التأويل الإسلامي: حدوده ومنفتحاته-فريد الزاهي
الوضعية التأويلية الكلامية
إن الحديث عن التأويل، كما رأينا، يقود بالضرورة إلى الحديث عن مقتضيات نابعة من صلب النص الإسلامي من جهة، ومن جوب الاجتهاد وضرورة الاختلاف. ومع أن العقل الإسلامي الأرثوذوكسي واللاهوتي٢٨ المنطلق من حدود الإجماع وأهل السنة، قد رفض الاختلاف جملة أو بشكل جزئي، وخلق ثنائيات بين السني والشيعي والسني والباطني والمقبول والمرفوض من التأويل، فإن هذه الوضعية الاختلافية تستلزم قراءات جديدة ذات منطلقات مغايرة يتفاعل فيها العقل النظري والعملي، ويتم فيها النظر للاختلافات تلك من منظور تاريخي ومعرفي. بَيْد أن ما يمكن القيام به الآن، هو القول بأن الوضعية الهرمينوسية٢٩ الجديدة التي رسختها الممارسة الكلامية والفلسفية، قد قامت على التملك المعرفي الجديد للنص الإسلامي، مغيرة بذلك معالم الإبستيمي العربي الإسلامي عبر مفهوم التأويل واشتغالاته.
لقد تجاوز التأويل لغةً واصطلاحًا مجاله التحديدي الجزئي، ليغدو المحرك الدينامي للفكر الإسلامي برمته، وأداته المنهجية الأساس لخلق التحول في مجال ذاك الفكر، ووسيلته الإجرائية والمعرفية في صياغة تصورات جديدة سوف تفتح الفكر الإسلامي نحو آفاق جديدة عقلًا ونظرًا، سواء في مجال الأخلاق أو الأنطولوجيا أو الفلسفة أو الفكر الفقهي.
هكذا سوف يعمل التأويل، في ضرورته الاستراتيجية تلك، ومع المعتزلة بالأخص (ثم مع المتصوفة والفلاسفة)، على الاستناد على المعرفة المنطقية والبرهانية، بهدف التدليل العقلي على صلاحية الخطوات التأويلية والنتائج المترتبة عنها. وهذا ما جعل المعتزلة بعقلانيتهم الأولية يصوغون عقلانية تأويلية بالغة التقنية،٣٠ ويتعاملون مع النص الإسلامي بشكل بنائي حثيث شبه مغلق.
لقد اكتسبت الضرورة والممارسة التأويلية مع المعتزلة قيمة جوهرية؛ لذا سوف يتم التعامل مع النص القرآني بالأساس حسب مقاصد تأويلية للاستراتيجية الفقهية السابقة، وفي خضمِّ عملية البحث عن مشروعية للتأويل اعتبروا أن القرآن لا يحوي ما يقبل التأويل وهي الآيات المتشابهة الخاصة مثلًا بالصفات الإلهية، وأخرى لا تقبل التأويل كآيات الأحكام والأفعال والمعاملات. وما دام المعتزلة قد سعوا، منذ البدء، إلى مجاوزة العقل اللاهوتي والأرثوذوكسي في صورته الفقهية والتفسيرية السائدة آنذاك، فقد صبُّوا تأويلهم على كل ما يمسُّ الوجود والفعل الإلهيَّين؛ لتأكيد محدودية الرؤية التفسيرية التي تسقط بالرغم عنها في التشبيه. هكذا وجد المعتزلة أنفسهم، وهم يسعَوْن إلى إثبات عقلي لانسجام التصور الإسلامي، يقيمون تصورًا نسقيًّا متناغمًا لقضاياه، ويؤسسون بالمقابل مبادئ أولية لنظرية التأويل الإسلامي؛ فقد: «حرص المعتزلة، قبل الأشاعرة وأكثر منهم، على تقنين التأويل وضبطه؛ إذ اشترطوا فيه المواضعة، فالمجاز عندهم لا يكون من وضع الفرد بل من وضع الجماعة؛ وبالتالي فالتأويل عندهم أكثر من نقل اللفظ من معناه اللغوي الأصلي إلى المعنى الذي اعتادت العرب أن تصرفه إليه في تجوُّزها في الكلام.»٣١
فإذا كان الفراء أو أبو الحسن البصري، ومعهما مفسرون آخرون، لم يقوموا ببناء تأويلاتهم على أنموذج واضح، ولم يربطوه بقانون أو قواعد عامة ذات طابع منهجي وإجرائي، فإن المعتزلة قد بنوا تأويلهم على قواعد عقلية تملك حظًّا وافرًا من الوضوح، وحاولوا، انطلاقًا من أدلة عقلية ومنطقية متواشجة، تأويل الآيات القرآنية تأويلًا يتوافق مع أصولهم العقلية في العدل والتوحيد والتنزيه … ليصلوا بذلك إلى وضع خطوات عامة للتأويل قادرة على التحكم في موضوعاتها، والخلوص إلى نتائج ملائمة للمقدمات؛ لذا جعل المعتزلة من ثنائية المحكم والمتشابه مدخلًا لإرساء الضرورة التأويلية من داخل النص، وصياغة قواعدها بحيث يصعب تفنيد صحة نتائجها. ولعل هذه الأحكام وهذه النسقية هو ما دفع الأشاعرة إلى النهل من المصادر المنطقية والفكرية نفسها، واعتماد المقولات نفسها (كالعرض والجوهر والحدود المنطقية) والطريقة السجالية والحجاجية نفسها التي استعملها الكلام الاعتزالي.
