنتج لأنه يتجاوز الموروث للاشتغال على النص عبر التعامل مع السياقات التي تفرض مدلولًا دون آخر؛ فهو عملية حساب وتوجيه دلالي، واختيار بين الاحتمالات، وحسم بين المعطيات. وعوض المعاني الواضحة والتقريرية يشتغل التأويل على المجازي. وبما أن المجاز عبور من الشيء إلى الشيء، والعبارة دلالة على العبور، فإن التأويل استجابة لهذه الدعوة إلى العبور وكشف لما يبطنه في طابعه العقلاني ذاك. وهو ما يتبدى في تلك الضرورة التي يفرضها المتشابه (أي المشكل والملتبس بغيره). بهذا المعنى، يكون التأويل انتقالًا من مدلول إلى آخر، ومن سياق دلالي إلى آخر، ومن مستوًى إلى آخر. ولا يمكن لهذا الانتقال أن يتم إلا بالدراية وحسن التدبير والاجتهاد الاستنباطي، وهي كلها عمليات تؤكد الصبغة الخاصة للتأويل، باعتباره فنًّا يفترض مقدرات شخصية وذاتية لا توفرها الطبيعة «العلمية» للتفسير.
في الحين الذي تغطَّى فيه، في التفسير، المعطيات القبلية الجاهزة التي تشتغل على صورة النص وتمارس سلطة معينة محمية بميتافيزيقا الأصل والهوية، يسعى التأويل إلى البحث في اللاتحدد. إنه يقوم بنفس ما يقوم به التفسير لكن في مجال آخر وبطرق مختلفة. ولأنه كذلك، أي مغامرة مستمرة تقع بين النص كما يصوغه التفسير، والنص كما يفترض في المقصد العلوي، فإنه قد بنى لنفسه مجموعة من القواعد، بشكل تدريجي، في التأويل الصوفي والكلامي والفلسفي، ليستوي منهجًا قادرًا على حماية نفسه من عماء التفسير.
هل يعني هذا أن ثمَّة قطيعة بين التفسير والتأويل؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك فما هي نوعية العلاقة بينهما؟
بالرغم من توضُّح الفروق بين الاصطلاحَين. ظل الكثير من الفقهاء يستعملونهما في معنًى واحد. يدل على ذلك استعمال الطبري للفظة التأويل في تفسيره، وعدم دلالة الكثير من عناوين التفاسير على اختلاف بينهما، كالكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل للزمخشري، وأنوار التنزيل وأسرار التأويل للبيضاوي … إلخ. بل لقد ظل آخرون يعتبرون التفسير أعمَّ من التأويل كالراغب الأصفهاني الذي يرى بأن «التفسير أعم من التأويل. وأكثر ما يستعمل التفسير في الألفاظ، والتأويل في المعاني، كتأويل الرؤيا يستعمل أكثر في الكتب الإلهية. والتفسير يستعمل فيها وفي غيرها. والتفسير أكثره يستعمل في مفردات الألفاظ والتأويل في الجمل …».١٣
هذا الرأي يغري بطريقته الإقناعية. إنه يجعل من التفسير منهجًا لكل النصوص، فيما يخصص التأويل للأحلام والنصوص الدينية. بَيْد أن عمومية التأويل تجد لنفسها هنا موطنًا آخر: إنه عموم النص، ذلك أن التأويل لا يقتصر على اللفظي وإنما هو ذو صبغةٍ نصية؛ ومن ثمَّ فهو يشكل منهجًا نصيًّا لا منهجًا لغويًّا كما هو حال التفسير. وبما أن النصوص الإلهية تعتبر في المنظور الإسلامي أسمى النصوص، وأن القرآن كان يعتبر مصدر البلاغة والنقد، فإن عمومية التأويل تأخذ هنا مشروعية أكبر، خاصة وأن الشعر وكلام العرب يأتيان بعد القرآن والحديث في المرتبة. إن قيام التأويل على المعنى واختصاصه به يجعله منهج التواصل بامتياز.
يبدو الأمر مع الراغب الأصفهاني وكأنه يعود إلى ثنائية اللفظ والمعنى، كما طُرحت في الأدب العربي القديم وتحكمت في صراعاته النقدية. بَيْد أن الفرق والتراتبية أيضًا بين التفسير والتأويل تعود إلى بدايات التمييز المبكر بين التفسير بالمأثور والتفسير بالرأي؛ فقد دعت الضرورة إلى تفسير ما خلفه الرسول والصحابة من غير شرح أو بيان؛ فالتفسير لم تكن له فقط مهمة الشرح اللغوي، وإنما أيضًا تقنين دلالة النصوص، وبالأخصِّ ما يتصل منها بالأحكام الشرعية. وبذلك، كانت أولى العمليات التي قام بها هذا الخطاب التفسيري هي تصنيف العقيدة الجديدة إلى عناصر واضحة بذاتها، وعناصر تتطلَّب الاجتهاد للوصول إلى مقاصدها وإعمال العقل لتعقُّلها. بيد أن العناصر الأولى تقف في وضوحها ذاك، ليس على النص وحده وإنما على ما تراكم من ممارسات نبوية وصحابية.
بهذا المعنى يكون مفهوم النص في الإسلام مفهومًا بالغ التعقيد؛ فهو ليس فقط المتن الشفوي أو المكتوب. إن النص هو، إضافة إلى ذلك، سياق ظهوره وسند الرواة الذين رووه ومجموع المقاصد القدسية المتحكمة فيه؛١٤ فهو لا يتشكل من أجزائه فقط، ولا يمكن الاعتماد على جانب ما في التطرُّق إلى آية من غير الانتباه لمجمل القضايا المطروحة في النص، كالناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابه … إلخ. كما أن ذلك يفترض من جهة أخرى الانتباه للسلوك العملي للنبي وأقواله، وما تواضع عليه أئمة المسلمين، فبالإضافة إذن إلى العلاقة الأفقية التناصية التي تشد أطراف النص بعضها إلى بعض، هناك علاقة عمودية، تناصية أيضًا، بين الأشكال المختلفة المكونة للنص الإسلامي سواء كانت لغوية أو سلوكية. إن ما يبرز هذه العلاقة العمودية هو أن جزءًا من الأحاديث النبوية «قدسية»، أي مصدرها الذات الإلهية وجاءت على لسان النبي، يتوضح ذلك في إشارات التلفُّظ والضمائر المعبرة عن مصدر الملفوظ المتعالي. بيد أن هذه المبررات النصية تتوسع وتتأكد في وحدة الأهداف والمضامين التي تنتظم مجموع النص.
هكذا يمكن الحديث عن نص كلي إسلامي تحكمه الكلية والوحدة، ولا يعدم مع ذلك بياضاته ومفارقاته النابعة من تعدد استراتيجيات القراءة والتأويل، بالشكل نفسه الذي يكتسب فيها وحدته من وحدة المقاصد الأصلية الساهرة على تكونه.
وإذا ما نحن عُدنا إلى علاقة التفسير بالتأويل، فإننا نجد أنفسنا أمام أمر هام يتجلَّى في أن التفسير بالمأثور كان في أصل صياغة معقدة لمفهوم النص، بينما ظل التفسير بالرأي في أصل صياغة للتعامل العقلي معه. إن هذا يعني أن التفسير بالرأي يعيد من جديد طرح مشكلة النص نفسه، والدعوة إلى تعامل يتجاوز النص، لا نحو شروطه السياقية واللغوية، وإنما نحو علاقة جديدة بين المؤول ومقاصد النص؛ فقد ثبت أن ثمة قضايا لا تنحلُّ لا بالرجوع للأثر ولا باستنطاق الناسخ أو المنسوخ، ولا بما جاء في السيرة النبوية وأقوال الصحابة والتابعين. إن ما يعرف بمشكل القرآن أو الآيات المتشابهات المتعلقة بصفات الذات الإلهية يتطلَّب التأويل، وإلَّا سقط المؤمن في التشبيه والتجسيم. وبما أن المشكل من النصوص قد عرف أيضًا في الحديث النبوي،١٥ فإن التأويل اتصل في انبثاقه المنهجي والنظري بهذا النوع من الآيات أو النصوص الصغرى؛ لأنها تطلَّبته لحل معضلات تتصل بوحدة النص الديني المعرفية.