لقد كان الهدف من إرساء تلك الضوابط خَلْق تصور جديد للممارسة النظرية الدينية، عبر تحويل عمق مجالها المعرفي، من خلال تصور جديد وتعامل مغاير مع النص القرآني. بهذا المعنى، غدا المحكم ما يتوافق مع وجهة النظر الاعتزالية، وما عدا ذلك فهو متشابه؛ من ثمَّ، وانطلاقًا من عملية الاستقطاب هذه، يبرز المنظور الاعتزالي استراتيجيته التأويلية عبر تأويل مزدوج: لمفهوم المحكم من ناحية، بحيث يصبح المحكم ذاته خاضعًا لذاك التأويل، وتأويل المتشابه برده إلى محكم مؤوَّل بدوره. إن هذه العملية تمكِّن من امتلاك النص في صورته العامة، ومن اعتبار ما مارسه المعتزلة تأويلًا كليًّا للنص. فمنظور القارئ يغدو هنا محددًا للنص، والضرورة التأويلية في الآن نفسه.
وانطلاقًا من أولوية المنظور المعرفي على النص وأولوية الفكر على اللغة، يبني القاضي عبد الجبار مفهومًا جديدًا لأهلية المفسر المعتزلي للتعامل مع النص القرآني؛ إذ يغدو الموقف العقلي محددًا للموقف الديني: «اعلم أنه لا يكفي في المفسر أن يكون عالمًا باللغة العربية، ما لم يعلم معها النحو والرواية، والفقه الذي هو العلم بأحكام الشرع وأسبابها، ولن يكون المرء عالمًا بأحكام الشرع وأسبابها إلا وهو عالم بأصول الفقه، التي هي أدلة الفقه والكتاب والسنة والإجماع والقياس والأخبار وما يتصل بذلك. ولن يكون عالمًا بهذه الأحوال إلا وهو عالم بتوحيد الله تعالى وعدله، وما يجب له من الصفات وما يصح وما يستحيل وما يحسن منه فعله ولا يحسن منه فعله بل يقبح. فمن اجتمعت فيه هذه الأوصاف وكان عالمًا بتوحيد الله وأدلة الفقه وأحكام الشرع، وكان بحيث يمكنه حل المتشابه على المحكم والفصل بينهما، جاز له أن يشتغل بتفسير كتاب الله، ومن عدم شيئًا من هذه العلوم فلن يحل له التعرض لكتاب الله عز وجل؛ اعتمادًا على اللغة المجردة أو النحو المجرد أو الرواية فقط.»٣٢
يبدو أن الصيغة التي يطرح بها القاضي عبد الجبار شروط التعامل مع النص القرآني، في تسلسلها المنطقي، كما في طابعها الكلي الذي لا ينفصم، تفصح عن مبنى الرؤية التأويلية التي يقترحها وكليتها وشرعيتها. إن جدة المنظور المعتزلي تكمن هنا في بناء مشروعية التأويل من صلب النص، والخروج به إلى آفاق رحبة تؤكد موقع المؤول في العملية التواصلية بينه وبين النص.