لقد انبنت مشروعية التأويل تاريخيًّا على الانطلاقة التي أسسها ابن عباس في اعتماده التفسير بالرأي، ونصيًّا على ما أثارته الآية التالية لدى الفقهاء والمتكلمة: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا.١٦
لقد ظلَّت هذه الآية موضوع نقاش ساخن بين الفقهاء والمتكلمة؛ وهو نقاش لم يمس أبدًا التقسيم القرآني للنص إلى محكم ومتشابه، وإنما قصد الدلالة والمقصد الفعلي للجزء الأخير من الآية؛ ذلك أن التساؤل الذي طرح أمامهم هو: هل التأويل من اختصاص الراسخين في العلم أيضًا، أم أن الراسخين في العلم يكتفون بالتسليم بالمتشابه كما هو، خاصة وأن التأويل يرتبط قبل ذلك بالفتنة؟
يحدد الطبري المتشابه في القرآن باعتباره: «منسوخه ومقدمه ومؤرخه وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.»١٧ أما التأويل فهو لديه العاقبة لا غير، لكن ما القول في الراسخين في العلم؟ إن تأويل الآية على العطف يمنحنا معنًى يعلي من سلطة علم العلماء، ويؤكد قدرتهم على معرفة سر المتشابه وسمو معرفتهم؛ بحيث تغدو تلك المعرفة قادرةً على الاتصال بالمعرفة الإلهية. أما تأويلها على القطع فإنه يجعل التأويل (الحقيقي) حكرًا على الذات الإلهية. وحتى إذا نحن اعتبرنا هنا التأويل — مع الطبري — هو العاقبة، فإن العلماء قد عوَّدونا على البحث والتقصي في أكثر الأشياء مجهولية، والتي لا يختص بمعرفتها سوى خالقها؛١٨ من ثمَّ إذا كانت مهمة الراسخين في العلم تتطلَّب التسليم باقتصار المعرفة بالمتشابه على الذات الإلهية، فإن قسمًا من القرآن سوف يظل «ملتبسًا» على عامة المسلمين كما على خواصهم، وسوف يتحوَّل العلماء والفقهاء والمتصوفة إلى وسطاء سلبيين، يعلِّمون الناس الجوانب العملية في الديانة، وعاجزين عن صياغة نظرة إسلامية منسقة للإيمان؛ هذا في الوقت الذي توجد فيه آيات وأحاديث كثيرة تحثُّ على التدبير وإعمال العقل والاجتهاد.
إن قراءة الطبري أفقية محدودة، خاصة أن تفسيره يعتمد على المأثور ويتجنب إعمال الرأي؛ لهذا فهو يمنح لهذه الآية، كما لآيات أخرى كآية النور، القيمة نفسها التي تكتسبها الآيات المحكمات في القرآن؛ فالتفسير بالمأثور يحيل المتشابه إلى المحكم ويحد من انفتاحاته باختزاله فيه.