بَيد أن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل بلور التفسير والتأويل الإسلاميان قواعد دلالية (تتجاوز الشروط الخارجية) ولغوية (تنبع من النص) يمكن الحديث عنها في غيبة المقصد الأيديولوجي؟
لقد وجد المفسرون أنفسهم، وهم في خضم تفسير النص، يبنون تصورًا لهذا النص نفسه. ولعل هذا هو ما يفسر الجوانب اللغوية والبلاغية التي تبلورت في البحث في إعجاز القرآن، والتي كان مرماها الأساس يدلل على تعالي الأسلوب القرآنى بطرق بلاغية نظمية لغوية. فبغض النظر عن التصورات التي اعتبرت إعجاز القرآن نابعًا من قصصه وأخباره وطابعه النبوئي، وإلى جانب الاعتراف بهذا الجانب الدلالي غير النصي، ركزت كتابات الرماني والباقلاني وغيرهما على إعجاز القرآن في خاصيته النظمية. يقول القاضي أبو بكر الباقلاني بهذا الخصوص: «إنه بديع النظم عجيب التأليف متناهٍ في البلاغة إلى الحد الذي عجز الخلق عنه.»٣٣
يؤكِّد هذا الطابع النظْمي أهمية اللغوي النصي في عمل المفسر والمؤول. وما التأكيد على هذا الجانب إلا برهنة على أن النص يفرض على المفسر شرطًا أوليًّا يكمن في الاهتمام بجانب الصياغة اللغوية فيه، لموقعها الرئيس والأول في الكشف عن مدلولاته ومقاصده.
تفترض مقولة الإعجاز إذن برنامج تفسير وتأويل له تعليماته الواضحة. تكمن أولى تلك التعليمات في الطابع المجازي والرمزي للكثير من الآيات القرآنية. وهذا ما حذا بالمعتزلة إلى الانتباه إلى العلاقة الضرورية بين المجاز والتأويل اللغوي، كما نظر لذلك الفراء وأبو عبيدة والجاحظ؛ ومن ثمَّ إلى ربط إشكالية التعبير هذه بقضية المحكم والمتشابه. هكذا عمد المعتزلة إلى الجمع بين طرفَي هذه القضية، بحيث يتطابَق لديهم «مفهوم المحكم مع مفهوم اللغة الحقيقية والمتشابه مع اللغة المجازية. ويصبح التأويل في المتشابهات هو الأداة الرئيسية لعملية التأويل هذه.»٣٤
لقد تبلورَت مع امتداد التجربة التأويلية هذه مجموعة من المقاييس، لخَّصها محمد مفتاح فيما يلي:
– الطبيعة البشرية: وتكمن في أن الشريعة تستجيب للمحافظة على مقومات الوجود البشري. فما يناقضها يبحث له عن تخريج.
– المساق: وهو المقابل لما يُعرَف في التداوليات المعاصرة باﻟ: cotexte أي ما يسبق وما يتبع المتعرض للتأويل. وهنا تتبدَّى الوحدة العضوية للنص وكليته المتناغمة.
– السياق: ويعني به السياق الأصلي للنص الذي أطَّره.
– رفض التناقض: وهو يعني مراعاة المقاصد والاعتبارات اللغوية والتاريخية، وما يتضمَّنه النص من ناسخ ومفسر ومحكم ومتشابه … إلخ.٣٥
إن هذه الضوابط، التي تمنع من ممارسة كل تأويل مغلوط أو شائه، تركز على المعطى المعرفي والمعطى التاريخي والمعطى التركيبي والمعطى المقصدي. وهي مظاهر تؤكد مرة أخرى أن النص الإسلامي قد شكل الأنموذج الذي انبنى عليه النقد العربي القديم للنصوص غير الدينية من شعر ونثر، بل إن هذه الخواص ربما كانت تقف وراء استمرار الطابع التاريخي في النقد الحديث والمعاصر، وولعه بسياق النص الأصلي ومقاصد المؤلف وميله إلى التركيز على الجوانب اللغوية. بَيْد أن هذه المحددات العامة لا تنفي مع ذلك أن الفكر العربي الإسلامي، إذ كان قد بلور تصورًا معينًا لنقد النصوص غير المقدسة، فإن تفسير النصوص المقدسة وتأويلها قد ركز على الضوابط والحدود الخارجية، تاركًا للمعرفة اللغوية المحض مجال تحليل الخواص النصية، مطابقًا في ذلك بين النص الكبير والجملة، وبين الشفهي والمكتوب.
التأويل الفلسفي وتقنين التأويل
لقد انطلق المفكرون المسلمون، متكلمين وفلاسفة، من اعتبار النص الإسلامي نصًّا يدعونا إلى التأويل ويتطلَّبه ويحثُّ عليه.٣٦ من ثمَّ فما دام العقل النظري والعلم النظري (خلافًا للعلم الضروري) يتطلَّبان القياس والاجتهاد (والبرهانية)، فإن آيات من قبيل فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ يعتبرها الفيلسوف (وهو هنا ابن رشد) نصًّا على وجوب استعمال القياس العقلي أو العقلي والشرعي معًا؛٣٧ لذا فإن الممارسة الفلسفية، في تناولها للنص التشريعي الديني، تتمثَّل هذا اللقاء تمثلًا خاصًّا، بحيث تبني إمكانية، بل مشروعية الموافقة بين الحكمة والنص، وبين الشرع والعقل على فعل التأويل ذاته. إن التأويل يغدو، من هذا المنظار، أداة المعرفة البرهانية في مجالات تختلف (على الأقل في الظاهر) عن بنية التفكير الفلسفي، ووسيلتها إلى معرفة نسقية يتساكن فيها الظاهر والباطن. فإذا كان ظاهر الشرع معطًى بذاته، فإنه موجه إلى متلقٍّ يكون مطالبًا بالأخذ به على علاته، أما الباطن فيتطلَّب التدخل التأويلي، بوصفه تدخلًا عقليًّا، كي ينجلي معناه.
يقدم ابن رشد نظرية كاملة في تأويل النص الشرعي، تنهض في مشروعيتها على ثنائية الظاهر والباطن،٣٨ أي على اعتبار خاص للبناء الرمزي للنص القرآني. ويكمن هذا الطابع الرمزي في أنه «كل تعبير ذي معنًى مزدوج أو متعدد يربط فيه النسيج الدلالي بعمل التأويل الذي يوضح منه المعنى الثاني أو المعاني المتعددة».٣٩
في قلب ثنائية الظاهر والباطن، التي تبدو ثنائية ذات مسحة إدراكية فينومينولوجية، تنبثق البنية الرمزية، لتكون رهينة في وجودها بتعينها من قبل المؤول الذي يُفترض فيه أنه يمتلك الذكاء الهرمينوسي اللازم لانبثاق المعنى المطلوب. إن وجود باطن للنص يدعو منطقيًّا، وبشكل لا رجعة فيه، إلى التأويل، أو إذا شئنا الدقة، إن هذا الاقتضاء يعني أن التأويل ينبع من طبيعة النص كما يتصورها المؤول.٤٠
يشكل كتاب فصل المقال الجانب النظري في المشروع التأويلي الرشدي، بينما يمكن اعتبار كتاب مناهج الأدلة البرهنة التوضيحية للنظرية، بحيث يتطرق فيه المعلم الثاني إلى القضايا التأويلية الملموسة. بَيْد أن حديثنا عن ثنائية الظاهر والباطن لا يحصر التأويل في الباطن، أي في عملية الكشف والإعلان عما بطن وخفي من المعاني، ذلك أن ابن رشد يرى أن من الظاهر ما يتطلب التأويل وما لا يستلزمه، مستجيبًا في ذلك لما أرساه المعتزلة، ولو بشكل غير واضح، حين اعتبروا المحكم ما يوافق منظورهم المذهبي: «وإذا تقرر هذا فقد ظهر لك أن ها هنا ظاهرًا من الشرع لا يجوز تأويله، فإن كان تأويله في المبادئ فهو كفر، وإن كان فيما بعد المبادئ فهو بدعة. وها هنا أيضًا يجب على أهل البرهان تأويله، وحملهم إياه على ظاهره كفر، وتأويل غير أهل البرهان له وإخراجه عن ظاهره كفر في حقهم أو بدعة. ومن هذا الصنف آية الاستواء وحديث النزول.»٤١
يقوم تصور ابن رشد على نوعٍ من التقاطب بين المعرفة والعارف، وعلى التراتبية بين المعرفة والعارف. هذا الطابع التداولي الذي تكتسبه المعرفة التأويلية هو الذي يجعل التأويل مختصًّا بما يتطلبه ذلك، وموجهًا إلى قارئ أنموذج يتطلَّبه النص الموجب للتأويل والقابل له؛ فالنص الواحد (وهو هنا أنموذجي بدوره، إذ يتعلق الأمر بالشرع) يقتضي وجهَين من أوجه الوجود: حمله على ظاهره من غير وساطة تأويلية من قِبل من هم ليسوا من غير أهل العلم (أي ممن ليسوا ببرهانيين) وتأويله من قبل أهل العلم. انطلاقًا من هذا الازدواج الذي يمنح للنص صورتَين مختلفتَين، بنى الفيلسوف الإسلامي تصنيفًا ثلاثيًّا تراتبيًّا للتعامل مع النص الشرعي:
- (١) صنف لا يجوز تأويله للعامة، وواجب تأويله على أهل البرهان. وهذا الصنف يكون القارئ المؤول الفيلسوف هو المختص به حصرًا.
- (٢) صنف لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم، وهم هنا أصحاب المعرفة البرهانية. وقد يختلف هؤلاء، بالرغم من إجماعهم، في تأويله وذلك بحسب مرتبة كل واحد منهم في سلم المعرفة البرهانية.