لقد أكَّدت الممارسة التفسيرية على فعاليتها في الكشف عن الدلالات المجازية والخفية، والموازية والإيحائية والتداولية للكثير من الآيات والقصص القرآنية؛ فالبحث في المعنى التمثيلي والمجازي قد فتح الدراسات القرآنية باتجاه إغناء طرائقها؛ ومن ثم منح صورة جديدة للنص، باعتباره نصًّا بلوريًّا ذا طابع قدسي. كما أكد على أن تأويل «آية التأويل» السالفة الذكر لا يؤمن بالتفسير اللغوي في ذاته مع أنه يعتمد عليه؛ لذا فإن المؤول وهو يمارس التأويل على الآية المذكورة يعايش مشروعيته الخاصة، ويبنيها على نظرة مرآوية لذاته. وكأن التأويل لا يمكنه أن يؤكد مشروعيته الخاصة إلا عبر تلك العملية الانعكاسية. إنه «يجد نفسه، كما يقول مشيل فوكو، مرغمًا على أن يؤول ذاته إلى ما لا نهاية وأن يتناول ذاته من جديد وعلى الدوام.»١٩ هذه الخاصية الملازمة للتأويل هي التي تجعله مجاوزًا (من خلال تلك الدائرة نفسها) للتفسير ومهماته وخطواته. بيد أن الآية المذكورة تميز بين نوعَين من التأويل؛ إنه تمييز بين التأويل الخاطئ الذي يبتغي الفتنة ويكون كما يقول إيكو استعمالًا٢٠ لا تأويلًا، والتأويل الذي يمارسه الراسخون في العلم. بذلك يكون التأويل الذي لا يعتمد على التفسير هو التأويل المرفوض والمكروه. أما التأويل الصالح والمقبول فهو ذلك الذي لا ينطلق من فراغ، ولا يعتمد فقط على ذاتية المؤول المطلقة في غيبة المعطيات الأساسية التي تواضع عليها علماء الإسلام لإدراك الظاهرة النصية، والتي قننت بشكل واضح مفهوم النص. فالفرق بين التأويل والتأويل الخاطئ أو الاستعمال هو أن التأويل يؤدي دائمًا إلى علاقة جدلية بين استراتيجية «المؤلف»، والقارئ الأنموذج بوصفه صورة القارئ كما يتوقعها النص. هذا الترابط بين المؤول والمؤلف باعتبارهما استراتيجيتَين واضحتَين هو ما يقود من الناحية النظرية إلى الترابط بين التفسير والتأويل. وحتى لا يفهم أن التأويل عملية اعتباطية مغرقة في الذاتية، نورد القواعد التي ينبني عليها التفسير بالرأي (ومعه التأويل ضرورة) والتي تتداولها كتب التفسير أو تلك المختصة بعلوم القرآن، بالشكل التالي: «اشترط العلماء — كما يقول الذهبي — في المفسِّر الذي يريد أن يفسر القرآن برأيه بدون أن يلتزم الوقوف عند حدود المأثور منه فقط، أن يكون ملمًّا بمجموعة من العلوم التي يستطيع بواسطتها أن يفسر القرآن تفسيرًا عقليًّا مقبولًا، وجعلوا هذه العلوم بمثابة أدوات تعصم المفسر من الوقوع في الخطأ وتحميه من القول على الله بدون علم.
وإليك هذه العلوم (…):
الأول: علم اللغة (…). الثاني: علم النحو (…). الثالث: علم الصرف (…). الرابع: الاشتقاق. الخامس والسادس والسابع: علوم البلاغة الثلاثة (المعاني والبيان والبديع) (…). الثامن: علم القراءات (…). التاسع: علم أصول الدين وهو علم الكلام (…). العاشر: علم أصول الفقه (…). الحادي عشر: علم أسباب النزول. الثاني عشر: علم القصص. الثالث عشر: علم الناسخ والمنسوخ. وهو علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم.»٢١
إن الاعتراف الصريح هنا بمجاوزة التأويل لحدود المعرفة التفسيرية، وكذا تقييد التأويل بجملة علوم ومعارف ضرورية آخرها ملكة التأويل، يعضد الضرورة التأويلية ويجعلها مشروطة بأدوات وآليات تقرب المؤول مما يسمى في سيميائيات التأويل باستراتيجية «ومقاصد المؤلف»، بوصفه فرضية تأويلية.٢٢ هذه القواعد، وهي تجعل التأويل مرحلةً عُليا من التفسير تتأكَّد بالممارسة التأويلية لدى علماء الإسلام؛ فقد تسلَّح المعتزلة في تأويل الآيات الخاصة بالصفات بكل تلك العلوم، مضيفين إليها المعرفة المنطقية وبعض المفاهيم الفلسفية المتداولة آنذاك.٢٣ كما أن التفسير الصوفي الإشاري، خاصة لدى ابن عربي، ينمُّ عن معرفة فقهية واضحة ينضاف لها كل ما له علاقة باللغة. أما التأويل الفلسفي البرهاني فإن المؤلفات الفقهية لابن رشد مثلًا تغني عن التفكير في تذكيره بتلك القواعد.