- (٣) صنف ثالث بين الصنفَين السابقَين، يقع فيه شك فيأخذه أهل الظاهر على ظاهره ويقوم العلماء بتأويله، وهو صنف عويص والخطأ فيه غير قابل للعذر.
تبعًا لذلك، تتحدَّد العملية التأويلية بما يمكن تسميته بالذكاء البرهاني والضرورة التأويلية الفلسفية، ذلك أن الحفاظ على مشروعية التأمل الفلسفي يقتضي إقصاء كل ما هو غير برهاني من مجال التأويل. وبهذا يفترض هذا الأخير تقسيمًا للنص إلى نص للتأويل ونص غير قابل للتأويل؛ غير أن النصَّين لا يشكلان سوى صورتَين تكونان كذلك حسب طبيعة المتلقي (خاصة أو عامة)؛ فثمة متلقٍّ سلبي بذاته ولا يمكن أن يمارس أي نشاط تأويلي لأنه لا يملك وجودًا في ذاته، ولأنه رهين في تحقُّق صورته (هذه أو تلك) بطبيعة متلقيه؛ من ثَم فهذا الاختلاف التاريخي الذي يحدد المتلقي ويصوغ وجوده هو نفسه الذي يحدِّد النص التشريعي ويصوغ فاعليته، في اتجاه العرفان وفي اتجاه ما يمكن أن نسميه بالإيمان. وبما أنه لا توجد نظرية للتأويل لا تقوم على تصوُّر دلالي معين ولو كان جزئيًّا وأوليًّا، فإن ابن رشد يصنف المعاني إلى قسمَين:
- (١) أولهما غير منقسم، يكون فيه المعنى الذي تم التصريح به هو عين المعنى الموجود. وهنا يتطابق الظاهر مع الباطن ويبطل التأويل؛ لأن المعرفة مشتركة بين العوالم والخاصة.
- (٢) صنف منقسم، بحيث يكون المعنى المصرَّح به غير المعنى الموجود، وإنما أحد بُدُله على جهة التمثيل.
وينقسم هذا المعنى بدوره إلى أربعة أقسام تهتم كلها ببعد المثال (أي البدل) أو قربه من المعرفة،٤٢ وبإمكان تأويله ومقدار صعوبة ذلك. إن نظرية المعنى هذه، في تأكيدها على وجود المعنى الحقيقي والمعنى التمثيلي، يمكن ترجمة مكوناتها إلى لغة معاصرة، أي إلى العلامة التي لا تقبل التأويل والرمز الذي يتطلبه؛ ففي حين يتآلف الدال والمدلول في العلامة لإنتاج الدلالة الوحيدة الوجهة والمعنى، يكون الرمز مفترضًا للتأويل لقيامه على اللبس الدلالي واللغزية، مما يستوجب، فعلًا، ذكاءً تأويليًّا لاستيضاح معناه الخفي.
وما دامت هذه المحددات الدلالية لا تنفصل مع ذلك عن المحددات الخارجية للتأويل، فإن ذلك يمكِّن ابن رشد من الموافقة بين تصوره لطبيعة المتلقي (والمؤول بالأخص) وتصوره لطبيعة النص. وبهذا يكون قد حدد دلاليًّا ثنائية المعنى الظاهر والمعنى الباطن التي انطلقت منها كل التصورات التأويلية السابقة عليه. بيد أن تراتبية التلقي تجعل من المنظور الرشدي أكثر اكتمالًا، وأعمق تمثلًا للعلاقة التي تربط التأويل بالتاريخ.
أسئلة التأويل الإسلامي وقضاياه
لم تكن هذه الإطلالة على قضايا التأويل الإسلامي في عمومها مجرَّدةً من هاجس البحث عن تصور يسوِّغ إضفاء طابع المشروعية النظرية على منظورنا النقدي؛ لذا فإننا لم نوسع البحث في الجوانب النحوية والأدبية والبلاغية، التي لا تسعها حدود تحليلنا هذا؛ فالتصورات التفسيرية والتأويلية الإسلامية تظلُّ ذات أهمية خاصة في بلورة أي تصور تأويلي عربي معاصر للنصوص الأدبية والفكرية والثقافية عمومًا. وهي قد بلورت، سواء في ضبطها لشروط الوضعية التأويلية، أو في رسم محددات وضوابط وقوانين التأويل، ومعها حدوده وآفاقه:
- (١) أنموذجًا عامًّا لا يتعارض فيه التفسير والتأويل بقدر ما يتكاملان، انطلاقًا من أولوية الفهم والإدراك. فهذا الأخير، وإن لم يكن ذا طبيعةٍ نظريةٍ واضحة، فإنه يشكل عتبة الممارسة التأويلية. هذه الخصوصية التي تكتسبها التأويلية الإسلامية، بالمقارنة مع الهرمينوسيا الغربية وخطواتها الثلاث (الفهم والتفسير والتأويل) تنبع من الخصيصة التداولية للتأويل؛ فالممارسة التأويلية في التقليد الإسلامي لا تستهدف تملك النص واستيضاح غموضه فقط، بل إنها تشرط ذاك التملك بتلقيه وتوظيفه من قبل القارئ العام. إن هذا الطابع التداولي يغدو محددًا لطبيعة الفعل التأويلي، كما نجد ذلك لدى ابن رشد، بحيث تتحكم وضعية الجمهور المتلقِّي (طبقيًّا ومعرفيًّا) في حدود التأويل، بل وفي آفاقه، من التأويل الخطابي والجدلي إلى التأويل البرهاني.
- (٢) وهي قد بلورت مفهومًا للنص ينبني على مقولة الإعجاز وله بلاغته الخاصة. إن النص الإسلامي، إذا نحن رغبنا في تعميم مكوناته التي بلورتها مختلف التصورات التأويلية، نص يتطلَّب التفسير (أي الفهم) والتأويل ويمتلك استراتيجية يقترحها على المؤول. إنه يدعو إلى خلق مجموعات تأويلية٤٣ تنبني على نوع من التفاعل التأويلي بين مقاصد النص ومقاصد المتلقي. وهو أيضًا نص غير متجانس في طبيعة مكوناته، وله أيضًا مستوياته، أي ما يتطلب التأويل وما لا يقبله، ثم ما يؤول تأويلًا خاصًّا وما يفترض التأويل مطلقًا. وهكذا تقود الثنائية المبررة للتأويل (الظاهر والباطن) إلى ثنائية الحقيقة والمجاز، وهو ما يؤكد مرة أخرى، مقارنة مع كل النظريات المعاصرة للتأويل، أن استمرارهما النوعي فيهما يجعل محددات التأويل هي هي، لا يتغير فيها سوى المنظور والتدقيقات المنهجية.
بيد أن ما يستحق التوكيد هنا هو الصبغة التداولية (أو التاريخية) والثقافية التي أضفيت على النص الإسلامي. إنه نص له مكوناته اللغوية والنصية والعقائدية والثقافية والتاريخية؛ لذا فإن كل تناول له يغفل هذه الثوابت، يجرده من صورته تلك، ويحوله إلى نص أيديولوجي (كما هو الأمر في التأويل الأصولي المعاصر والتأويل العلمي للقرآن).
أما قواعد التأويل التي أفرزتها تلك التصورات، فيمكن اختزالها فيما يلي:
- (أ) التأويل فعل معرفي يتوخَّى خلق تناغم بين الخلفيات الفكرية والسياسية والأيديولوجية ومعطيات النص. فعدا بعض التفاسير ذات الصيغة اللغوية والشرعية المحضة، يمكن تعميم هذه القاعدة على كل توجهات التأويل الإسلامي، بلاغية كانت أو ذات بعد صوفي وفلسفي وكلامي. وكثيرًا ما نجد لدى المعتزلة تجاورًا بين المعرفي (تأويل الصفات) والأيديولوجي (الأمر بالمعروف …) أي بين التأويل والاستعمال، وبين التعاون أو التفاعل التأويلي والعسف التأويلي.٤٤
- (ب) التأويل ممارسة جزئية؛ لأن النص ينقسم إلى ما يقبل التأويل وما لا يقبله، بالرغم من أن التأويل الصوفي مارس تأويلًا كليًّا على النص.
- (جـ) التأويل محدود بالعلم (بالدين)؛ ولذا يمتلك العلماء، أي المختصون بالتأويل، حرية معينة مقصودة في التأويل. إنهم هم المكلفون بخلق الصورة المتحققة للنص لدى المتلقِّين.
- (د) التأويل فعل شامل، من حيث إنه يوظف المعطيات اللغوية والخبرية والاعتيادية والموسوعية للكشف عن المعنى للنص.
- (هـ) إنه يعود في جزءٍ كبير منه إلى المؤول الذي يتعرَّف على التعاليم التأويلية الموجودة في النصي.