يعني ذلك أيضًا، من ناحية أخرى، ضرورة تقييد التأويل بشروط تجعل المؤول مفسرًا. إلا أن هذه المشروعية النابعة من ضرورة تجنب الخطأ والتطابق مع مقاصد النص المؤوَّل؛ ومن ثمَّ عدم الخروج عن الصورة التي يمتلكها في ذهنية متلقِّيه السابقين، كما هو حال النص القرآني، تظل بدورها نسبية، وذلك لأن النص بتشاكله ومتشابهه ومجمله … يمنح للتأويل مشروعيته؛ لذا فإن حدود المعقولية والصلاحية والصواب (أو المقبولية بعبارة الذهبي) تظلُّ مطاطة، خاصة وأن النص القرآني لا يتصل فقط بالعبارات بل بتحديد هوية وذاتية كيان غير محسوس هو الذات الإلهية، ويطرح قضايا ملغزة من قبيل الروح والبعث وما إلى ذلك.
كل هذا يدعونا إلى تجاوز الفروق ذات الطابع الأيديولوجي بين التفسير والتأويل، وجعل التفسير مقدمة ضرورية للتأويل لا تأتي بعده زمنًا — كما يقترح ذلك الذهبي — وإنما تكون ملازمةً له متداخلة معه.٢٤ بهذا يكون كل تأويل تفسيرًا، ولا يكون كل تفسير تأويلًا. إن خاصية من قبيل هذه لا تمنح للتأويل حظوة أو أفضلية على التفسير، وإنما تجعل من التفسير خطوة من الخطوات الضرورية لحصول عملية الفهم النصي، وتجعل من التأويل مآل العمل التفسيري.
لكن هذا لا يعني أبدًا أن التفسير ينسحب على عموم النص فيما يظلُّ التأويل، كما ادعى ذلك المتحدثون فيه، مقتصرًا على بعض جوانبه. إن تلك الجوانب، كالصفات مثلًا، يمتح منها التأويل انبثاق وجوده ومشروعيته، لكي يمتد بعمله ونشاطه إلى كافة معطيات النص؛ ذلك أن مجال التأويل يتسع لكل أقسام النص ولا يقف فقط عند ما هو غامض أو على درجة عالية من الكثافة الدلالية.٢٥
كما أن ذلك يتضح بعمق في التأويل الصوفي الذي لا يترك آية إلا وعمد إلى تأويلها بما يتناسب والنظرية الصوفية للكون.٢٦ ولا أدل على ذلك من أن ابن عربي لا يفرق في تأويله بين المحكم والمتشابه ولا بين النص القرآني والأحاديث. وهو ما يؤكد عمومية التأويل في احتوائه للعمل التفسيري، التي تمكنه من خلق علاقة مع النص من داخل الشروط الفكرية والمعرفية للفضاء الثقافي المحيط بالنص. ومن هنا تكون التأويلات الباطنة والأكثر غرابة وهذيانًا قابلة لإعادة النظر من غير تحيُّز مذهبي، وانطلاقًا من معيار جديد هو معيار نوعية التلاؤم بين استراتيجية التأويل واستراتيجية النص.٢٧
يدعونا المسار التحليلي الذي انتهجناه لحد الآن، إذن، إلى إعادة النظر في الآراء التي حولت الفرق بين التفسير والتأويل من اختلاف عموم وخصوص، أو بدء ومنتهًى ومحكم ومتشابه (أو، بلغة معاصرة، من اختلاف فهم وتأويل) إلى اختلاف مطلق، خضع التأويل بمقتضاه إلى إنكار وإفحام مستمرَّين خاصة في ارتباطه الحميم بالممارسة الكلامية والصوفية والفلسفية، التي وصفت أحيانًا بالابتداع والخروج عن حدود الفكر الإسلامي. والحال أن هذه المجالات، وهي تمنح للتأويل فضاءً خصبًا ومنهجية فكرية، أبانت عن فاعليته وخصوصيته ومصداقيته، وقدراته على تجاوز حدود الرؤية الفقهية التي نما في حضنها ليكون بذلك منهجًا للفكر عمومًا.