- (و) إنه تأويل سياقي نصًّا وثقافة، تترابط فيه أجزاء النص المحايثة والخارجية.٤٥ وهذه القواعد والضوابط العامَّة تدعونا إلى طرح التساؤل التالي، على غرار تساؤلات هانز روبرت ياوس بصدد الهرمينوسيا الكلاسيكية والنظرية الجمالية: ما هو المشترك بين قضايا وقواعد التأويل الإسلامي والتأويل كما صاغته السيميائيات التأويلية والهرمينوسيا الحديثة عمومًا؟
لنصرِّح بدءًا أن القضايا أو الأسئلة التي طرحتها الهرمينوسيا القديمة ظلَّت هي هي (تقريبًا) في الوضع التأويلي الراهن،٤٦ وأن مسألة الفهم تظلُّ محدودةً في الانتقال من الإدراك التأويلي إلى الفهم الجمالي.٤٧ إن هذا يعني من وجهة نظرنا أن ما تغير هو زوايا النظر إلى الموضوع من جهة، والتطورات النابعة من المعرفة اللسانية البنائية والتداولية للخطاب والخطاب الأدبي منه بالأخص؛ لذا فإن أسئلة التأويل الإسلامي يلزم أن تقرأ من منطقة تقاطع بين أفق الوضع الهرمينوسي الراهن والوضع القديم. والحقيقة أن أهم ما يطرحه علينا التأويل العربي القديم هو إمكانية الانتقال من النص العام إلى النص الأدبي والجمالي، متجاوزَين الهامشية، بل التحقير الذي لازم مفهومَي الخيال والتخيُّل في حقل الثقافة الإسلامية القديمة.
من ناحيةٍ ثانيةٍ يمكننا إعادة توظيف حدود التأويل وشروطه، كما تم تداولها لدى المفكرين المسلمين ومحاولة تعيين الشروط الأدبية للتأويلات الصائبة. أما من الناحية النصية فإن الاهتمام بالبلاغي وإعطاء الأهمية للمقصدية النصية والتعامل المتعدد المعارف مع النص وأهمية الذوق وموقع القارئ في تحقيق النص والبحث في (وعن) حقيقة المعنى النصي، فكلها عناصر قمينة بإيجاد موقع لها في التحليل التأويلي المعاصر للنص، سواء كان أدبيًّا أو غير أدبي.
ولا يخفى أن الاشتغال في هذه الوجهة ما زال يتطلَّب اللازم من التعميق المنهجي والمعرفي، وذلك لتحديد ممكنات إضاءة الدراسة التأويلية المعاصرة وتطعيمها بممكنات نابعة من تاريخها الثقافي، وبأدوات متأقلمة جذريًّا مع اللغة العربية، وكذا خلق تلاؤم جديد بين الرؤية التأويلية وطبيعة النص الثقافية.
١ نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، المركز الثقافي العربي، بيروت، ١٩٩٠م، ص٢٢٢. وانظر السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، المكتبة الثقافية، بيروت، ١٩٧٣م، ج٢، ص١٧٣ وما يليها.
٢ المرجع السابق، ص١٧٣.
٣ عن مفهوم الفهم انظر: G. Gusdorff, Les Origines de l’herméneutique, Payot, Paris, 1988, p. 228 et supra.
٤ في التطبيق وعلاقة الهرمينوسيا بالفهم انظر: H. R. Jauss, Pour une herméneutique littéraire, Gallimard, Paris, 1982, p. 15.
٥ نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، مرجع مذكور، ص٢٣٠.
٦ عبده الراجحي، التطبيق الصرفي، دار النهضة العربية، بيروت، ١٩٧٤م، ص٤٨-٤٩.
٧ انظر بهذا الصدد: W. Iser, L’Acte de lecture, op. cit..
٨ السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، مرجع مذكور، ص١٧٣.
٩ أبو هلال العسكري، الفروق في اللغة، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط٥، ١٩٨٣م، ص٤٨-٤٩.
١٠ الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج٢، ص١٤٨، عن أبو زيد، مفهوم النص، مرجع مذكور، ص٢٣٣.
١١ المرجع نفسه، الصفحة نفسها.
١٢ H. Gadamer, Vérité et méthode, op. cit., p. 140.
١٣ مقدمة التفسير للراغب الأصفهاني، عن الذهبي، التفسير والمفسرون، دار الكتب الحديثة، القاهرة، بدون تاريخ، ج١، ص١٩-٢٠.
١٤ نصر حامد أبو زيد، مفهوم النص، م. م، ص٨٧.
١٥ ابن قتيبة، تأويل مشكل الحديث، مكتبة المتنبي، القاهرة، ب. ت.
١٦ القرآن الكريم، سورة آل عمران، الآية ٧.
١٧ عن: أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، دار التنوير، بيروت، ١٩٨٢م، ص١٤٤؛ وانظر أيضًا بخصوص المتشابه: السيوطي، مرجع مذكور، ص٢.
١٨ كالروح مثلًا، انظر: ابن قيم الجوزية، الروح، مرجع مذكور.
١٩ مشيل فوكو، نظام الخطاب، ترجمة بنعبد العالي والسطاتي، دار النشر المغربية، البيضاء، ١٩٨٥م، ص٧٨.
٢٠ U. Eco, Lector in fabula, op. cit., pp. 73-74.
٢١ الذهبي، التفسير والمفسرون، م. م، ج١، ٢٦٥–٢٦٨؛ وانظر بخصوص شروط التأويل: محسن عبد الحميد، دراسات في أصول تفسير القرآن، دار الثقافة، ط٢، ١٩٨٤م، ص٧٧.
٢٢ U. Eco, Lector in fabula, op. cit., pp. 73-74.
٢٣ أبو الحسن الأشعري، مقالات الإسلاميين، م. م، ج٢، ص١٥٧؛ وكذا: أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، م. م، ص١٩٠ وما يليها.
٢٤ H. G. Gadamer, Vérité et méthode, op. cit., pp. 148-149.
٢٥ ن. ح. أبو زيد، مفهوم النص، م. م، ص٢٣٧.
٢٦ انظر بهذا الصدد: ابن عربي، الفتوحات المكية، مرجع مذكور؛ والغزالي، مشكاة الأنوار، ت. أبو العلاء عفيفي، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، ١٩٦٤م.
٢٧ U. Eco, Les limites de l’interprétation, op. cit., p. 18.
٢٨ انظر دراسة هذه الثنائية في بعدها التأويلي لدى محمد أركون: Pour une critique de la raison islamique, Maisonneuv et Larose, Paris, 1984, p. 129.
٢٩ عن هذا المفهوم انظر: H. G. Gadamer, Vérité et méthode, op. cit., p. 328.
٣٠ محمد أركون، المرجع المذكور، ص١١.
٣١ عابد الجابري، نقد العقل العربي، المركز الثقافي العربي، بيروت-البيضاء، ط١، ١٩٨٦م، ص٢٨١.
٣٢ القاضي عبد الجبار، عن المرجع نفسه، ص١٦٥.
٣٣ الباقلاني إعجاز القرآن، على هامش: السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، مرجع مذكور، ج١، ص٥١؛ وانظر أيضًا: الإتقان، ج٢، ص٧٦.
٣٤ نصر حامد أبو زيد، الاتجاه العقلي في التفسير، م. م، ص١٨٣.
٣٥ محمد مفتاح، مجهول البيان، توبقال، البيضاء، ١٩٩٠م، ص٩٨-٩٩.
٣٦ وهو ما يلحُّ عليه ابن رشد في: فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال، ضمن فلسفة ابن رشد، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط٢، ١٩٧٩م، ص١٤؛ وكذا عابد الجابري، نقد العقل العربي ٢، مرجع مذكور، ص٢٨١. ومن بين ما يُنسب لعلي بن أبي طالب قوله: «ما من آية قرآنية إلا ولها أربعة معانٍ: ظاهر وباطن، وحد ومطلع»، المرجع السابق، ص٢٨٣.
٣٧ ابن رشد، المرجع المذكور، ص١٤.
٣٨ المرجع نفسه، الصفحة نفسها. وانظر أيضًا: حسن عاصي، التفسير القرآني واللغة الصوفية في فلسفة ابن سينا، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ١٩٨٣م، ص١٥.
٣٩ P. Ricœur, De L’interprétation, essai sur Freud, op. cit., p. 27.
٤٠ ابن رشد، فصل المقال … مرجع مذكور، ص٢٧.
٤١ المرجع نفسه، ص٢٨.
٤٢ ابن رشد، الكشف عن مناهج الأدلة، ضمن فلسفة ابن رشد، م. م، ص١٣٩.
٤٣ T. K. Seung, Structuralism and Hermeneutics, op. cit., p. 192.
٤٤ بصدد الموازنة بين الاستعمال والتأويل لدى المعتزلة، انظر: نصر حامد أبو زيد، إشكاليات القراءة وآليات التأويل، المركز الثقافي العربي، ١٩٩٢م، ص٦٥.
٤٥ توضح ذلك جليًّا: سيزا قاسم، «توالد النصوص وإشباع الدلالة، تطبيقًا على تفسير القرآن» مجلة ألف، خاص ﺑ: الهرمينوطيقا والتأويل، ط٢، البيضاء، ١٩٩٣م، ص٧٤.
٤٦ E. D. Hirsh, The Aims of Interpretation, Univ. Chicago 1976, p. 20. Press, U.S.A.
٤٧ H. R. Jauss, Pour une herméneutique littérature, op. cit., p. 29.





